الثلاثاء 27 محرّم 1439 - 17 أكتوبر 2017


خيارات البحث:


مجال البحث:


277533: نسيت المقصود باللفظ الذي علّقت عليه الوفاء بالنذر


السؤال : لي صديقة نذرت أنها إذا انخطبت سوف تصوم ثلاثة أيام ، وبالفعل تمت الخطبة أكثر من مرة ولكن لم يكتب الله لها الزواج ، ولا تذكر هل كانت نيتها في النذر إنها إن خُطبت فقط أو إن خُطبت وتم الزواج . وسؤالها، متى توفِ بنذرها .

تم النشر بتاريخ: 2017-10-12

الجواب :

الحمد لله

أولا:

نسأل الله تعالى أن يفرّج همها، وييسّر أمرها.

وعلى المسلم الانتباه إلى أن النذر منهي عنه ، وأنه ليس سببا لحصول المطلوب .

عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: ( نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ النَّذْرِ، وَقَالَ: إِنَّهُ لاَ يَرُدُّ شَيْئًا، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ البَخِيلِ ) رواه البخاري (6608) ومسلم (1639).

 

لكن من خالف هذا الأدب ، ونذر نذر طاعة : فعليه الوفاء به.

عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلاَ يَعْصِهِ ) رواه البخاري (6696).

 

ثانيا:

العبرة في النذر بمعناه لا بمجرد ألفاظه، وهذا كسائر الالتزامات التي يتلفظ بها العبد.

قال ابن القيم رحمه الله تعالى:

" الاعتبار بالمعاني والمقاصد في الأقوال والأفعال" انتهى. "إعلام الموقعين" (4 / 552).

وأصل هذا قول رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى ) رواه البخاري (1) ومسلم (1907).

 

وقد استنبط أهل العلم من هذا الحديث قاعدة عظيمة ، وهي: " أن الأمور بمقاصدها " ومن فروعها : " أن مقاصد اللفظ على نية اللافظ " . "الأشباه والنظائر" للسيوطي (1 / 81).

 

فإذا شك الشخص في نيته وقصده بنذره، فعليه أن يعمل في هذه الحالة بغالب ظنه، وذلك بأن ينظر إلى السبب والحال الذي دفع الشخص إلى النذر، فإذا رجَّحت هذه الأسباب والأحوال أي جانب من جوانب الشك عمل به.

قال ابن عبد البر رحمه الله تعالى:

" والأصل في هذا الباب – أي باب اليمين- مراعاة ما نوى الحالف .

فإن لم تكن له نية : نظر إلى بِساط قصته ، وما أثاره على الحلف ؛ ثم حكم عليه بالأغلب من ذلك في نفوس أهل وقته " انتهى. "الكافي" (1 / 452).

وقال ابن القيم رحمه الله تعالى:

" وكذلك أصحاب الإمام أحمد صرَّحوا باعتبار النية ، وحمل اليمين على مقتضاها .

فإن عُدمت : رجع إلى سبب اليمين وما هيجها ، فحمل اللفظ عليه؛ لأنه دليل على النية ...

والمقصود : أن النية تؤثر في اليمين تخصيصًا وتعميمًا وإطلاقًا وتقييدًا .

والسبب يقوم مقامها عند عدمها ، ويدل عليها ، فيؤثر ما تؤثره .

وهذا هو الذي يتعين الإفتاء به، ولا يُحمل الناس على ما يُقطَع أنهم لم يريدوه بأيمانهم، فكيف إذا علم قطعًا أنهم أرادوا خلافه؟ واللَّه أعلم " انتهى. "اعلام الموقعين" (5 / 532 - 535).

 

والنذر واليمين من باب واحد.

عن عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ( إِنَّمَا النَّذْرُ يَمِينٌ، كَفَّارَتُهَا كَفَّارَةُ الْيَمِينِ ) رواه أحمد (28 / 575)، ورواه مسلم (1645) بلفظ : ( كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ ).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:

" والنذر نوع من اليمين، وكل نذر فهو يمين، فقول الناذر: لله علي أن أفعل. بمنزلة قوله: أحلف بالله لأفعلن؛ موجب هذين القولين التزام الفعل معلقا بالله.

والدليل على هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم (النذر حلف) فقوله: إن فعلت كذا فعلي الحج لله. بمنزلة قوله: إن فعلت كذا فوالله لأحجن " انتهى. "مجموع الفتاوى" (35 / 258).

 

فإذا لم ترجِّح الأسباب الدافعة للنذر أي جانب من جوانب الشك؛ ففي هذه الحالة يرجع إلى اللفظ.

قال ابن شاس رحمه الله تعالى :

" اعلم أن المقتضيات للبر والحنث أمور:

الأول: النية، إذا كانت مما يصلح أن يراد اللفظ بها، كانت مطابقة له أو زائدة فيه، أو ناقصة عنه بتقييد مطلقه، وتخصيص عامه.

الثاني: السبب المثير لليمين ليُتعرف منه، ويعبر عنه بالبساط أيضاً، وذلك أن القاصد إلى اليمين لابد أن تكون له نية، وإنما يذكرها في بعض الأوقات، وينساها في بعضها، فيكون المحرك على اليمين ، وهو البساط ، دليلاً عليها . لكن قد يظهر مقتضى المحرك ظهوراً لا إشكال فيه، وقد يخفى في بعض الحالات، وقد يكون ظهوره وخفاؤه بالإضافة [ يعني : قد يكون الظهور والخفاء : أمرا نسبيا ] .

الثالث: العُرف: أعني ما عرف من مقاصد الناس في أيمانهم.

الرابع: مقتضى اللفظ لغة ووضعاً. والمشهور أن هذه الأمور على ما ذكرناه من الترتيب " انتهى. "عقد الجواهر الثمينة" (2 / 348).

وقال ابن عبد البر رحمه الله تعالى:

" ومن لم يكن ليمينه بساط ولا نية : فإنه يحنث بكل ما وقع عليه ذلك الاسم المحلوف عليه ؛ فقف على ذلك تصب الحكم إن شاء الله " انتهى. "الكافي" (1 / 452).

 

وينظر للفائدة جواب السؤال رقم (147340).

والخلاصة:

أن عليها أن تحاول تذكر نيتها ومقصدها من لفظ "الخطبة" التي علقت عليه النذر .

فإذا نسيت : عملت بغالب ظنها وذلك بأن تحاول تذكر الحال والسبب الذي دفعها إلى النذر. فإذا ترجّح أي جانب من جانبي شكها عملت به، فإن لم يترجّح عندها أي جانب، ففي هذه الحالة يلزمها الوفاء بالنذر وهو صيام ثلاثة أيام ، لأن النذر علق على الخطبة وقد حصلت .

 

ولو وقفت على مقتضى اللفظ ، بكل حال ، وأوفت بنذرها عن كل مرة تمت فيها الخطبة : فهو حسن ، وأبرأ لذمتها ، لا سيما مع نسيانها ، والأمر قريب في نذر ، فثلاثة أيام عن كل مرة : ليست بالشيء الكبير ، ولا الشاق .

نسأل الله أن ييسر أمرها ، ويلم شعثها ، ويرزقها الزوج الصالح .

والله أعلم.

موقع الإسلام سؤال وجواب
أضف تعليقا