الثلاثاء 4 جمادى الآخر 1439 - 20 فبراير 2018


خيارات البحث:


مجال البحث:


181396: سرق مالا من الشركة التي كان يعمل بها ثم تاب ، ولديه إشكالات يسأل عنها .


السؤال:
لقد اعتدت على العمل في شركة ، والحصول على أرباح لهذه الشركة ، و قد وعدني رئيسي في العمل ببعض الأرباح ، ولكنه دائماً ما يؤخر هذه النسبة الربحية بسبب ما سرقته منهم ، ولقد أخل رئيسي في العمل بهذا الوعد الذي قطعه لي ، مما أثار غضبي ، ودفعني للسرقة منهم أكثر مما أخذت من قبل ، ومنذ تركت العمل هناك ، وقد قررت العودة إلى صوابي ، ولا أتذكر القدر الحقيقي لما أخذته منهم . لقد قمت بإعادة نصف المبلغ الذي سرقته منهم وذلك عن طريق صديق لي ، وهذا الصديق ما زال يعمل في نفس الشركة .

وأسئلتي هي :
2. هناك بعض الأشياء التي اشتريتها من هذا المال المسروق ، ولكني تصدقت للفقراء ببعض المال ، ولكني سوف أعيد هذه الأموال لصاحب المال كاملةً . فهل هذه الصدقة مقبولة ؟ هل يصح مني صلاة الاستخارة على إرجاع المال بطريقة ممكنة وسهلة . و هل أعمالي الصالحة مقبولة في هذه الآونة أم لا مثل الصلوات و الزكاة والذكر ؟ لأني قرأت أن التوبة لا تكون كاملة إلا برد المال المسروق كاملاً .

تم النشر بتاريخ: 2012-11-13

الجواب :
الحمد لله
أولا :
السرقة من كبائر الذنوب ، ونحمد الله أن وفقك للتوبة ، فاجتهد في تحقيق التوبة على الوجه المشروع ، ولا تقابل السيئة بالسيئة ؛ فتتأول لنفسك الباطل بالتأويلات الفاسدة ، وإخلاف المدير وعده معك لا يسوغ لك السرقة والاستمرار عليها ، وخاصة أنك تذكر أنه إنما فعل ذلك بك بسبب ما سرقته منهم .
ثانيا :
اجتهد مع نفسك في معرفة مقدار ما سرقته من الشركة ، فإن عجزت عن معرفته تاما ، فقدر ما يغلب على ظنك أنك أخذته منهم بغير وجه الحق ، ثم رده إليهم ؛ وقد قال الله عز وجل : ( فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ) التغابن/ 16 .
قال الشيخ السعدي رحمه الله :
" هذه الآية تدل على أن كل واجب عجز عنه العبد أنه يسقط عنه ، وأنه إذا قدر على بعض المأمور وعجز عن بعضه فإنه يأتي بما يقدر عليه ، ويسقط عنه ما يعجز عنه ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ) متفق عليه . ويدخل تحت هذه القاعدة الشرعية من الفروع ما لا يدخل تحت الحصر " انتهى من "تفسير السعدي" (ص 868) .

ثالثا :
حيث إنك رددت نصف الذي كنت أخذته من الشركة بغير حق فقد أحسنت صنعا ، فاجتهد في رد النصف الثاني .
ولا يلزمك إخبار صاحب العمل بصورة الحال ، ولا بالذي كنت قد فعلته ، ولا بالذي قد نويت فعله ، إذا خشيت أن يعقب ذلك شر أو فتنة ، أو كان يشق عليك إخباره ، وخشيت على نفسك من معرّة ذلك ؛ فإن الله ستير يحب الستر ، وإنما الواجب رد الحقوق لأصحابها على أي وجه كان ، مادام أنه جائز مباح ، ثم التوبة إلى الله تعالى وكثرة الاستغفار .
راجع جواب السؤال رقم : (31234) ورقم (43017) .

رابعا :
الأعمال الصالحة من صلاة وصيام وصدقة ودعاء وذكر ونحو ذلك ، مع وجود نية التوبة والسعي في رد الحقوق إلى أهلها مقبولة إن شاء الله ، بل هي من جملة التوبة المأمور بها ، وليس من شرط قبول العمل الصالح ألا يكون لصاحبه ذنب أو كبيرة ، وليس وقوع الكبيرة محبطا لما لصاحبها من الأعمال الصالحة ، إلا أن يكون ذلك في شيء خاص ورد به النص .

وإنما الإشكال فيما له تعلق بذلك الذنب من الطاعات ؛ فمثل هذا العمل يتأثر بالذنب من حيث القبول ، وقد يردّ على صاحبه فلا يقبل .
وهذه المسألة تشبه مسألة التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره .
قال ابن القيم رحمه الله :
" هل تصح التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره فيه قولان لأهل العلم ... والذي عندي في هذه المسألة : أن التوبة لا تصح من ذنب مع الإصرار على آخر من نوعه ، وأما التوبة من ذنب مع مباشرة آخر لا تعلق له به ولا هو من نوعه فتصح ، كما إذا تاب من الربا ولم يتب من شرب الخمر مثلا فإن توبته من الربا صحيحة ، وأما إذا تاب من ربا الفضل ولم يتب من ربا النسيئة وأصر عليه أو بالعكس أو تاب من تناول الحشيشة وأصر على شرب الخمر أو بالعكس : فهذا لا تصح توبته ، وهو كمن يتوب عن الزنا بامرأة وهو مصر على الزنا بغيرها غير تائب منها ، أو تاب من شرب عصير العنب المسكر وهو مصر على شرب غيره من الأشربة المسكرة ، فهذا في الحقيقة لم يتب من الذنب وإنما عدل عن نوع منه إلى نوع آخر ، بخلاف من عدل عن معصية إلى معصية أخرى غيرها في الجنس " انتهى من مدارج السالكين (1 /273-275) .

خامسا :
هذه الأشياء التي اشتريتها من هذا المال المسروق وتصدقك بها على الفقراء : فاعلم أنه لا يصح تصدقك بهذا المال على الفقراء ، سواء تصدقت بعينه أو بما اشتريته به ؛ لأنه مال حرام يجب رده إلى أصحابه ، ولا يجوز التصدق به ؛ لأن الله طيب لا يقبل إلا طيبا .
وحيث إنه من نيتك رد الأموال كاملة إلى أصحابها فقد أحسنت صنعا ، فسارع بردها .

سادسا :
لا يشرع لك صلاة الاستخارة في رد هذه الأموال إلى أصحابها ، ولا حاجة بك إلى صلاتها بخصوص طريقة الرد الممكنة ؛ لأن الرد مع الإمكان واجب ، ولا تشرع صلاة الاستخارة في الأمر الواجب . قال ابن عثيمين رحمه الله : " الواجب لا يستخير فيه ؛ لأن الله قد حكم به وأوجبه " انتهى من "اللقاء الشهري" (4 /135) ، وراجع جواب السؤال رقم : (11981) .

لكن إن كنت مترددا بين طريقة للرد وطريقة أخرى ، ولا تعلم أيها أرجى ، وأقرب للستر ، فربما يقال بالاستخارة لأجل التردد بين أمرين من المشروع ، ولا تقدر على الترجيح بينهما .
والله تعالى أعلم .

موقع الإسلام سؤال وجواب
أضف تعليقا