الأحد 13 شوّال 1440 - 16 يونيو 2019
العربية

اشترت بيتا من خالها كان في الأصل ملكا لأمه وبعد الشراء سمعت من يتهم خالها بأنه أخذه من أمه بالاحتيال ، فهل البيع صحيح؟

211371

تاريخ النشر : 21-11-2014

المشاهدات : 2226

السؤال


أنا اشتريت بيتا من خالي الذي بدوره ورثه عن جدتي ، عن طريق عقد هبة ، وهناك أقوال تقول بأنه أخذه منها بالاحتيال ، لأن جدتي كانت تعاني من مرض أثر على عقلها ، فأصبحت لا تدرك ولا تتحكم بأفعالها ، كنت آنذاك صغيرة ، وعند شرائي للبيت وأصبح ملكا لي ، تذكرت هذه القصة ، ولكن المشكلة أن خالي يقول بأنه حلال ، لأن جدتي وهبته إياه ، وأنا لا أعلم الحقيقة أين ، وهم الآن يتهمونني بأنني شاركته بالحرام . أرجوكم أفيدوني ، فأنا لا أنام من وقتها ولكم الأجر والثواب.

ملخص الجواب:

والحاصل : أن الأصل جريان العقود بين الناس على الصحة ، ما لم يقم دليل على بطلانها ؛ فإذا تبين أنه قد أخذ ذلك البيت بغير حق ، إما باحتياله على الجدة ، أو غير ذلك : فالواجب عليك أن تفسخي بيعك منه ، وتردي عليه بيته ، ويرد عليك الثمن الذي دفع . وأما حيث لم تقم بينة : فلا يجب عليك فسخ البيع ، والأصل صحته ؛ لكن إن قويت التهمة ، واشتهر الخبر بين الأقارب ، أو كان له إخوة لم يعطوا من الهبة مثل ما أعطي هو : فالأحوط لك أن تسعي في فسخ ذلك العقد ، ولا تعينيه على الانتفاع به ، ثم هو وشأنه بعد ذلك ، وأما أنت فقد استبرأت لدينك. والله أعلم.

نص الجواب


الحمد لله
يدعو الإسلامُ المسلمِ إلى إحسان الظن بأخيه المسلم ، وأن يحمل أقواله على الصدق وسائر أموره على أحسن المحامل ، وينهاه عن سوء الظن به ؛ لأن سوء الظن بالمسلم خلق ذميم وهو ذريعة إلى التجسس والتحسس والغيبة والتحاسد والتباغض والتدابر ، وقطع العلائق بين المسلمين.
وعلى ذلك فإن الأصل أن يحمل كلام خالك على الصدق ، فيصدَّق فيما أخبركم به من كون هذا البيت هبة من أمه ، لكن يستفسر منه بعد ذلك فإن أخبر أن أمه وقت الهبة كانت مغلوبة على عقلها بذهول أو خرف أو غير ذلك من أعراض الشيخوخة فيعرَّف حينئذ أن هذه الهبة غير صحيحة ؛ لأن من كان مغلوبا على عقله لا تنفذ تصرفاته وإن نطق بصيغة العقود من هبة أو بيع ونحوهما ؛ لأنه حينئذ لا يُعلم هل قصد هذا الكلام ووعى مدلوله أم لا ؟ ومن كان هذا حاله فقد أهدر الشرع الشريف ألفاظه وتصرفاته وصيَّرها بمنزلة العدم .
يقول ابن القيم رحمه الله تعالى : " المتكلم بصيغ العقود إما أن يكون قاصدا للتكلم بها أو لا يكون قاصدا؛ فإن لم يقصد التكلم بها كالمكره والنائم والمجنون والسكران والمغلوب على عقله لم يترتب عليها شيء، وإن كان في بعض ذلك نزاع وتفصيل فالصواب أن أقوال هؤلاء كلها هدر كما دل عليه الكتاب والسنة والميزان وأقوال الصحابة " انتهى من إعلام الموقعين عن رب العالمين (3 / 98) .
أما إن أخبركم أن أمه قد وهبته هذا البيت وهي في كامل وعيها وصحتها ، وكان معه عقد صحيح من حيث الظاهر ، يثبت ذلك : فينبغي حينئذ تصديقه ، مالم تكن هناك بينة ظاهرة ، أو قرينة قوية : تدل على خلاف قوله ، فإذا اختلفتم في هذا فسبيل فض المنازعات يكون باللجوء إلى القضاء الشرعي الذي يحكم بين الناس على وفق شرع الله سبحانه.

لكن يبقى هناك إشكال آخر ، وهو أنه إن كانت أمه قد وهبته هذا البيت هبة صحيحة ، وكان له إخوة أو أخوات ، فكان يجب على الأم أن تهب لإخوته مثل ما وهبت له ، فتكون بذلك قد عدلت بين أولادها في العطية ، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري (2587) ومسلم (1623) عن النُّعْمَان بْن بَشِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا مرفوعا : ( اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ ) . قال علماء اللجنة الدائمة للإفتاء : " لا يجوز للوالدين التفضيل في العطية بين أولادهما ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم ) ، ولأن ذلك يسبب الحسد والحقد والبغضاء والشحناء والقطيعة بين الإخوة ، وكل ذلك يتنافى مع مقاصد الشريعة المطهرة التي جاءت بالحث على التآلف والترابط والتواد والتعاطف بين الأقارب والأرحام " انتهى من "فتاوى اللجنة الدائمة" (16 / 225). فإذا كان له إخوة ، ولم تهب لهم أمهم كما وهبت له : فقد اختلف أهل العلم في هذه الهبة: فمنهم من ذهب إلى أنها نافذة ماضية ليس لباقي الورثة أن يستردها ، وبعضهم ذهب إلى وجوب إرجاعها بحيث تقسم بين الورثة حسب ما شرعه الله سبحانه .
وقد حكى ابن قدامة - رحمه الله تعالى - هذا الخلاف فقال في المغني (6 / 60): " إذا فاضل بين ولده في العطايا، أو خص بعضهم بعطية، ثم مات قبل أن يسترده، ثبت ذلك للموهوب له، ولزم، وليس لبقية الورثة الرجوع. هذا المنصوص عن أحمد، في رواية محمد بن الحكم، والميموني، وهو اختيار الخلال، وصاحبه أبي بكر. وبه قال مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي، وأكثر أهل العلم.
وفيه رواية أخرى عن أحمد : أن لسائر الورثة أن يرتجعوا ما وهبه. اختاره ابن بطة وأبو حفص العكبريان. وهو قول عروة بن الزبير، وإسحاق. وقال أحمد: عروة قد روى الأحاديث الثلاثة؛ حديث عائشة، وحديث عمر، وحديث عثمان، وتركها وذهب إلى حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - يرد في حياة الرجل وبعد موته ، وهذا قول إسحاق، إلا أنه قال: إذا مات الرجل فهو ميراث بينهم، لا يسع أن ينتفع أحد مما أعطي دون إخوته وأخواته؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - سمى ذلك جورا بقوله: لا تشهدني على جور . والجور حرام لا يحل للفاعل فعله، ولا للمعطى تناوله. والموت لا يغيره عن كونه جورا حراما، فيجب رده، ولأن أبا بكر وعمر أمرا قيس بن سعد، أن يرد قسمة أبيه حين وُلِدَ له وَلَدٌ، ولم يكن عَلِمَ به، ولا أعطاه شيئا، وكان ذلك بعد موت سعد " انتهى .

والقول الثاني ، بوجوب رد هذا المال على الورثة حتى يقسم بين الجميع ، هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ، قال رحمه الله " وَالصَّحِيحُ مِنْ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ أَنَّ هَذَا الَّذِي خَصَّ بَنَاتَهُ بِالْعَطِيَّةِ دُونَ حَمْلِهِ – الحمل الذي في بطن امرأته - يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّ ذَلِكَ فِي حَيَاتِهِ كَمَا أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَإِنْ مَاتَ وَلَمْ يَرُدَّهُ : رُدَّ بَعْدَ مَوْتِهِ عَلَى أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ أَيْضًا؛ طَاعَةً لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ ، وَاتِّبَاعًا لِلْعَدْلِ الَّذِي أُمِرَ بِهِ؛ وَاقْتِدَاءً بِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا. وَلَا يَحِلُّ لِلَّذِي فُضِّلَ أَنْ يَأْخُذَ الْفَضْلَ؛ بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يُقَاسِمَ إخْوَتَهُ فِي جَمِيعِ الْمَالِ بِالْعَدْلِ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ " انتهى من مجموع الفتاوى (31 / 277) .
ويقول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى " والصواب: أنه إذا مات وجب على المفَضَّل أن يرد ما فُضِّل به في التركة، فإن لم يفعل خُصِم من نصيبه إن كان له نصيب؛ لأنه لما وجب على الأب الذي مات أن يسوِّي، فمات قبل أن يفعل صار كالمدين، والدَّيْن يجب أن يؤدَّى، وعلى هذا نقول للمفضَّل: إن كنت تريد بر والدك فرد ما أعطاك في التركة" انتهى من الشرح الممتع على زاد المستقنع (11 / 85) .

المصدر: موقع الإسلام سؤال وجواب

إرسال الملاحظات