الاثنين 2 ربيع الأول 1439 - 20 نوفمبر 2017


خيارات البحث:


مجال البحث:


269390: ورد في السنة قراءة سورتي عم والمرسلات في ركعة واحدة ، فهل يقرأها كما وردت أو حسب ترتيب المصاحف الآن ؟


السؤال : النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ النظائر السورتين في ركعة : النجم والرحمن في ركعة ، واقتربت والحاقة في ركعة ، والطور والذاريات في ركعة ، وإذا وقعت ونون في ركعة ، وسأل سائل والنازعات في ركعة ، وويل للمطففين وعبس في ركعة ، والمدثر والمزمل في ركعة ، وهل أتى ولا أقسم بيوم القيامة في ركعة ، وعم يتساءلون والمرسلات في ركعة ، والدخان وإذا الشمس كورت في ركعة . هل القراءة حسب هذا الترتيب مثل الطور والذاريات في ركعة، فالذاريات قبل الطور في ترتيب المصحف أم أقرأ الطور قبل الذاريات ؟

تم النشر بتاريخ: 2017-09-12

الجواب  :

الحمد لله

أولا :

الحديث المسئول عنه ، أخرجه أبو داود برقم (1396) وصححه الألباني في "صحيح أبي داود".

وقراءة النبي صلى الله عليه وسلم بهذه النظائر ليس فيه مخالفة لترتيب المصحف ؛ إذ لم يكن ترتيب سور القرآن قد استقر في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ، بل كانت الآيات والسور لا تزال تنزل ، وإنما اجتهد الصحابة رضي الله عنهم بعد وفاته في ترتيبه ، وتنوّع ترتيبهم للمصاحف .

فقد كان مصحف ابن مسعود رضي الله عنه مرتبا ترتيبا مغايرا لمصحف عثمان ، حيث كان موافقا لهذه النظائر التي كان يقرأ بهن النبي صلى الله عليه وسلم ، ولذلك قال أبو داود عن هذا الحديث : (هذا تأليف ابن مسعود) ومعنى التأليف : هو الجمع والترتيب .

وقال في "المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود" (8/ 13( :

" )قوله هذا تأليف ابن مسعود) أي ما ذكر من ترتيب السور في كل ركعتين على هذه الهيئة : تأليف ابن مسعود ، وجمعه لها في صحيفته.

وأتى المصنف بهذا لدفع ما يتوهم من أن ترتيب السور في الحديث مخالف للترتيب المعروف.

قال الحافظ في الفتح : فيه دلالة على أن تأليف مصحف ابن مسعود غير تأليف العثماني، وكان أوله الفاتحة ثم البقرة ثم النساء ثم آل عمران ، ولم يكن على ترتيب النزول.

ويقال إن مصحف عليّ كان على ترتيب النزول ، أوله : اقرأ ، ثم المدثر ، ثم ن والقلم ، ثم المزمل ، ثم تبت ، ثم التكوير ، ثم سبح ، وهكذا إلى آخر المكي ، ثم المدني والله تعالى أعلم " انتهى .

 

وقد كان لعلي بن أبي طالب ترتيب آخر ، وكذلك أُبيّ بن كعب ، وغيرهما .

 

وأما مصحف عثمان الذي وافقه عليه جمهور الصحابة ، وانتشر في الأمصار : فقد قال جمع من أهل العلم إنه رُتّب موافقا للعرضة الأخيرة ، التي قرأها النبي صلى الله عليه وسلم على جبريل عليه السلام في رمضان الأخير قبل وفاته صلى الله عليه وسلم .

قال ابن الملقن :

" قد اختلف في ترتيب سور القرآن، فمنهم من كتب في مصحفه السور على تاريخ نزولها، وقدم المكي على المدني، ومنهم من جعل في أول مصحفه {الْحَمْدُ}، ومنهم من جعل في أوله: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} , وهذا أول مصحف علي، وأما مصحف ابن مسعود فإن أوله {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} ثم البقرة، ثم النساء على ترتيب مختلف رواه طلحة بن مصرف، عن يحيى بن وثاب، عن علقمة، عنه، ومصحف أُبي كان أوله {الْحَمْدُ} ثم البقرة، ثم النساء، ثم آل عمران، ثم الأنعام، ثم الأعراف، ثم المائدة ، كذلك ، على اختلاف شديد.

وأجاب القاضي أبو بكر ابن الطيب بأنه يحتمل أن يكون ترتيب السور على ما هي عليه اليوم في المصحف : كان على وجه الاجتهاد من الصحابة .

وقد قال قوم من أهل العلم: إن تأليف السور على ما هو عليه في مصحفنا : كان على توقيف من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لهم على ذلك وأمر به.

وأما ما روي من اختلاف مصحف أبي وعلي وعبد الله : إنما كان قبل العرض الأخير، وأنه - عليه السلام - رتب لهم تأليف السور بعد أن لم يكن فعل ذلك" انتهى من "التوضيح" (24/43).

 

ومن أهل العلم من ضعّف استناد ترتيب مصحف عثمان إلى العرضة الأخيرة ، ونفى أن يكون هناك دليل يفيد القطع بالترتيب ، وهذا اختيار الحافظ ابن حجر رحمه الله ، واستدل له باجتهاد عثمان في جعله سورة "الأنفال" قبل "براءة" .

قال ابن حجر منتقدا القول بأن الترتيب توقيفي :

" فِيهِ نَظَرٌ ؛ بَلِ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ كَانَ يُعَارِضُهُ بِهِ عَلَى تَرْتِيبِ النُّزُولِ .

نَعَمْ ؛ تَرْتِيبُ بَعْضِ السُّوَرِ عَلَى بَعْضٍ ، أَوْ مُعْظَمِهَا : لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ تَوْقِيفًا ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُ مِنَ اجْتِهَادِ بَعْضِ الصَّحَابَةِ .

وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمد وَأَصْحَاب السّنَن وَصَححهُ ابن حبّان وَالْحَاكِم من حَدِيث بن عَبَّاسٍ قَالَ : قُلْتُ لِعُثْمَانَ: مَا حَمَلَكُمْ عَلَى أَنْ عَمَدْتُمْ إِلَى الْأَنْفَالِ وَهِيَ مِنَ الْمَثَانِي ، وَإِلَى بَرَاءَةٌ وَهِيَ مِنَ الْمئِينِ ؛ فَقَرَنْتُمْ بِينهمَا ، وَلَمْ تَكْتُبُوا بَيْنَهُمَا سَطْرَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَوَضَعْتُمُوهُمَا فِي السَّبْعِ الطِّوَالِ ؟ فَقَالَ عُثْمَانُ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَثِيرًا مَا يَنْزِلُ عَلَيْهِ السُّورَةُ ذَاتُ الْعَدَدِ ، فَإِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الشَّيْءُ - يَعْنِي مِنْهَا - دَعَا بَعْضَ مَنْ كَانَ يَكْتُبُ ، فَيَقُولُ : ضَعُوا هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَانَتِ الْأَنْفَالُ مِنْ أَوَائِلِ مَا نَزَلَ بِالْمَدِينَةِ ، وَبَرَاءَةٌ مِنْ آخِرِ الْقُرْآنِ ، وَكَانَ قِصَّتُهَا شَبِيهَةً بِهَا ، فَظَنَنْتُ أَنَّهَا مِنْهَا ، فَقُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُبَيِّنْ لَنَا أَنَّهَا مِنْهَا ا.ه

 

فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَرْتِيبَ الْآيَاتِ فِي كُلِّ سُورَةٍ كَانَ تَوْقِيفًا ، وَلَمَّا لَمْ يُفْصِحِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَمْرِ (بَرَاءَةٌ)، أَضَافَهَا عُثْمَانُ إِلَى الْأَنْفَالِ ، اجْتِهَادًا مِنْهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ" انتهى من "فتح الباري" (9/42).

 

وينظر : "المقدمات الأساسية في علوم القرآن" للجديع (ص124).

 

وقد ذكر الشيخ مساعد الطيار ، حفظه الله : أن الخلاف في مسألة ترتيب السور في المصحف ، هل هو توقيفي ، أو اجتهادي : قوي جدا ، وبحث المسألة ، ورجح القول بأنه توقيفي .

ينظر : "المحرر في علوم القرآن" (197) وما بعدها .

 

ثانيا :

سواء قلنا : إن الترتيب العثماني استند إلى العرضة الأخيرة ، أو قلنا بنفي ذلك ، فإن السنة للمصلي أن يقرأ على حسب الترتيب العثماني ، وهو الترتيب الذي قد ثبت وشاع واستقرت عليه المصاحف في الأقطار الإسلامية ، بأمر من الخليفة الراشد عثمان بن عفان .

قال سليمان بن بلال: سمعت ربيعة (هو ربيعة الرّأي) يُسأل: لم قُدّمت البقرة وآل عمران وقد نزل قبلهما بضع وثمانون سورة بمكّة، وإنّما نزلتا بالمدينة؟ فقال: قدّمتا، وألّف القرآن على علم ممّن ألّفه به، ومن كان معه فيه، واجتماعهم على علمهم بذلك، فهذا ممّا يُنتهى إليه ، ولا يُسأل عنه " أخرجه عمر بن شبه في "تاريخ المدينة" (3/1016).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية :

"يجوز قراءة هذه قبل هذه، وكذا في الكتابة؛ ولهذا تنوعت مصاحف الصحابة رضي الله عنهم في كتابتها .

لكن لما اتفقوا على المصحف في زمن عثمان صار هذا مما سَنَّه الخلفاء الراشدون، وقد دل الحديث على أن لهم سنة يجب اتباعها" انتهى من "المستدرك على مجموع الفتاوى" (3/82) .

 

فإن أخل المصلي فقرأ منكِّسا ، كمن صلى مثلا بآل عمران ، ثم قرأ البقرة بعدها ، فلا شيء عليه ، وصلاته صحيحة لكن فعله خلاف الأولى  .

وقد سبق الكلام عن ذلك مفصلا في جواب السؤال (171060) ، فليراجع .

 

ومن أراد أن يطبق السنة ويأتي بالنظائر التي كان يقرأ بهن النبي صلى الله عليه وسلم ؛ فإنه يقرن بينهن دون مخالفة لترتيب مصحف عثمان ، فيقرأ بالذاريات ثم بالطور ، وكذلك يقدم سورة عبس على المطففين ، والمزمل على المدثر ... وهكذا .

وبهذا يحصّل المطلوب من الإتيان بالسنة في القرن بين النظائر من السور ، مع الالتزام بالترتيب العثماني .

جاء في "فتاوى ابن حجر الهيتمي" (1/140) .

"وسئل - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِمَا صُورَتُهُ: وَرَدَ قِرَاءَةُ النَّظَائِرِ فِي تَهَجُّدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهِيَ عِشْرُونَ سُورَةً عَلَى غَيْرِ تَرْتِيبِ مُصْحَفِ الْإِمَامِ، فَهَلْ الْأَوْلَى لِمَنْ أَرَادَ قِرَاءَتَهَا فِي تَهَجُّدِهِ اتِّبَاعُ مَا وَرَدَ أَوْ لَا؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ التَّوَالِي عَلَى تَرْتِيبِ الْمُصْحَفِ ؟

فأجاب بِقَوْلِهِ: "...لا يُنَافِيه قِرَاءَةُ السُّوَرِ الْمَذْكُورَةِ عَلَى تَرْتِيبِ الْمُصْحَفِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَتْ الطُّورُ وَالذَّارِيَاتُ مَثَلًا فِي رَكْعَةٍ حَصَلَ الْمَقْصُودُ بِتَقْدِيمِ الذَّارِيَاتِ وَتَأْخِيرِهَا " انتهى باختصار .

 

وقال الشيخ الألباني رحمه الله في كتابه "صفة الصلاة" (ص85) تعليقا على حديث ابن مسعود رضي الله عنه في جمعه صلى الله عليه وسلم بين النظائر قال : "إنه صلى الله عليه وسلم لم يراع في الجمع بين هذه النظائر ترتيب المصحف ، فدل على جواز ذلك ، ومثله ما سيأتي في القراءة في صلاة الليل [يعني : قراءته صلى الله عليه وسلم سورة البقرة ثم النساء ثم آل عمران] ، وإن كان الأفضل مراعاة الترتيب" انتهى .

 

والله أعلم .

موقع الإسلام سؤال وجواب
أضف تعليقا