الجمعة 17 ذو القعدة 1440 - 19 يوليو 2019
العربية

حول ما ورد أن الحكم بن أبي العاص كان يستهزئ بالنبي صلى الله عليه وسلم فدعا عليه

259700

تاريخ النشر : 20-05-2017

المشاهدات : 13696

السؤال

انتشرت مؤخرا هذه القصة عن الرسول صلى الله عليه وسلم أريد معرفة مدى صحتها "رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يرى من خلفه وقد اشتهر أنه لم يلتفت قط لأنه يرى من خلفه كما يرى من أمامه . مرة كان جد بني مروان يستهزئ بالنبي فكان النبي سائرا فمشى وراءه فأخذ يمد لسانه ، الرسول صلى الله عليه و سلم وهو يمشي لم يلتفت إليه ، وقال له : فض الله فاك ، فسقطت أسنانه كلها بلحظتها ، و مرة أخرى جاء الملعون نفسه و مشى خلف رسول الله صلى عليه و سلم بطريقة هزلية يقصد أن يهزأ بها من مشية النبي فقال له رسول الله : كن كذلك ( دعا عليه أن يبقى يمشي بهذه الطريقة ) فبقي حياته كلها يمشي و يتأرجح .

نص الجواب

الحمد لله

أولا :

أما الواقعة الأولى التي سأل عنها السائل الكريم فقد أخرجها ابن قانع في "معجم الصحابة" (3/196) ، وأبو نعيم الأصبهاني في "معرفة الصحابة" (6555) ، والبيهقي في "دلائل النبوة" (6/239) ، وابن عبد البر في "الاستيعاب" (4/1545) :

جميعا من طريق حسان بن عبد الله الواسطي ، قال حَدَّثَنا السري بن يحيى ، عَن مالك بن دينار ، قال حدثني هند بن خديجة زوج النبي صَلَّى الله عَليْهِ وَسلَّم قال: مر النبي صَلَّى الله عَليْهِ وَسلَّم بالحكم ، أبي مروان الحكم ، فجعل يغمزه في قفاه ويشير بإصبعه ، فالتفت إليه النبي صَلَّى الله عَليْهِ وَسلَّم فقال:" لا أماتك الله ، أَو لا مت إلا بالوزغ " . قال: فما قام حتى ارتعش . وفي لفظ :" اللَّهمّ اجْعَلْ بِهِ وَزَغًا ". فَرَجِفَ مَكَانَهُ .

وَالْوَزَغُ : الارْتِعَاشُ.

والحديث ضعيف مرسل ، حيث إن مالك بن دينار يرويه عن هند بن خديجة ، ويقول حدثني ، وهند بن خديجة هو هند بن هند بن هند بن النباش ، وهند بن النباش كنيته أبو هالة ، وكان قد تزوج خديجة بنت خويلد رضي الله عنها فأنجبت منه ولدا أسماه " هند " وكان بعد ذلك ربيب النبي صلى الله عليه وسلم ، واشتهر بأنه هند بن خديجة ، ثم إنه أنجب بعد ذلك ولدا أسماه " هند " أيضا ، وهو راوي الحديث الذي معنا ، فرواه عنه مالك بن دينار ونسبه لجده .

ومالك بن دينار لم يدرك هند بن أبي هالة ، إنما أدرك ولده هند بن هند ، فإن هند بن أبي هالة مات مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه يوم الجمل ، كما قال الزبير بن بكار كما في "الاستيعاب" لابن عبد البر (4/1545) .

وإذا كان الحديث هكذا من رواية مالك بن دينار عن هند بن هند فإنه يكون مرسلا حيث أن هند بن هند بن أبي هالة لم يلق النبي صلى الله عليه وسلم ، قال ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (9/117) :" هند بن هند بن أبى هالة روى عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثا مرسلا روى عن أبيه روى عنه مالك بن دينار ". انتهى  وقال ابن حجر في "الإصابة" (6/437):" ومالك بن دينار لم يدرك هند بن أبي هالة ، وإنما أدرك ابنه ، فكأنه نسبه لجدّه ". انتهى

ولم نقف على قوله صلى الله عليه وسلم :" فض الله فاك " في رواية لهذه الواقعة ، وإنما وقفنا على ما سبق ذكره.

ثانيا :

أما الواقعة الثانية التي سأل عنها السائل الكريم فقد أخرجها البيهقي في "دلائل النبوة" (6/239) وأبو جعفر بن البختري في "مجموع فيه مصنفات أبي جعفر ابن البختري" (218) من طريق عَبْد الْوَاحِدِ بْن زِيَادٍ ، قال حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بن سَعِيدٍ الْحَنَفِيُّ ، عَنْ جُمَيْعِ بْنِ عُمَيْرٍ التَّيْمِيِّ ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ، يَقُولُ:

كُنَّا عَلَى بَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى الله عليه وسلم نَنْتَظِرُهُ ، فَخَرَجَ ، فَاتَّبَعْنَاهُ ، حَتَّى أَتَى عَقَبَةً مِنْ عِقَابِ الْمَدِينَةِ ، فَقَعَدَ عَلَيْهَا ، فَقَالَ:" يَا أَيُّهَا النَّاسُ! لَا يَتَلَقَّيْنَ أَحَدٌ مِنْكُمْ سُوقًا ، وَلَا يَبِيعُ مُهَاجِرٌ لِلْأَعْرَابِيِّ ، وَمَنْ بَاعَ مُحَفَّلَةً فَهُوَ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، فَإِنْ ردّها ، ردّ معها مِثْلَ- أَوْ قَالَ: مِثْلَيْ- لَبَنِهَا قَمْحًا .

قَالَ: وَرَجُلٌ خَلْفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَاكِيهِ ، وَيُلَمِّضُهُ !!

فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَذَلِكَ ، فَكُنْ !!

قَالَ: فَرَفَعَ إِلَى أَهْلِهِ ، فَلِيطَ بِهِ شَهْرَيْنِ ، فَغُشِيَ عَلَيْهِ ، ثُمَّ أَفَاقَ حِينَ أَفَاقَ ، وَهُوَ كَمَا حَكَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ". انتهى

وليس في الرواية أن عبد الله بن عمر سمى الفاعلَ لذلك ، وإنما أبهمه .

إلا أن الصالحي ، كما في "سبل الهدى والرشاد" (2/463) ، قال:" وهذا المبهم الظاهر أنه الحكم ". انتهى .

وعلى كلٍ : فإسناده تالف ، فيه متهم بالكذب ، وهو جميع بن عمير . قال ابن نمير :" مِنْ أَكْذَبِ النَّاسِ ". نقله عنه ابن حبان ، وقال :" كَانَ رَافِضِيًّا يضع الْحَدِيث "."المجروحين" (1/218) ، والإسناد فيه أيضا صدقة بن سعيد ، قال فيه أبو حاتم " شيخ " كما في الجرح والتعديل (4/430) ، وقال الذهبي :" وقال الساجى: ليس بشيء ، وقال البخاري: عنده عجائب ، وقال محمد بن وضاح: ضعيف ". كذا في "ميزان الاعتدال" (2/310).

وقد رويت القصة بسياق مقارب ، من طريق تالف أيضا ، وهو ما أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (3/214) ، وأبو نعيم الأصبهاني في "معرفة الصحابة" (1906) ، والحاكم في "المستدرك" (4241) ، والبيهقي في "دلائل النبوة" (6/239) ، من طريق ضِرَار بْن صُرَدَ ، قال ثنا عَائِذُ بْنُ حَبِيبٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللهِ الْمَدَنِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ، قَالَ: كَانَ الْحَكَمُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ يَجْلِسُ عِنْدَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَإِذَا تَكَلَّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اخْتَلَجَ أَوَّلًا ، فَبَصُرَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: "أَنْتَ كَذَاكَ" وفي لفظ " كُنْ كَذَلِكَ ". فَمَا َزَالُ يَخْتَلِجُ حَتَّى مَاتَ .

والحديث مكذوب ؛ فيه ضرار بن صُرَد ، قال فيه البخاري :" متروك الحديث " كما في "الضعفاء الكبير" للعقيلي (766) ، وكذبه ابن معين كما في "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (4/465) ، وقال النسائي :" ليس بثقة " . كما في تهذيب الكمال (13/305) ، وقال ابن شاهين في "تاريخ أسماء الضعفاء والكذابين" (314) :" كذاب يسرق الأحاديث فيرويها ".

ثم هو شيعي تالف، قال ابن عدي في "الكامل" (5/161) :" وَهو في جملة من ينسبون إلى التشيع بالكوفة ". انتهى . والشيعة كما هو معلوم بينهم وبين بني أمية عداء وضعوا لأجله أحاديث كثيرة في ذم بني أمية .

والحديث ضعفه الذهبي ، حيث عقب على قول الحاكم :" صحيح الإسناد " ، فقال :" فيه ضرار بن صرد ، وهو واه ". انتهى ، وضعفه ابن حجر كما في "إتحاف المهرة" (13473) .

وقال الشيخ الألباني في "السلسلة الضعيفة" (6473) :" منكر". انتهى

والحكم بن أبي العاص وردت عدة أحاديث في لعنه ، وأكثر المحدثين من أهل العلم على أنها منكرة لا تثبت ، قال ابن السّكن :" يقال إنّ النبيّ صلّى اللَّه عليه وسلّم دعا عليه ، ولم يثبت ذلك ".     كذا في "الإصابة" لابن حجر (2/91) .

وقال الذهبي في تاريخ الإسلام (2/198) :" وقد رُوِيَت أحاديث مُنْكرة في لَعْنه ، لَا يجوز الاحتجاج بها ، وليس له في الجملة خصوص الصُّحبة ؛ بل عمومها ". انتهى .

وقال أيضا في "سير أعلام النبلاء" (3/407) مِنْ مُسْلِمَةِ الفَتْحِ. وَلَهُ أَدْنَى نَصِيْبٍ مِنَ الصحبة ... وَيُرْوَى فِي سَبِّهِ أَحَادِيْثُ لَمْ تَصِحَّ ". انتهى .

وقال ابن كثير في جامع المسانيد والسنن (2/512) في ذكر الحكم بن أبي العاص قال :" وقد ورد في ذمه ولعنه أحاديث لا تثبت ". انتهى .

وقال السخاوي في "التحفة اللطيفة" (1/301) :" وقد رويت أحاديث منكرة في لعنه لا يجوز الاحتجاج بها ، وليس له في الجملة خصوص الصحبة ، بل عمومها . وأعرضت - لأجلها - عن ذكر ما ترجمته من ذلك ". انتهى .

وبعض أهل العلم يقوي بعض هذه الأحاديث ، كالحافظ ابن حجر حيث قال كما في "فتح الباري" (13/11) :" وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ فِي لَعْنِ الْحَكَمِ ، وَالِدِ مَرْوَانَ ، وَمَا وَلَدَ . أَخْرَجَهَا الطَّبَرَانِيُّ وَغَيْرُهُ ، غَالِبُهَا فِيهِ مَقَالٌ ، وَبَعْضُهَا جَيِّدٌ ". انتهى .

وينظر للفائدة : "المطالب العالية" للحافظ ابن حجر ـ النسخة المسندة ـ (18/257-265) وتعليقات المحققين، "مختصر تلخيص الذهبي" لابن الملقن (7/3349-3354) وتعليق المحققين .

ولا شك أن أن الأبرأ للذمة والديانة : كف اللسان عن الطعن فيمن ثبت أنه لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنا ، ما دام أنه لم يثبت نفاقه وخبث باطنه ، كالذي ورد في شأن عبد الله بن أبي بن سلول ، مثلا .

خاصة وأن كثيرا من هذه الروايات الضعيفة والمنكرة : ينشرها الروافض طعنا في الصحابة جملة ، يريدون بذلك جرح شهود الديانة ، وحملة الشريعة ، عاملهم الله بما هم أهله .

وينظر أيضا للفائدة : "منهاج السنة النبوية" لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله (6/265-271) .

والله أعلم .

المصدر: الإسلام سؤال وجواب

إرسال الملاحظات