الجمعة 17 ذو القعدة 1440 - 19 يوليو 2019
العربية

هل يترخص الأسير برخص السفر ؟

226857

تاريخ النشر : 30-01-2015

المشاهدات : 4303

السؤال


نحن أسرى في سجون أعداء أهل السنة ، السؤال : هل يحق لنا أن نقصر في صلاتنا علما أنهم سافروا بنا من بلد إلى بلد ، والمسافة تزيد على ٣٠٠ كم ، ونحن لا نعلم متى ننقل إلى أي مكان آخر ، فهل يشرع لنا القصر ، وهل يصح إن صلينا ما بين الاذانين وسنة ٤ ركعات قبل العصر ؟

ملخص الجواب:

والحاصل : بما أنهم قد سافروا بكم إلى مدينة أخرى واستقروا بكم فيها ، فليس لكم الترخص برخص السفر إلا من كان مسافراً وقت اعتقاله فيستصحب هذا الحكم ويستمر في الترخص حتى يجعل الله له فرجا. وإذا نقلوكم إلى مدينة أخرى فيجوز لكم الترخص أثناء الطريق فقط . وبما أنكم في حكم المقيم حاليا فيلزمكم ما يلزم المقيم من إتمام الصلاة والصوم في رمضان ، ولا حرج عليكم من صلاة نافلة بين أذان العصر وإقامته إضافة لأربع ركعات قبل العصر . وينظر جواب السؤال : (91290) ، (48997). والله أعلم .


الحمد لله
نسأل الله أن يفرج عنكم ويزيل كربكم ، ويجعل لكم من أمركم فرجاً ومخرجاً عاجلاً غير آجل ،
ونسأل الله تعالى أن يمن على جميع أسرى المسلمين بفرجه القريب ، وأن يهبهم من فضله الصبر والسلوان ، ويملأ قلوبهم بالطمأنينة واليقين ، وأن ييسر للمسلمين سبيل رشد يُعزُّ فيه أولياؤُه ، ويُذل فيه أعداؤه .
أولاً :
من سافر سفراً مباحاً ، ثم سُجن ظلماً حال سفره ، فإنه يترخص برخص السفر من قصر وفِطْر وغيرها حتى يفك الله أسره ، سواء علم مدة سجنه أم جهلها .
قال ابن مفلح : " وَيَقْصُرُ مَنْ حُبِسَ ظُلْمًا ، أَوْ حَبَسَهُ مَرَضٌ ، أَوْ مَطَرٌ وَنَحْوُهُ " .
انتهى من "الفروع" (3/83) .
وقال البهوتي مبينا الحالات التي يرخص فيها لمن نزل بلدا أن يقصر : " أَوْ حُبِسَ ظُلْمًا ، أَوْ حَبَسَهُ مَطَرٌ ، أَوْ مَرَضٌ وَنَحْوُهُ كَثَلْجٍ وَجَلِيدٍ : قَصَرَ أَبَدًا ؛ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقَامَ بِتَبُوكَ عِشْرِينَ يَوْمًا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ ، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالْبَيْهَقِيُّ ... وَلَمَّا فَتَحَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ أَقَامَ فِيهَا تِسْعَ عَشْرَةَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .
وَقَالَ أَنَسٌ : أَقَامَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَامَهُرْمُزَ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ يَقْصُرُونَ الصَّلَاةَ ، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمُسَافِرَ يَقْصُرُ مَا لَمْ يَجْمَعْ إقَامَةً وَلَوْ أَتَى عَلَيْهِ سُنُونَ.
وَرَوَى الْأَثْرَمُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ أَقَامَ بِأَذْرَبِيجَانَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ ، وَقَدْ حَالَ الثَّلْجُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الدُّخُولِ .
فَإِنْ حُبِسَ بِحَقٍّ لَمْ يَقْصُرْ " انتهى من "كشاف القناع" (1/513)
وفي "التاج والإكليل لمختصر خليل" (2/504) : " مَنْ أَقَامَ بِمَنْزِلٍ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ أَوْ أَكْثَرَ يَنْوِي كُلَّ يَوْمٍ الِانْتِقَالَ ، ثُمَّ يَعْرِضُ لَهُ مَانِعٌ وَلَا يَدْرِي مَتَى يَنْتَقِلُ ، فَإِنَّ هَذَا يَقْصُرُ أَبَدًا مَا لَمْ يُجْمِعْ مُكْثًا.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : وَمِثْلُ ذَلِكَ مُنْتَظِرُ حَاجَةٍ أَوْ بُرْءٍ ، أَوْ مَحْبُوسُ رِيحٍ " انتهى .
وقال عبد الغني اللَّبَدي (1319 هـ ) في حاشيته على "نيل المآرب" (1/91) : " ويؤخذ من هذا أن المسافر إذا عرَض له ما يسمونه "الكورَنْتِينَا" [ الحجر الصحي ] وأقام فيها ولو مدة طويلة : له القصر ولو علم بطول المدة ، كالمحبوس ظلمًا، فإنه يقصر ولو علم أنه لا يخلص من الحبس إلاَّ بعد مدة طويلة.
وكذلك إذا جاء الحجاج ونحوهم إلى جدة مثلاً وهم راجعون إلى بلادهم ، فلم يجدوا سفينة تحملهم ، وعلموا أنها لا تحضر إليهم إلا بعد أيام كثيرة ، فلهم القصر ما أقاموا ؛ لأنهم لا حاجة لهم في الإقامة أصلاً ، بل يحصل بها غاية الكدر والمشقة ، ولولا العذر الذي ليس لهم فيه غرض ما أقاموا ولا ساعة ، بخلافِ من يقيم لغرضه وعلم أنه لا يحصل إلا بعد الأربعة أيام .
هذا الذي يُفهم من كلامهم ولا يعوّل على غيره ، وقد عرض لنا هذا الأمر فقصرنا ، وأفتينا الناس بجواز القصر ، والله سبحانه وتعالى أعلم " انتهى .
وفي " فتاوى اللجنة الدائمة" (8/110) " أما من أقام في سفره أكثر من أربعة أيام ولم يُجْمع النية على الإقامة ، بل عزم على أنه متى قضيت حاجته رجع ؛ كمن يقيم بمكانٍ لجهاد للعدو ، أو حبسه سلطان أو مرض مثلاً ، وفي نيته أنه إذا انتهى من جهاده بنصر أو صلح ، أو تخلَّص مما حبسه من مرض أو قوة عدو أو سلطان أو وجود آبق أو بيع بضاعة أو نحو ذلك : فإنه يعتبر مسافراً ، وله قصر الصلاة الرباعية ، ولو طالت المدة " انتهى .
وقال الشيخ ابن جبرين : " أما إذا حبس ظلماً ولم ينو إقامة فإنه يقصر أبداً ؛ فهو معذور، لأنه مُنع من السفر ولم يتمكن ، فهو مغلوب وله أن يقصر ، وكذلك الذي ما نوى إقامة إنما هو متردد ولكنه لم يستقر" انتهى من "شرح أخصر المختصرات" (9/ 31، بترقيم الشاملة آليا) .
أما المقيم في بلده وقد حُبس ظلماً : فلم يقل أحد من أهل العلم بالترخيص له في القصر .
ثانياً :
من أُخذ من موطنه أو بلد إقامته أسيراً ، وسُوفر به إلى بلد آخر مسافة القصر : فإنَّه يقصر في أثناء الطريق عند جمهور العلماء ، ويتم الصلاة إذا نزلوا به في محلِّ إقامةٍ .
ويكون حكمه حكم آخذيه من حيث السفر والإقامة ؛ لأنه تابع لهم في ذلك ، فيأخذ حكمهم ، فحيث كانوا مسافرين فهو مسافر ، وحيث كانوا مقيمين فهو مقيم .
قال الكاساني: " وَالْمُعْتَبَرُ فِي النِّيَّةِ هُوَ نِيَّةُ الْأَصْلِ دُونَ التَّابِعِ ، حَتَّى يَصِيرَ الْعَبْدُ مُسَافِرًا بِنِيَّةِ مَوْلَاهُ ، وَالزَّوْجَةُ بَنِيَّةِ الزَّوْجِ ، وَكُلُّ مَنْ لَزِمَهُ طَاعَةُ غَيْرِهِ كَالسُّلْطَانِ وَأَمِيرِ الْجَيْشِ ؛ لِأَنَّ حُكْمَ التَّبَعِ حُكْمُ الْأَصْلِ" انتهى من "بدائع الصنائع" (1/94) .
وقال أيضاً : " فَيَصِيرَ التَّبَعُ أَيْضًا مُقِيمًا بِإِقَامَةِ الْأَصْلِ ، كَالْعَبْدِ يَصِيرُ مُقِيمًا بِإِقَامَةِ مَوْلَاهُ ، وَالْمَرْأَةِ بِإِقَامَةِ زَوْجِهَا ، وَالْجَيْشِ بِإِقَامَةِ الْأَمِيرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ فِي التَّبَعِ ثَبَتَ بِعِلَّةِ الْأَصْلِ ، وَلَا تُرَاعَى لَهُ عِلَّةٌ عَلَى حِدَةٍ لِمَا فِيهِ مِنْ جَعْلِ التَّبَعِ أَصْلًا وَأَنَّهُ قَلْبُ الْحَقِيقَةِ ".
انتهى من " بدائع الصنائع".
وقال ابن الهمام : " التَّبَعُ : كَالْعَبْدِ ، وَالْغُلَامِ ، وَالْجُنْدِيِّ ، وَالْمَرْأَةِ - إذَا وَفَّاهَا مَهْرَهَا- ، وَالْأَجِيرِ ، وَالتِّلْمِيذِ ، وَالْأَسِيرِ ، وَالْمُكْرَهِ : تُعْتَبَرُ نِيَّةُ الْإِقَامَةِ وَالسَّفَرِ مِنْ مَتْبُوعِهِمْ دُونَهُمْ ، فَيَصِيرُونَ مُقِيمِينَ وَمُسَافِرِينَ بِنِيَّتِهِمْ " انتهى من "فتح القدير" (2/47) .
وَسُئِلَ الإمام مَالِكٌ عَنْ صَلَاةِ الْأَسِيرِ؟
فَقَالَ: " مِثْلُ صَلَاةِ الْمُقِيمِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُسَافِرًا " انتهى من " الموطأ" (1/149).
وقال في "المدونة" (1/209) : " صَلَاةُ الْأَسِيرِ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ إلَّا أَنْ يُسَافَرَ بِهِ فَيُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ" انتهى .
أي أنه يقصر في الطريق فقط .
قالَ ابن عبد البر : " لَا أَعْلَمَ خِلَافًا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ ، وَمُحَالٌ أَنْ يُصَلِّيَ وَهُوَ مُقِيمٌ مَأْسُورٌ إِلَّا صَلَاةَ الْمُقِيمِ ، وَإِنْ سَافَرَ أَوْ سُوفِرَ بِهِ كَانَ لَهُ حِينَئِذٍ حُكْمُ الْمُسَافِرِ ".
انتهى من "الاستذكار" (2/249) .
وقال الباجي : " وَأَمَّا الْأَسِيرُ فَإِنَّمَا مُقَامُهُ وَسَفَرُهُ بِاخْتِيَارِ مَنْ يَمْلِكُهُ ، فَكَانَتْ نِيَّتُهُ مُعْتَبَرَةً فِي إتْمَامِهِ وَقَصْرِهِ بِمَا يَظْهَرُ إلَيْهِ مِنْ أَمْرِهِ [ أي بما يظهر له من حال آسره هل هو مقيم أم مسافر]".
انتهى من " المنتقى شرح الموطأ " (1/266) .
وقال أبو داود السجستاني: " قُلْتُ لِأَحْمَدَ : الْأَسِيرُ مَتَى يُتِمُّ صَلَاتَهُ ؟
قَالَ: إِذَا صَارَ فِي حُصُونِهِمْ .
قِيلَ لِأَحْمَدَ ، وَأَنَا أَسْمَعُ : فَأَمَّا مَا كَانُوا يَسِيرُونَ بِهِ ، فَإِنَّهُ يَقْصُرُ ؟
قَالَ: نَعَمْ" انتهى من " مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود السجستاني" (ص: 331).
قال محمد بن الحسن الشيباني : " والأسير من المسلمين في أيديهم إن أقاموا به في موضع يريدون المقام فيه ... : فعليه أن يتم الصلاة وإن كان لا يريد المقام معهم بل يكون عازماً على الفرار منهم إن تمكن من ذلك ؛ لأنه مقهورٌ مغلوب في أيديهم ، فيكون المعتبر في حقه نيتهم في السفر والإقامة لا نيته ، بمنزلة عبد الرجل وزوجته في دار الإسلام ، فإنه يعتبر في حقهما نية المولى والزوج في السفر والإقامة لا نيتهما .
وكذلك من بعث إليه الخليفة من عُمَّاله ليُؤتَى به من بلدٍ إلى بلدٍ : لا تعتبر نيته في السفر والإقامة ؛ لأنه غير متمكن من تنفيذ قصده ، فمن بعثه الخليفة لا يُمَكِّنُه من ذلك ، فكذلك حال الأسير في أيديهم " انتهى من " شرح السير الكبير" (1/172) .
وقال ابن قدامة : " وَإِنْ خَرَجَ الْإِنْسَانُ إلَى السَّفَرِ مُكْرَهًا ، كَالْأَسِيرِ ، فَلَهُ الْقَصْرُ إذَا كَانَ سَفَرُهُ بَعِيدًا ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ... لأَنَّهُ مُسَافِرٌ سَفَرًا بَعِيدًا غَيْر مُحَرَّمٍ ، فَأُبِيحَ لَهُ الْقَصْرُ ، كَالْمَرْأَةِ مَعَ زَوْجِهَا ، وَالْعَبْدِ مَعَ سَيِّدِهِ ..
إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنَّهُ يُتِمُّ إذَا صَارَ فِي حُصُونِهِمْ ، نَصَّ عَلَيْهِ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ قَدْ انْقَضَى سَفَرُهُ .
وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْإِتْمَامُ ؛ لِأَنَّ فِي عَزْمِهِ أَنَّهُ مَتَى أَفْلَتَ رَجَعَ ، فَأَشْبَهَ الْمَحْبُوسَ ظُلْمًا" . انتهى من "المغني" (3/111) .
وقال المرداوي : " وَمَتَى صَارَ الْأَسِيرُ فِي بَلَدِ الْكُفَّارِ : أَتَمَّ ، نَصَّ عَلَيْهِ ، وَفِيهِ وَجْهٌ : يَقْصُرُ" انتهى من "الإنصاف" (2/315) .
وينظر جواب السؤال : (105844) .

المصدر: موقع الإسلام سؤال وجواب

إرسال الملاحظات