الأربعاء 5 جمادى الآخر 1439 - 21 فبراير 2018


خيارات البحث:


مجال البحث:


181899: حكم إنشاء مجموعات على برامج المحادثات والتواصل لتلاوة القرآن وحفظه


السؤال:
نجتمع في مجموعه على برنامج المراسلات ، ونرسل كل يوم صفحه من القرآن ونقوم بقراءتها جميعنا ؛ سمعت أنها بدعة ؛ فهل هي بدعة ، أم يجوز لنا هذا ؟ مع العلم أن هناك أخوات كن لا يقرأن القرآن ، والتزمن بالقراءة ، وبرضاهن دون الإجبار أو التكلفة ، وهناك بعض من يرسل علامة للدلالة على قراءته للصفحة .

تم النشر بتاريخ: 2012-12-25

الجواب :
الحمد لله :
أولا :
نحمد الله عز وجل على ما نراه في هذه الأيام من حرص ثلة من الشبان والشابات على استغلال وسائل التقنية الحديثة في نشر الخير ، والتعاون عن طريقها على البر والتقوى الداخلان في عموم قوله تعالى : (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) المائدة /2 .

ثانيا :
جاءت الشريعة المطهرة بالحث على حفظ كتاب الله عز وجل ومدارسته والعناية بذلك ، قال تعالى : (وَرَتِّلْ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً ) المزمل / 4.
وروى الترمذي (2914) وأبو داود (1464) عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( يقال لصاحب القرآن اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية تقرأ بها ) والحديث صححه الألباني في " السلسلة الصحيحة " (5/281) برقم (2240) .
وجاء في فضل حافظ القرآن : ما رواه البخاري (4937) عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( مثل الذي يقرأ القرآن وهو حافظ له مع السفرة الكرام البررة ومثل الذي يقرأ وهو يتعاهده وهو عليه شديد فله أجران ) .

ثالثا:
ما سألت عنه من حكم إنشاء المجموعات أو ما يعرف بالجروبات عن طريق برامج المحادثة كالواتس أب وغيره لحفظ كتاب الله أو لتلاوته بالصورة المذكورة من إرسال قدر معين للمشتركين يقرؤونه ويعلم بعضهم بعضا بإتمام ذلك ، اختلفت فيه أنظار أهل العلم المعاصرين على قولين:
القول الأول :
ذهب جماعة من أهل العلم إلى عدم جواز ذلك ، وأنه من جملة البدع المنهي عنها ، واستدلوا لذلك بأمور :
الأول:
أنه لا يشك أحد في فضل قراءة القرآن وحفظه وذكر الله تعالى ، وقد جاء الأمر بذلك كله مطلقا غير مقيد بزمان أو مكان إلا ما دل الدليل عليه ، فمتى ما قيدنا ما أطلق الله ورسوله ، أو أطلقنا ما قيداه دون دليل شرعي أخرجنا العبادة عن كونها عبادة إلى كونها بدعة داخلة في حد البدع الإضافية كما ذكر أهل العلم ، قال الشاطبي في معرض تقسيمه البدعة إلى حقيقة وإضافية : " البدعة الحقيقية : هي التي لم يدل عليها دليل شرعي ؛ لا من كتاب ، ولا سنة ، ولا إجماع ، ولا استدلال معتبر عند أهل العلم .
لا في الجملة ولا في التفصيل ولذلك سميت بدعة - كما تقدم ذكره - لأنها شيء مخترع على غير مثال سابق ... وأما البدعة الإضافية : فهي التي لها شائبتان : إحداهما لها من الأدلة متعلق ، فلا تكون من تلك الجهة بدعة ، والأخرى ليس لها متعلق ، إلا مثل ما للبدعة الحقيقية ... والفرق بينهما من جهة المعنى ، أن الدليل عليها من جهة الأصل قائم ، ومن جهة الكيفيات ، أو الأحوال ، أو التفاصيل ، لم يقم عليها ، مع أنها محتاجة إليه ، لأن الغالب وقوعها في التعبديات ، لا في العاديَّات المحضة " انتهى من " الاعتصام " ( 1/286-287) .
ومما يدل على ذلك ما أخرجه الدارمي (204) عن عمرو بن سلمة قَالَ : " كُنَّا نَجْلِسُ عَلَى بَابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَبْلَ صَلَاةِ الْغَدَاةِ فَإِذَا خَرَجَ مَشَيْنَا مَعَهُ إِلَى الْمَسْجِدِ فَجَاءَنَا أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ فَقَالَ : أَخَرَجَ إِلَيْكُمْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بَعْدُ ؟ قُلْنَا : لَا فَجَلَسَ مَعَنَا حَتَّى خَرَجَ فَلَمَّا خَرَجَ قُمْنَا إِلَيْهِ جَمِيعًا فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِنِّي رَأَيْتُ فِي الْمَسْجِدِ آنِفًا أَمْرًا أَنْكَرْتُهُ وَلَمْ أَرَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ إِلَّا خَيْرًا قَالَ : فَمَا هُوَ ؟ فَقَالَ : إِنْ عِشْتَ فَسَتَرَاهُ قَالَ رَأَيْتُ فِي الْمَسْجِدِ قَوْمًا حِلَقًا جُلُوسًا يَنْتَظِرُونَ الصَّلَاةَ فِي كُلِّ حَلْقَةٍ رَجُلٌ وَفِي أَيْدِيهِمْ حَصًى فَيَقُولُ كَبِّرُوا مِائَةً فَيُكَبِّرُونَ مِائَةً فَيَقُولُ هَلِّلُوا مِائَةً فَيُهَلِّلُونَ مِائَةً وَيَقُولُ سَبِّحُوا مِائَةً فَيُسَبِّحُونَ مِائَةً قَالَ : فَمَاذَا قُلْتَ لَهُمْ ؟ قَالَ : مَا قُلْتُ لَهُمْ شَيْئًا انْتِظَارَ رَأْيِكَ وَانْتِظَارَ أَمْرِكَ قَالَ : أَفَلَا أَمَرْتَهُمْ أَنْ يَعُدُّوا سَيِّئَاتِهِمْ وَضَمِنْتَ لَهُمْ أَنْ لَا يَضِيعَ مِنْ حَسَنَاتِهِمْ ، ثُمَّ مَضَى وَمَضَيْنَا مَعَهُ حَتَّى أَتَى حَلْقَةً مِنْ تِلْكَ الْحِلَقِ فَوَقَفَ عَلَيْهِمْ ، فَقَالَ : مَا هَذَا الَّذِي أَرَاكُمْ تَصْنَعُونَ ؟ قَالُوا : يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَصًى نَعُدُّ بِهِ التَّكْبِيرَ وَالتَّهْلِيلَ وَالتَّسْبِيحَ ، قَالَ : فَعُدُّوا سَيِّئَاتِكُمْ فَأَنَا ضَامِنٌ أَنْ لَا يَضِيعَ مِنْ حَسَنَاتِكُمْ شَيْءٌ ، وَيْحَكُمْ يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ مَا أَسْرَعَ هَلَكَتَكُمْ هَؤُلَاءِ صَحَابَةُ نَبِيِّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَوَافِرُونَ ، وَهَذِهِ ثِيَابُهُ لَمْ تَبْلَ ، وَآنِيَتُهُ لَمْ تُكْسَرْ ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّكُمْ لَعَلَى مِلَّةٍ هِيَ أَهْدَى مِنْ مِلَّةِ مُحَمَّدٍ ، أَوْ مُفْتَتِحُو بَابِ ضَلَالَةٍ ، قَالُوا : وَاللَّهِ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَا أَرَدْنَا إِلَّا الْخَيْرَ، قَالَ : وَكَمْ مِنْ مُرِيدٍ لِلْخَيْرِ لَنْ يُصِيبَهُ ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَّثَنَا أَنَّ قَوْمًا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ وَأيْمُ اللَّهِ مَا أَدْرِي لَعَلَّ أَكْثَرَهُمْ مِنْكُمْ ثُمَّ تَوَلَّى عَنْهُمْ فَقَالَ عَمْرُو بْنُ سَلَمَةَ رَأَيْنَا عَامَّةَ أُولَئِكَ الْحِلَقِ يُطَاعِنُونَا يَوْمَ النَّهْرَوَانِ مَعَ الْخَوَارِجِ " .
صححه الألباني في " السلسلة الصحيحة " (5/11).

الثاني:
أن الأصل في ذكر الله عز وجل وغيره من التطوعات الإخفاء وعدم الإعلان بها مخافة أن يفضي ذلك بصاحبه إلى الرياء والإعجاب ، إلا أن يكون في ذلك مصلحة ظاهرة ، قال الله تعالى : ( إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ) البقرة/271.
قال ابن كثير رحمه الله :
" ( إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ) أي : إن أظهرتموها فنعم شيء هي ، وقوله : ( وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُم ) فيه دلالة على أن إسرار الصدقة أفضل من إظهارها ؛ لأنه أبعد عن الرياء ، إلا أن يترتب على الإظهار مصلحة راجحة من اقتداء الناس به ، فيكون أفضل من هذه الحيثية " انتهى من "تفسير القرآن العظيم" (1/701) .

الثالث:
أنه يغني عما تقدم التواصي بالخير والعمل الصالح مطلقا ، دون تقييد بزمان أو مكان إلا ما دل الدليل عليه ، فيمكن أن يستغنى عن ذلك برسائل تذكيريه للمشتركين في المجموعة من مثل : (لا تنس وردك من القرآن) ونحو ذلك ، مما لا يوقع في محظور التقييد أو الإلزام بما لم يقيده أو يلزم به الشارع الحكيم ، أو الإقدام على عمل الطاعة مراعاة لنظر البشر، وسؤال السائل منهم ، ومتابعته .
وممن اختار هذا القول الشيخ الدكتور : محمد بن محمد المختار الشنقيطي في فتوى صوتية له على الرابط التالي : http://www.youtube.com/watch?feature=player_embedded&v=47qtI4BxdFQ
وممن اختاره أيضا الشيخ الدكتور أحمد بن عبد الرحمن القاضي أنظر فتواه على الرابط:
http://www.al-aqidah.com/?aid=show&uid=1187

القول الثاني:
ذهب جماعة من أهل العلم المعاصرين إلى جواز ذلك واستدلوا عليه بأمور :
الأول :
أن ذلك من جملة الوسائل المعينة على حفظ كتاب الله تعالى وتلاوته ، وليس فيها منافاة لمكانة القرآن وقدسيته ، والأًصل في الوسائل للأعمال المشروعة أنها مشروعة إلا إن دل الدليل على تحريمها ، كما أن الأصل في الوسائل إلى المحرمات أنها محرمة .
ثانيا :
أن الوسائل المعينة على حفظ كتاب الله وتلاوته ، ليست من التعبدات المحضة التوقيفية التي لا تثبت إلا بدليل شرعي على كل فرد من أفرادها ، ولذا لم يحد الشارع فيها حداً معينا أو طريقة معينة ، ومما يدل على ذلك أن الصحابة رضي الله عنهم جمعوا القرآن بعد وفاته صلى الله عليه وسلم ، وجزؤوه وحزبوه أحزابا لتسهيل حفظه ومراجعته ، وقد قرر أهل العلم أن الأصل في الوسائل الحل لأنها معقولة المعنى فلا تدخلها البدعة ، بخلاف التعبدات المحضة ، قال الشاطبي رحمه الله في معرض رده على ما ابتدعه المتصوفة وغلاتهم في دين الله عز وجل واحتجاجهم بجمع الصحابة للقرآن الكريم بعد وفاته صلى الله عليه وسلم " فحقٌ ما فعل اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لأن له أصلا يشهد له في الجملة ، وهو الأمر بتبليغ الشريعة وذلك لا خلاف فيه لقوله تعالى : ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ) وأمته مثله ، وفي الحديث : ( ليبلغ الشاهد منكم الغائب ) ، وأشباهه ، والتبليغ كما لا يتقيد بكيفية معلومة ؛ لأنه من قبيل المعقول المعنى ، فيصح بأي شيء أمكن من الحفظ والتلقين والكتابة وغيرها ، كذلك لا يتقيد حفظه عن التحريف والزيغ بكيفية دون أخرى ، إذا لم يعْدُ على الأصل بإبطال" انتهى من " الاعتصام " (1 / 186).

وممن ذهب إلى هذا القول الشيخ الدكتور علي محيى الدين القره داغي حفظه الله ، وغيره من أهل العلم انظر فتاواهم على الرابط :
http://www.islamfeqh.com/News/NewsItem.aspx?NewsItemID=4524

والذي يظهر لنا في ذلك هو التوسط بين القولين :
فإن كان المراد بذلك التعبد ، وقراءة كل لورده ، فيكتفى في مثله بالتذكير والتواصي ، دون إحداث هيئات جديدة في صفة العبادة ، أو مراعاة متابعة الآخرين ، إلا إذا كان للغير خصوصية المربي والمؤدب ، فهذا يمكن فيه المتابعة والتعهد والتربية .

وأما ما كان مقصوده التعلم والمدارسة والحفظ ، فهذا الباب لا حرج في التوسع فيه بالوسائل ، ولو كانت مستجدات ، وهذا لا يبعد كثيرا عن أصول السلف في مثل ذلك .

والله أعلم .

موقع الإسلام سؤال وجواب
أضف تعليقا