السبت 11 صفر 1440 - 20 أكتوبر 2018


خيارات البحث:


مجال البحث:


271764: الجمع بين إنكار المنكر بالقلب وملاطفة الناس والإحسان إليهم


السؤال : ما التعامل الشرعي مع عوام الناس ، وقد نجد كثيرا منهم لديه مخالفات شرعية ، كأن يكون حليق اللحية ، أو يقصها ، ولا يبقى منها إلا القليل ، والإسبال ، وقد يكون بعضهم يشرب الدخان ، وكما نعلم أن إنكار المنكر أمر لابد منه ولو كان بالقلب ؟ وكيف نجمع بين الإنكار بالقلب ، ونعامل الناس بالحسنى ، كالتبسم في وجوههم ، وملاطفتهم ونحوه عند مخالطتهم ، كما كان خلق الرسول صلى الله عليه وسلم مع الناس ؛ لأنني عندما أرى هذه المنكرات المنتشرة أحزن ، وأحاول الإنكار بقلبي ، ولكن يبقى العوام مؤمنون ولهم حقوق علينا ؟ نود منكم أن تفصلوا في الموضوع ، وحبذا لو تذكروا آثارا عن فعل الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين ؟

تم النشر بتاريخ: 2018-01-10

الجواب :

الحمد لله

الأمر بالعروف والنهي عن المنكر من شعائر الإسلام العظيمة، وهما فرض كفاية، وقد يكونا فرض عين في بعض الأحوال.

والواجب على من رأى منكرا أن ينكره بقدر استطاعته، بيده أو بلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ) رواه مسلم (49).

والإنكار بالقلب واجب على كل أحد، ولا يسقط بحال.

ومعنى الإنكار بالقلب: كراهة المعصية ، وبغضها، وكراهة العمل بها .

وهذا لا يعارض التعامل مع صاحبها بالحسنى، أو التبسم في وجهه، في غير وقت فعله للمنكر. فحالق اللحية مثلا إذا لقيته : تسلم عليه ، وتهش في وجهه ، وترحب به ، بحسب الحال والمقام، وأنت مبغض لما عليه من حلق اللحية، وهذا هو الإنكار بالقلب.

 

فبغض المعصية لا ينافي التعامل مع صاحبها بالخلق الحسن، أو بالإكرام، وحفظ حقه ، ورد غيبته :

عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، أَنَّ رَجُلًا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ اسْمُهُ عَبْدَ اللَّهِ، وَكَانَ يُلَقَّبُ حِمَارًا، وَكَانَ يُضْحِكُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ جَلَدَهُ فِي الشَّرَابِ، فَأُتِيَ بِهِ يَوْمًا فَأَمَرَ بِهِ فَجُلِدَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: اللَّهُمَّ العَنْهُ، مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لاَ تَلْعَنُوهُ، فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ إِنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ» .

رواه البخاري (6780) .

 

وقد يحتاج المرء في معاملات بعض الناس إلى لون المداراة ، بحسب الحال ، وهذا أيضا خلق حسن مشروع ، وليس من المداهنة ولا النفاق في شيء .

ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة، فقد روى البخاري (6131) ومسلم (2591) عن عَائِشَةَ، أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ فَقَالَ: (ائْذَنُوا لَهُ، فَبِئْسَ ابْنُ العَشِيرَةِ - أَوْ بِئْسَ أَخُو العَشِيرَةِ -) فَلَمَّا دَخَلَ أَلاَنَ لَهُ الكَلاَمَ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قُلْتَ مَا قُلْتَ، ثُمَّ أَلَنْتَ لَهُ فِي القَوْلِ؟ فَقَالَ: (أَيْ عَائِشَةُ، إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ تَرَكَهُ - أَوْ وَدَعَهُ النَّاسُ - اتِّقَاءَ فُحْشِهِ).

 

وبوب البخاري لهذا الحديث بقوله: " بَابُ المُدَارَاةِ مَعَ النَّاسِ وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ: «إِنَّا لَنَكْشِرُ فِي وُجُوهِ أَقْوَامٍ، وَإِنَّ قُلُوبَنَا لَتَلْعَنُهُمْ»".

ونكشِر: أي نبتسم.

وأثر أبي الدرداء رواه البيهقي في شعب الإيمان (7749).

 

فهذا الحديث أصل في المداراة.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في فتح الباري (10/ 528): " قال ابن بطال: المداراة من أخلاق المؤمنين، وهي خفض الجناح للناس، ولين الكلمة، وترك الإغلاظ لهم في القول، وذلك من أقوى أسباب الألفة.

وظن بعضهم أن المداراة هي المداهنة، فغلط؛ لأن المداراة مندوب إليها ، والمداهنة محرمة.

والفرق : أن المداهنة من الدهان ، وهو الذي يظهر على الشيء ويستر باطنه .

وفسرها العلماء بأنها : معاشرة الفاسق ، وإظهار الرضا بما هو فيه ، من غير إنكار عليه. والمداراة هي الرفق بالجاهل في التعليم ، وبالفاسق في النهي عن فعله، وترك الإغلاظ عليه ، حيث لا يظهر ما هو فيه، والإنكار عليه بلطف القول والفعل ، ولا سيما إذا احتيج إلى تألفه ونحو ذلك" انتهى.

وينظر للفائدة جواب السؤال رقم (254388).

 

ويجب التنبه للفرق بين أمرين، التعامل مع صاحب المعصية أثناء ارتكابها، والتعامل معه بعد ذلك .

فيلزم في الإنكار بالقلب عند فعل المنكر مفارقة محل المعصية، ولا يجوز البقاء، فضلا عن التبسم والضحك مع صاحبها؛ لقوله تعالى: (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً) النساء/140

 

قال الجصاص في "أحكام القرآن" (2/407) : " وفي هذه الآية دلالة على وجوب إنكار المنكر على فاعله ، وأن من إنكاره : إظهار الكراهة ، إذا لم يمكنه إزالته ، وترك مجالسة فاعله ، والقيام عنه ، حتى ينتهي ويصير إلى حال غيرها " انتهى .

 

وقال الشيخ ابن باز رحمه الله : " والإنكار بالقلب فرض على كل واحد ، وهو بغض المنكر وكراهيته ، ومفارقة أهله عند العجز عن إنكاره باليد واللسان ؛ لقول الله سبحانه : ( وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين ) [الأنعام:68] ...) انتهى نقلا عن : "الدرر السنية في الأجوبة النجدية" (16/142).

 

وأما التعامل مع العاصي في غير وقت إتيانه المنكر، فالأمر فيه ما قدمنا، فيجتمع في القلب بغض معصيته، مع محبته لإيمانه، والإحسان إليه بالقول والفعل، تأليفا له، أو مراعاة لحقه لا سيما إذا كان أبا أو قريبا.

وفي "مصنف عبد الرزاق" (20267) و"شعب الإيمان" للبيهقي (6264) وغيرهما : عَنْ أَبِي قِلَابَةَ :

أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ قَدْ أَصَابَ ذَنْبًا، فَكَانُوا يَسُبُّونَهُ، فَقَالَ: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَجَدْتُمُوهُ فِي قَلِيبٍ أَلَمْ تَكُونُوا مُسْتخْرِجِيهِ؟» ، قَالُوا: بَلَى، قَالَ: «فَلَا تَسُبُّوا أَخَاكُمْ وَاحْمَدُوا اللَّهَ الَّذِي عَافَاكُمْ» ، قَالُوا: أَفَلَا تَبْغَضُهُ؟ قَالَ: «إِنَّمَا أَبْغَضُ عَمَلَهُ، فَإِذَا تَرَكَهُ فَهُوَ أَخِي» .

 

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: " وإذا اجتمع في الرجل الواحد : خير وشر، وفجور وطاعة ومعصية، وسنة وبدعة:

استحق من الموالاة والثواب بقدر ما فيه من الخير .

واستحق من المعاداة والعقاب : بحسب ما فيه من الشر .

فيجتمع في الشخص الواحد موجبات الإكرام والإهانة، فيجتمع له من هذا وهذا، كاللص الفقير تقطع يده لسرقته، ويعطى من بيت المال ما يكفيه لحاجته.

هذا هو الأصل الذي اتفق عليه أهل السنة والجماعة .

وخالفهم الخوارج والمعتزلة ومن وافقهم عليه ، فلم يجعلوا الناس إلا مستحقا للثواب فقط ؛ وإلا مستحقا للعقاب فقط" انتهى من مجموع الفتاوى (28/ 209).

 

والله أعلم.

موقع الإسلام سؤال وجواب
أضف تعليقا