الثلاثاء 15 محرّم 1440 - 25 سبتمبر 2018


خيارات البحث:


مجال البحث:


284393: شبهة حول حد السرقة والحرابة


السؤال : كنت أكلم نصرانيا ، وقد تسبب في وقوع شبهة في نفسي ، فآمل الإجابة عنها ، حيث قال لي : بوحشية الحدود في الإسلام ، كقطع اليد ، فكيف سيعمل الشخص الذي قطعت يده بعد ذلك ؟ وأنه سوف يتسول ، ويزيد أعداد المتسولين ، وإن كان له أهل وأولاد ، فأولاده سيتسولون ، وأسرته ستشرد ، كذلك حد الحرابة ، وأن الأفضل أن نوفر لمن وقع في حد الحرابة عملا بدلا من قطع يده ورجله ، وبعد أن تقطع يده ورجله كيف سيعيش ، ويعمل ويصرف علي أهله و أولاده ؟! وأين يذهب من يطبق عليهم الحدود ؟ و كيف يعيشون بعد ذلك ؟

تم النشر بتاريخ: 2018-03-12

الجواب : 

الحمد لله

أولًا :

الواجب على المسلم – إذا لم يكن عنده علم شرعي – أن لا يتعرض لمناظرة أو مناقشة أصحاب الديانات والمذاهب الأخرى ، لأنه بذلك يعرض نفسه للفتنة ، فقد تقع في نفسه الشبهة – وهو بسبب قلة علمه - لا يعلم لها ردًّا ، فيبقى في حيرة واضطراب وشكوك ، وقد كان في غنى عن ذلك.

ولذلك فالنصيحة لك أن لا تقدم على مناظرة أحد حتى تتسلح أولًا بالعلم الشرعي الراسخ ، الذي يمكنك من المناظرة .

ثانيًا :

القضية عندنا – نحن المسلمين – من أصول الإيمان وأركانه وقواعده ، وهي أن المؤمن يمتثل أمر الله تعالى ، ويعتقد أنه هو الحق ، وأن كل ما خالفه فهو باطل .

فالله تعالى أمرنا بإقامة الحدود التي شرعها ، فنحن نقيمها طاعة لله تعالى ، ونعتقد أنها أصلح وأنفع ما تكون ، وقد نعلم وجه صلاحها وقد لا نعلمه ، ولكن هذا لا يغير من إيماننا بها شيئا .

وهذا جواب مجمل لكل شبهة يتعرض لها المسلم ، أو يسمعها أو يقرأها ، ما دام هذا الأمر ورد في القرآن الكريم ، أو ثبت في السنة النبوية ، فهو الحق وهو المصلحة وهو الأنفع للناس ، سواء علمنا وجه المصلحة فيه أم لم نعلمها .

ثالثا :

أما الجواب المفصل على هذه الشبهة الخاصة بالحدود الشرعية ، التي شرعها الله تعالى على عدد قليل من الجرائم والذنوب ، فهو ما يلي :

هؤلاء الذين ينظرون إلى الجاني المجرم هذه النظرة الرحيمة ، نظرهم قاصر ، وهذه النظرة تدل على جهلهم ، ونقص عقولهم ، وعدم حكمتهم .

فإنهم نظروا إلى الجاني بعين الرحمة ، ولكنهم في الوقت ذاته لم ينظروا إلى المجتمع الذي طالما انكوى بنار هذا المجرم .

فهذا المجتمع في حاجة إلى من يكف عنه اعتداء السراق وقطاع الطريق ، في حاجة إلى من يأخذ على أيدي هؤلاء حتى يعيش الناس في أمان ، فيأمنوا على أنفسهم وأهلهم وأطفالهم ، ويأمنوا على أموالهم وتجارتهم ، فيسافرون آمنين ، ويمارسون أعمالهم وحياتهم من غير خوف من سطو قاطع طريق أو سارق .

فإذا مثَّل هؤلاء بأولاد المحدود ماذا يفعلون؟ وأرادوا بذلك استثارة العاطفة ، للدلالة على عدم حكمة الحدود الشرعية – وحاشاها من ذلك - : فنحن نمثل لهم بصورة أكثر درامية وتأثيرا ، وأكثر استثارة للعاطفة ! فلو أن رجلا غنيا صاحب مال وتجارة ، وله أطفال صغار ، ليس لهم أحد من الناس يرعاهم إلا هذا الأب الرحيم بأولاده ، فاعتدى أحد السراق أو قطاع الطريق على هذا الأب وسلبه جميع أمواله ، وقتله ، فما ذنب الصغار حتى يعيشوا فقراء متسولين ؟!

ومن يقوم برعايتهم الآن ؟!

لماذا لم ينظر هؤلاء إلى هؤلاء الأطفال بعين الرحمة كما نظروا للجاني بعين الرحمة ؟!

هل هذا من العدل أو العقل أو الإنصاف ؟!

إن الإسلام نظر إلى هؤلاء بعين الرحمة فشرع ما يمنع الجريمة من أصلها ، حتى لا يتعرض هؤلاء للفقر ، وحرمان العائل لهم والمربي ، بسبب ظلم قاطع طريق ، أو طمع سارق .

لقد نظر الإسلام إلى المصلحة الكبرى المتحققة من هذه العقوبات ، وهي حصول الأمن للمجتمع والقضاء على هذه الجرائم ، فوضع عقوبات شديدة ، حتى لا يجرؤ أحد على ارتكاب تلك الجرائم ، وبهذا ينظر الإسلام إلى المجتمع بعين الرحمة ، إذ رحمه من ظلم هذا المجرم ، وفي الوقت ذاته نظر إلى هذا المجرم أيضا بعين الرحمة ! فشرع له من العقوبة ما يردعه عن تلك الجناية قبل فعلها .

ونظر إليه بعين الرحمة مرة ثانية بعد ارتكابه لها ، حيث فتح له باب التوبة وإسقاط العقوبة عن نفسه ، إن تاب عن جرائمه قبل القبض عليه ، قال الله تعالى عن قطاع الطريق : ( إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) المائدة/33-34 .

وقال بعد أن ذكر عقوبة السارق : ( فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) المائدة/39 .

ثم رحمه مرة ثالثة ، فلم يقم عليه الحد إلا بعد أن تتوفر شروط شديدة ، قد يصعب تحققها في الواقع ، فليس كل سارق تقطع يده ، بل لذلك شروط كثيرة ذكرها العلماء ، فإن اختل منها شرط واحد لم تقطع يد السارق – مع ثبوت سرقته- ولك أن تتصور أن حد الزاني ، مع شدته ، ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه لم يثبت على أحد من الزناة ، من عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلى عهد شيخ الإسلام ، وقد توفي في النصف الأول من القرن الثامن الهجري ، لم يثبت إلا بالاعتراف ، ولم يثبت بشهادة الشهود قط . ومعنى هذا : أن شهادة الشهود لم تتحقق ولو في حالة واحدة فقط على مدار ثمانية قرون ، لأن شرط الشرع في هذه الشهادة شرط شديد ، يجعل تحققها أمرا صعبا للغاية .

ولكن بقيت تلك العقوبة رادعة للمجرمين من ارتكاب تلك المعصية القبيحة ، مع أنهم لو ارتكبوها فالغالب أنها لن تثبت عليهم ثبوتا يوجب الحد عليهم.

ثم رحم الإسلام الجاني مرة رابعة ، فجعل كل شبهة ، أو احتمال ، في ثبوت الجريمة : يفسر لمصلحة الجاني ، فلا يقام عليه الحد مع الشبهة والاحتمال ، وهذه قاعدة اتفق عليها العلماء : أن الحدود تدرأ بالشبهات .

فإذا تعدى الجاني كل هذه الحواجز ، وارتكب جنايته ارتكابًا ، وهتك حرمة الشرع ، واعتدى على حرمات الناس ، وحقوقهم ، حتى ثبتت عليه جريمته ، واستوجب الحد فقد وصل هذا الجاني في الإجرام مبلغا عظيما ، فكان لابد من إيقافه عن حده ، ومنعه من تكرار جريمته ، وإنقاذ المجتمع من عدوانه .

ومع ذلك رحمه الإسلام مرة خامسة ، حيث جعل هذا الحد كفارة له ، وتطهيرا له من جريمته، حتى يلقى الله تعالى طاهرا منها .

ثم رحمه مرة سادسة بالأمر بالإحسان إليه وعدم تعنيفه أو تعييره أو سبه ، بعد إقامة الحد عليه ، ثم بالأمر بقبوله في المجتمع أخا لنا ، كما كان قبل ارتكابه جريمته .

ثم رحمه الإسلام ، مرة سابعة بأن نجاه من انتقام المجني عليه أو أسرته ، فإن المجني عليه يتقطع قلبه طلبا للانتقام والتشفي من ذلك المجرم الذي قطع عليه الطريق ، أو تعرض له بالسلاح ، أو انتهك حرمته ، أو استولى على ماله .

فإذا ما أقيمت العقوبة الشرعية هدأ المجني عليه ، وزال ما كان يجده في قلبه ، لأنه يرى أن الجاني قد أخذ نصيبه العادل من العقاب .

وبالجملة ، فالحد الشرعي : رحمة من الله ، الرحمن الرحيم ، لعباده ، وبعباده .

ومتى أضاعها العباد : كان الفساد العريض في الأرض .

ولهذا نهى الله عباده عن تلك الرأفة بالمجرم ، التي تضيع الحقوق ، وتفسد البلاد والعباد .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :

" وَأَمَّا السَّارِقُ فَيَجِبُ قَطْعُ يَدِهِ الْيُمْنَى بِالْكِتَابِ والسنة والإجماع، قال الله تَعَالَى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}  (سورة المائدة: الآيتان 38، 39) .

ولا يجوز بعد ثبوت الحد بالبينة عليه، أو بالإقرار تأخيره: لا بحبس وَلَا مَالٌ يُفْتَدَى بِهِ وَلَا غَيْرُهُ، بَلْ تُقْطَعُ يَدُهُ فِي الْأَوْقَاتِ الْمُعَظَّمَةِ وَغَيْرِهَا؛ فَإِنَّ إقَامَةَ الْحَدِّ مِنْ الْعِبَادَاتِ، كَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.

فَيَنْبَغِي أَنْ يَعْرِفَ أَنَّ إقَامَةَ الْحُدُودِ رَحْمَةٌ مِنْ اللَّهِ بِعِبَادِهِ: فَيَكُونُ الْوَالِي شَدِيدًا فِي إقَامَةِ الْحَدِّ، لَا تَأْخُذُهُ رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ فَيُعَطِّلُهُ.

وَيَكُونُ قَصْدُهُ رَحْمَةَ الْخَلْقِ بكف الناس عن المنكرات؛ لا شفاء غيظه، وإرادة العلو على الخلق: بِمَنْزِلَةِ الْوَالِدِ إذَا أَدَّبَ وَلَدَهُ؛ فَإِنَّهُ لَوْ كَفَّ عَنْ تَأْدِيبِ وَلَدِهِ -كَمَا تُشِيرُ بِهِ الْأُمُّ رِقَّةً وَرَأْفَةً- لَفَسَدَ الْوَلَدُ، وَإِنَّمَا يُؤَدِّبُهُ رحمة به، وإصلاحا لحاله؛ مع أن يَوَدُّ وَيُؤْثِرُ أَنْ لَا يُحْوِجَهُ إلَى تَأْدِيبٍ، وَبِمَنْزِلَةِ الطَّبِيبِ الَّذِي يَسْقِي الْمَرِيضَ الدَّوَاءَ الْكَرِيهَ، وَبِمَنْزِلَةِ قَطْعِ الْعُضْوِ الْمُتَآكِلِ، وَالْحَجْمِ، وَقَطْعِ الْعُرُوقِ بالفساد، وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ بَلْ بِمَنْزِلَةِ شُرْبِ الْإِنْسَانِ الدَّوَاءَ الْكَرِيهَ، وَمَا يُدْخِلُهُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ الْمَشَقَّةِ لِيَنَالَ بِهِ الرَّاحَةَ.

فَهَكَذَا شُرِعَتْ الْحُدُودُ، وَهَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ نِيَّةُ الْوَالِي فِي إقَامَتِهَا، فإنه مَتَى كَانَ قَصْدُهُ صَلَاحَ الرَّعِيَّةِ وَالنَّهْيَ عَنْ الْمُنْكَرَاتِ، بِجَلْبِ الْمَنْفَعَةِ لَهُمْ، وَدَفْعِ الْمَضَرَّةِ عَنْهُمْ، وَابْتَغَى بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى، وَطَاعَةَ أَمْرِهِ: أَلَانَ اللَّهُ لَهُ الْقُلُوبَ، وَتَيَسَّرَتْ لَهُ أَسْبَابُ الْخَيْرِ، وَكَفَاهُ الْعُقُوبَةَ الْبَشَرِيَّةَ، وَقَدْ يُرْضِي الْمَحْدُودَ، إذَا أَقَامَ عَلَيْهِ الْحَدَّ. وَأَمَّا إذَا كَانَ غَرَضُهُ الْعُلُوَّ عَلَيْهِمْ، وَإِقَامَةَ رِيَاسَتِهِ لِيُعَظِّمُوهُ، أَوْ لِيَبْذُلُوا لَهُ مَا يُرِيدُ مِنْ الْأَمْوَالِ، انْعَكَسَ عَلَيْهِ مَقْصُودُهُ " انتهى من "السياسة الشرعية" (79-80) .

وأما القوانين البشرية الذي تكتفي بسجن المجرم ، أو ربما تعاقبه عقابا لا يردع مثله : فإنها لم تُزِل ما في قلب المجني عليه من طلب التشفي والانتقام ، ولذلك فكثير من هؤلاء الموتورين المصابين، ينتظرون حتى يخرج الجاني من السجن وينتقم منه ، فكان في تطبيق الحدود الشرعية قطعا للجريمة ، وإنهاء لها .

وكان في تطبيق العقوبات البشرية تكثيرا للجريمة ، واستمرارا لها .

فأي النظامين أعدل وأحسن ؟

النظام الذي ينظر تلك النظرة الشاملة ؟ أم ذلك النظام القاصر الذي يغلب أحد الأمرين على الآخر ؟!

وأما ما ذكره ذلك المعترض من أننا بذلك نمنعه من العمل ، فليس الأمر كذلك قطعا ، والواقع شاهد بهذا ، فإن قطع إحدى اليدين لا يمنع صاحبه من العمل بالكلية، فهناك أعمال كثيرة يستطيع أن يمارسها وهو بهذه الحالة ، كما هو مشاهد ومعلوم ، فإن أصحاب الاحتياجات الخاصة كثير منهم لا يقعدون عن العمل ، بل أحيانا توفر لهم الحكومات الأعمال المناسبة لهم ، وإذا لم يتم ذلك عن طريق الحكومات ، فإنه يبحث لنفسه عن عمل مناسب ، وهي أعمال كثيرة جدا ، كالتدريس والتجارة والبيع والشراء ، والأعمال الكتابية والحسابية ، بل وكثير من الأعمال الصناعية والحرفية ، وقيادة السيارات ، والآن صارت مصانع السيارات تصنع سيارات بإمكانيات خاصة لذوي الاحتياجات الخاصة .

ثم .. هب أنه عجز عن العمل بسبب ذلك ، فإنما عجزه بسبب منه وبسوء صنيعه ، ووبال ذلك على نفسه .

ثم نحن لا ننكر أن هذا مفسدة بالنسبة له ، ولكنها مفسدة محتملة مغتفرة ، في سبيل تحقيق مصلحة أكبر وأعظم ، وهي مصلحة أمن واستقرار المجتمع كله .

وكل عاقل يعلم أنه عند تعارض المصالح والمفاسد فإنه يراعى أهمها وأعظمها ، فليس من العقل ولا الحكمة أن ندفع عن الجاني تلك المفسدة فلا نقطع يده ، وفي المقابل نقع في مفسدة أعظم وأخطر بكثير، وهي سلب الأمن من المجتمع ، وإشاعة الخوف على النفس والأهل والمال ، وتعطيل التجارات والأسفار .. وغيرها .

ثم تضييع الحقوق ، وإهدار الحرمات ، وإشاعة الظلم والفوضى في المجتمع .

قال الشاطبي رحمه الله تعالى :

" المصالح والمفاسد الراجعة إلى الدنيا إنما تفهم على مقتضى ما غلب، فإذا كان الغالب جهة المصلحة، فهي المصلحة المفهومة عرفا، وإذا غلبت الجهة الأخرى، فهي المفسدة المفهومة عرفا، ولذلك كان الفعل ذو الوجهين منسوبا إلى الجهة الراجحة، فإن رجحت المصلحة، فمطلوب، ويقال فيه: إنه مصلحة، وإذا غلبت جهة المفسدة، فمهروب عنه، ويقال: إنه مفسدة " انتهى من "الموافقات" (2 / 45) .

وأما ما ذكره من تضييع أهله وعدم وجود من ينفق عليهم  فهذا من التناقض الذي يقع فيه – ولابد – من خالف الحق والصواب ، واتبع جهالاته وهواه .

ويجاب عن هذا بأن هذا الذي فررت منه ، هو واقع فيما تريده أنت أيضا من العقاب ، وهو السجن ، فهذا المجرم الذي حكم عليه بالسجن عشر سنوات أو عشرين أو ثلاثين أو مدى الحياة كما يُحكم بذلك كثيرا على أصحاب الجرائم – من ينفق على أهله في تلك المدة ؟! ولماذا تقبلت فكرة سجنه ، وما يترتب على ذلك من ترك أطفاله الصغار ، وأسرته بكاملها ، بلا عائل لهم ، ثم تعترض على حكم الله في عباده ، ولا ترضى به ، من نفس المنطلق الذي قبلت به حكم البشر ، ولم تعترض عليه ؟!

ثم يقال لهذا : إن هذه المفسدة هي من جنس ما سبق ، مفسدة خاصة صغيرة لا بأس بتحملها من أجل مصلحة عظمى ، وهي أمن واستقرار المجتمع كله .

أو لعلك تريد أن يعيش الناس جميعا هكذا ، فوضى ، لا رادع يردعهم ، ولا نظام يحكمهم ؟

وأين ذلك في دنيا الناس ، وفي هذه الأرض ؟ ومتى يصلح الناس على ذلك ؟!

ثم ليعلم أنه في ظل شرع الله ، والنظام الإسلامي العادل : فإنه لا أحد يضيع ؛ فإن أمثال هؤلاء الصغار والعاجزين : يُكْفَوْن بأرزاقهم من بيت المال . فإن لم يكن ذلك ، فإن أقاربهم وعصبتهم يلزمون بالنفقة عليهم ورعايتهم .

فإن قصر هؤلاء : فهناك الجيران ، والأصحاب والمعارف . وإلا ؛ فعموم المسلمين بصدقاتهم ، ومعوناتهم ، وإحسانهم :

فعن النعمان بن بشير رضي الله عنهما ، قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( مَثَلُ المُؤْمِنينَ في تَوَادِّهِمْ وتَرَاحُمهمْ وَتَعَاطُفِهمْ ، مَثَلُ الجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الجَسَدِ بِالسَّهَرِ والحُمَّى ) مُتَّفَقٌ عَلَيهِ .

ثم لا يجوز لأحد أن ينفر من إقامة الحدود الشرعية بدعوى أنها ستصيب المجتمع كله أو كثيرا منه بتقطيع الأطراف والقتل .. إلخ .

فإن الحدود الشرعية إذا أقيمت فإنها لن تتعدى حالات نادرة جدا كل سنة ، هي التي توفرت فيها شروط إقامة الحد .

ثم متى أقيمت على ذلك الوجه الرادع : امتنع عدوان كثير من المعتدين ، وصار يفكر ألف مرة قبل أن يقدم على جريمته ، لأنه يعلم ما ينتظره من النكال ، والخزي والعار !!

ولهذا كان من حكم العرب قديما : أن القتل : أنَفَى للقتل !!

يعني : أن قتل القاتل ( الجاني ) : هو أعظم وسيلة لنفي القتل ، أي : لمنع حدوثه من أساسه ؛ لأنه متى علم أنه سوف يقتل ، إذا قتل ، امتنع عن القتل ، استبقاء لنفسه .

وأعظم من ذلك وأجل قول الله جل جلاله : (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) البقرة/179.

قال العلامة الشنقيطي رحمه الله :
" ولا شك أن هذا من أعدل الطرق وأقومها، ولذلك يشاهد في أقطار الدنيا قديما وحديثا قلة وقوع القتل في البلاد التي تحكم بكتاب الله ; لأن القصاص رادع عن جريمة القتل. كما ذكره الله في الآية المذكورة آنفا. وما يزعمه أعداء الإسلام من أن القصاص غير مطابق للحكمة ; لأن فيه إقلال عدد المجتمع بقتل إنسان ثان بعد أن مات الأول، وأنه ينبغي أن يعاقب بغير القتل فيحبس، وقد يولد له في الحبس فيزيد المجتمع. كله كلام ساقط، عار من الحكمة ; لأن الحبس لا يردع الناس عن القتل، فإذا لم تكن العقوبة رادعة فإن السفهاء يكثر منهم القتل، فيتضاعف نقص المجتمع بكثرة القتل." انتهى، من "أضواء البيان" (3/32) .

 

وقال تعالى ، أيضا : (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) المائدة/38

قال الشيخ السعدي رحمه الله : " {نَكَالا مِّنَ اللَّهِ} أي: تنكيلا وترهيبا للسارق ولغيره، ليرتدع السراق -إذا علموا- أنهم سيقطعون إذا سرقوا" انتهى من "تفسير السعدي" (230) .

وذلك لأن العقوبة الشرعية يتحقق فيها الزجر والردع ، بما لا تجده في غيرها من العقوبات كالسجن مثلا ، واعتبر ذلك بما وقع في العهد النبوي .

وقد أقام الرسول صلى الله عليه وسلم من المدينة عشر سنوات ، فكم مرة أقام حدا ؟

إنك لو بحثت في كتب السنة ، لن تجد حد السرقة أقيم إلا على نحو ثلاثة أشخاص ، في تلك المدة الطويلة .

وحد الزاني (الرجم) أقيم على ثلاثة أشخاص من المسلمين ، وكلهم جاءوا باعترافهم واختيارهم ليطهروا أنفسهم من تلك الخطيئة .

وحد قطاع الطريق لم يقم إلا مرة واحدة فقط ، على جماعة من العرب أظهروا الإسلام ثم ارتدوا وقطعوا الطريق .

فلو أحصيت كل هذه الوقائع لوجدتها قضايا لا تتجاوز أصابع اليدين ، وفي المقابل عاش المجتمع كله آمنا مستقرا ، وسافر الناس – حتى المرأة منهم- من أقصى الجزيرة إلى أدناها آمنين على أنفسهم وأموالهم ، في مجتمع كان قبل عدة سنوات فقط لا يسافر منهم أحد إلا معه جماعة بسلاحهم المدجج ، ليحموا أنفسهم من قطاع الطريق ، ومع ذلك فقد يقتلون وتسلب أموالهم .

قال الدكتور عزوز علي في بحث له بعنوان "مقاصد العقوبة في الشريعة الإسلامية" (ص 47) :

"تبرز مقاصد تشريع الحدود والقصاص والتعزير في ثلاثة أمور :

تأديب الجاني .
إرضاء المجني عليه ، أو أهله وذويه .
زجر المقتدي بالجناة .

أما التأديب فهو راجع إلى المقصد الأسمى ، وهو إصلاح أفراد الأمة الذين منهم يتقوم مجموع الأمة ، وأعلى التأديب الحدود ، لأنها مجعولة لجنايات عظيمة .

أما إرضاء المجني عليه فيما دون القتل ، فلأن في طبيعة النفوس الحقد على من يعتدي عليها عمدا ، والغضب ممن يعتدي خطأ فتندفع إلى الانتقام .

أما زجر المقتدي فهو مأخوذ من قوله تعالى : (وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ) النور/2 .

حيث إن الحد يردع المحدود ، ومن شهده وحضره يتعظ به ، ويزدجر لأجله ويشيع حديثه فيعتبر به من بعده .

....

شرعت العقوبات بما فيها التهديد والوعيد والزجر ، علاجا لطبيعة الإنسان الشاذة والمنحرفة ، فإذا نظر الإنسان إلى مصلحته الخاصة ، وما يترتب عليها من العقوبات نفر منها بطبعه لرجحان المفسدة على المصلحة ...

فالعقوبات مقررة لصرف الناس عما يشتهون ما دام أنه يؤدي إلى فساد الجماعة : كما في الحديث : (حفت الجنة بالمكاره ، وحفت النار بالشهوات) ، وكذا لصيانة النظام الذي تقوم عليه الجماعة ، وضمان بقاء الجماعة قوية متضامنة متخلقة بالفضائل .

إننا نجد بعض الناس يعتدي على حرمات الناس ، وبعضهم يعتدي على أموالهم ، وآخرون على حرماتهم بالسب ، وقد يصل الاعتداء إلى إتلاف العقل .

ومن ثم اقتضت حكمة الله تعالى تشريع الحدود بأنواعها ، وذلك لأجل الحفاظ على أمن وسلامة المجتمع ، فإن الطباع البشرية والشهوة النفسانية مائلة إلى قضاء الشهوة واقتناص الملاذ ، وتحصيل مقصودها ، ومحبوبها من الشرب والزنا ، والتشفي بالقتل ، وأخذ مال الغير ، والاستطالة على الغير بالشتم والضرب خصوصا من القوي على الضعيف ، ومن العالي على الداني .

فاقتضت الحكمة شرع هذه الحدود حسما لهذا الفساد ، وزجرا عن ارتكابه ليبقى العالم على نظم الاستقامة ، فإن إخلاء العالم عن إقامة الزواجر يؤدي إلى انحرافه ، وفيه من الفساد ما لا يخفى" انتهى .

وقال الشيخ الدكتور محمد حسين الذهبي في كتابه "أثر إقامة الحدود في استقرار المجمتع" (ص 31، 32):

"الحدود مراعى فيها قدر من الزجر والردع البالغ ، ولذلك ينطوي عنصر العقاب فيها على أقصى ما يجوز – في منطق العدل – من إيلام مادي ونفسي ، وحتى ليبدو بعض ذلك في نظر من لا يتعمق فلسفة الحدود بأبعادها الشاملة ، قسوة زائدة ، وتجاوزا لما ينبغي أن تتوقف عنده العقوبة .

هذا التصاعد في الحدود بما تنطوي عليه من عقوبات مشددة ، يقابله في جانب تكييف الجريمة وضبطها كي تصبح مستوجبة للحد المقرر إزاءها ، يقابله تصاعد مماثل في توصيف الجناية وضبطها ، بحيث لا يدخل في منطقة ما يستوجب الحد إلا جناية عظمى ، بلغت أقصى الآماد في إلحاق الضرر المادي أو النفسي بالآخرين ، إلى جانب ما تنطوي عليه من إخلال بأمن الناس وحرياتهم، فضلا عما تتضمنه من تحد للسلطة الشرعية القائمة ، وخروج على أخلاقيات المجتمع السائدة .

وحتى تتحقق عدالة الشارع الأعظم في موازنة الحد -وهو عقوبة تعتبر أغلظ ما يمكن في بابها- مع الجناية المسببة له ، لم يكتف عدل الله بقصره على الجناية الموجبة له في أغلظ صورها كذلك ، وإنما ضم إلى ذلك إعفاء كل ما عساه يكون من ملابسات تتقاصر بالجناية عن بلوغ المدى الذي يجعل إقامة الحد على مرتكبها عدلا مطلقا لا يمكن التعقيب عليه .

وهنا يأتي دور الشبهات ، ويصبح درء الحدود بها مصفاة لا يتبقى مع إعمالها إلا نماذج شاذة من الجرائم والمجرمين ، لا مكان لرحمة بهم ، ولا موضع لتلمس التخفيف عنهم" .

وقال أيضا (ص 56، 57) :

"أما حد الحرابة فقد بلغ التغليظ فيه مداه : (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنْ الأَرْضِ ) المائدة /33 .

وبين التقتيل والتصليب ، وتقطيع الأيدي والأرجل ، والنفي ، لا يصعب على المجتمع أن يصطنع العقوبة الملائمة من هذه ، مقدرة على قدر حال المحاربين وما ارتكبوه من إفساد ، وهي في كل حال كافية للردع الكامل !

[يشير بهذا إلى قول من قال من العلماء : إن الحاكم يختار من هذه العقوبات المذكورة في الآية ما يراه أصلح لكل مجرم قطع الطريق ، فقد يقتل البعض ، ويصلب البعض الآخر ، ويقطع آخرين ، وينفي مجموعة أخرى ، حسب ما يراه محققا للمصلحة] .

وحد الحرابة يغلب فيه الطابع الاجتماعي ، حتى ليكاد يعتبر حقا خالصا للجماعة ، وما يتخلل خروج البغاة أو المحاربين من عدوان على أفراد ، ينسحب عليهم وصف الحرابة الشامل لكل ما يأتونه من آثام !

وقد رأينا نموذجا تطبيقيا لحد الحرابة مع العُكْلِيّين أو العُرَنيين [هم من أقام عليهم الرسول صلى الله عليه وسلم حد الحرابة] ، ومدى ما اتسم التطبيق فيه من صرامة وحزم !

إن الموقف هنا يتصل بأمن الجماعة كلها ، وبهيبة سلطانها وسلطاتها الشرعية ، وأي تهاون أو تفريط يجر إلى عواقب لا تقف عند حد ، ومن هنا رأينا التطبيق في هذا الباب اتسم – كالتشريع تماما- بحزم حازم ، وتغليظ مغلظ إلى أقصى الآماد !" .

والله أعلم .

 

 

موقع الإسلام سؤال وجواب
أضف تعليقا