الأربعاء 19 شعبان 1440 - 24 ابريل 2019
العربية

شرح حديث :" تفكروا في آلاء الله ، ولا تفكروا في ذات الله ".

260258

تاريخ النشر : 30-05-2017

المشاهدات : 9947

السؤال

أرجو شرح هذا الحديث تَفَكَّرُوا في آلاءِ اللهِ ، و لا تَفَكَّرُوا في اللهِ عزَّ و جلَّ الراوي : عبدالله بن عمر | المحدث : الألباني | المصدر : السلسلة الصحيحة الصفحة أو الرقم: 1788 | خلاصة حكم المحدث : حسن لشواهده

نص الجواب

الاجابة

الجواب

الحمد لله

أولا :

الحديث الوارد في السؤال ، حديث ضعيف من هذا الطريق .

أما حديث ابن عمر رضي الله عنهما ، فأخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (12111) ، والطبراني في "المعجم الأوسط" (6319) ، وأبو الشيخ في "العظمة" (1/210) ، واللالكائي في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة" (927) ، والبيهقي في "شعب الإيمان" (458) :

جميعا ، من طريق الْوَازِعِ بْنِ نَافِعٍ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( تَفَكَّرُوا فِي آلَاءِ اللَّهِ ، وَلَا تَفَكَّرُوا فِي اللَّهِ ) .

وإسناده تالف لا يصح ، فيه الوازع بن نافع ، متروك الحديث ، قال أحمد :" ليس بشيء" ، وقال ابن معين :" ليس بثقة ". كذا في "العلل" للإمام أحمد (3/23) ، وقال البخاري :" منكر الحديث " . كذا في الضعفاء للعقيلي (4/330) ، وقال أبو حاتم :" ضعيف الحديث ، وقال مرة أخرى ذاهب الحديث ، وقال أبو زرعة :" ضعيف الحديث  جدا ليس بشيء وكان في كتابنا أحاديث فلم يقرأها وقال اضربوا عليها فإنها أحاديث منكرة بمرة ". كذا في "الجرح والتعديل" (9/39) ، وقال ابن حبان في "المجروحين" (3/83) :" كَانَ مِمَّن يروي الموضوعات عَن الثِّقَات على قلَّة رِوَايَته، وَيُشبه أَنه لم يكن الْمُتَعَمد لذَلِك بل وَقع ذَلِك فِي رِوَايَته لِكَثْرَة وهمه فَبَطل الِاحْتِجَاج بِهِ لما انْفَرد عَن الثِّقَات بِمَا لَيْسَ من أَحَادِيثهم ". انتهى .

وقال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (3/1004) :" وَمِنْ مَنَاكِيرِهِ حَدِيثُهُ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " تَفَكَّرُوا فِي آلاءِ اللَّهِ وَلا تَفَكَّرُوا فِي اللَّهِ ".

فمما سبق يتبين أن هذا الطريق لا يصح ، ولا يتقوى ألبتة .

إلا أن الحديث قد روي من طرق أخرى أمثل من هذا الطريق ، ومن ذلك :

طريق عبد الله بن سلام :

أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (6/66) ، وأبو القاسم التميمي في "الحجة في بيان المحجة" ، وقوام السنة في "الترغيب والترهيب" (673) ، جميعا من طريق عبد الجليل بن عطية القيسي ، قال ثنا شهر بن حوشب ، عن عبد الله بن سلام -رضي الله عنه- قال: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ وَهُمْ يَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ اللهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" فِيمَ تَتَفَكَّرُون " ، قَالُوا: نَتَفَكَّرُ فِي اللهِ قَالَ:" لَا تُفَكِّرُوا فِي اللهِ ، وَتَفَكَّرُوا فِي خَلْقِ اللهِ ؛ فَإِنَّ رَبَّنَا خَلَقَ مَلَكًا قَدَمَاهُ فِي الْأَرْضِ السَّابِعَةِ السُّفْلَى ، وَرَأْسُهُ قَدْ جَاوَزَ السَّمَاءَ الْعُلْيَا، مَا بَيْنَ قَدَمَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ مَسِيرَةُ سِتِّمِائَةِ عَامٍ، وَمَا بَيْنَ كَعْبَيْهِ إِلَى أَخْمَصِ قَدَمَيْهِ مَسِيرَةُ سِتِّمِائَةِ عَامٍ، وَالْخَالِقُ أَعْظَمُ مِنَ الْمَخْلُوقِ» .

وهذا أيضا طريق ضعيف ، منقطع ؛ فيه شهر بن حوشب ، قال الذهبي في "ديوان الضعفاء" (1903) :" مختلف فيه"، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله ، في "التقريب" : "صدوق كثير الإرسال والأوهام" انتهى. وهذا الحديث من مراسيله ؛ فإنه لم يسمع من عبد الله بن سلام. قال ابن أبي حاتم رحمه الله في "المراسيل" ، رقم (336) : " سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ لَمْ يَلْقَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ وَرِوَايَتُهُ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ مُرْسَلٌ" انتهى . وينظر : "تحفة التحصيل" للعلائي، (150) .

طريق عبد الله بن عباس :

وقد روي عنه موقوفا بإسناد جيد ، وروي مرفوعا ولا يصح .

أخرجه البيهقي في "الأسماء والصفات" (618) من طريق محمد بن إسحاق ، وأيضا (887) من طريق الصاغاني ، وأبو الشيخ في "العظمة" (1/212) من طريق محمد بن يحيى المروزي ، ثلاثتهم عن عاصم بن علي عن أبيه عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال :" تفكروا في كل شيء ، ولا تفكروا في ذات الله " ، هكذا موقوفا عليه ، وخالفهم محمد بن الوليد الأدمي فرواه عن عاصم عن أبيه عن عطاء عن سعيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم .

وأخرجه ابن أبي شيبة في "العرش" (16) من طريق خالد بن عبد الله عن عطاء عن سعيد عن ابن عباس موقوفا عليه .

والراجح الوقف ، وهو رواية الجماعة عن عاصم ، وقد توبع من خالد بن عبد الله ، وقد حسن الذهبي إسناده في "العرش" (111) ، وجود إسناده ابن حجر في "الفتح" (13/383)

والطريق الثاني أخرجه قوام السنة في "الترغيب والترهيب" (670) من طريق عبد الحميد الحماني عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : أبصر النبي صلى الله عليه وسلم قوماً فقال:" ما لكم ؟ قالوا: نتفكر في الخالق. فقال لهم: تفكروا في خلقه ولا تفكروا في الخالق ، لا تقدرون قدره ". وخالفه أبو أسامة كما في "الترغيب والترهيب" (672) لقوام السنة  ، ومحمد بن عبيد كما في "الزهد" (945) لهناد ، فرووه عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا .

والراجح المرسل ، حيث إن عبد الحميد الحماني صدوق يخطئ ، وقد خالفه أبو أسامة حماد بن أسامة ، وهو ثقة ثبت متفق عليه ، ومحمد بن عبيد الطنافسي ، وهو ثقة أيضا .

 وعلى كلٍ، فالحديث ليس له طريق مرفوع صحيح ، لكن مجموع طرقه يشهد أن له أصلا ، وقد صح موقوفا عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم .

وقد قال السخاوي في المقاصد الحسنة (ص261) بعد أن أورد حديث عبد الله بن سلام وحديث ابن عباس وحديث ابن عمر ، قال :" وأسانيدها ضعيفة ، لكن اجتماعها يكتسب قوة ، والمعنى صحيح ". انتهى .

وينظر للفائدة: "السلسلة الصحيحة" (1788)، "الأحاديث المرفوعة المعلة في حلية الأولياء"، سعيد الغامدي (705-710) .

ثانيا :

أما معنى الحديث :

فقوله صلى الله عليه وسلم :" تفكروا "  : قال القرطبي في "تفسيره" (4/314) :" وَالْفِكْرَةُ: تَرَدُّدُ الْقَلْبِ فِي الشَّيْءِ ، يُقَالُ: تَفَكَّرَ ، وَرَجُلٌ فَكِيرٌ كَثِيرٌ الْفِكْرِ ". انتهى .

قوله صلى الله عليه وسلم :" في آلاء الله ". قال الصنعاني في "التنوير في شرح الجامع الصغير" (5/82) :" (تفكروا في آلاء الله) أي : نعمه ، قال القاضي: التفكر فيها أفضل العبادات .

قلت: كأنه لِمَا يجر إليه من شكر نعمة الله تعالى ، والاعتراف بأياديه ". انتهى

قوله صلى الله عليه وسلم في الرواية الأخرى :" تفكروا في خلق الله " : قال الصنعاني في "التنوير في شرح الجامع الصغير" (2/85) :" أي فيما بثه في الأكوان من الأنفس ونحوها ". انتهى

قوله صلى الله عليه وسلم :" ولا تفكروا في الله " ، أو " في ذات الله " : هذا نهيٌ عن التفكير في ذات الله تبارك وتعالى ، لأن الله ليس كمثله شيء ، والعقل البشري مخلوق محدود ، فكيف له أن يدرك كنه ذات الرب تبارك وتعالى .

قال الصنعاني في "التنوير في شرح الجامع الصغير"  (5/81) :" وإنما نهى عن التفكر في ذاته تعالى لأنه لا تفكر إلا فيما يعرفه العبد ويعلمه، وقد تعالى الله سبحانه أن يحاط به علماً".انتهى.

والتفكر في النعم والمخلوقات يزيد في القلب محبة الله عز وجل ، والإيمان به ، والفكر في ذات الله يجلب للعبد الحيرة والضلال ، وكثير من فرق الضلالة كان سبب نشأتها الخوض في ذات الله تبارك وتعالى ، فحملهم ذلك على نفي الصفات ، وتعطيلها ، أو التجسيم ، أو التأويل .

قال نعيم بن حماد ، وهو من مشايخ الإمام البخاري :" حق على كل مؤمن أن يؤمن بجميع ما وصف الله به نفسه ويترك التفكر في الرب تبارك وتعالى، ويتبع حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في الخالق ) ". أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة " (3/527) للإمام اللالكائي .

وقال أبو القاسم الأصبهاني في "الحجة في بيان المحجة" (2/457) :" ومن تفكر في الله وفي صفاته : ضل ، ومن تفكر في خلق الله وآياته ازداد إيماناً ". انتهى 

ونختم الجواب بهذا الكلام النفيس لابن القيم رحمه الله من كتاب "الفوائد" (ص198) :           " الْفِكر فِي آلَاء الله ونعمه ، وَأمره وَنَهْيه ، وطُرُق الْعلم بِهِ ، وبأسمائه وَصِفَاته ، من كِتَابه وَسنة نبيه وَمَا والاهما . وَهَذَا الْفِكر يُثمر لصَاحبه الْمحبَّة والمعرفة .

فَإِذا فكر فِي الْآخِرَة ، وشرفها ودوامها ، وَفِي الدُّنْيَا ، وخستها وفنائها : أثمر لَهُ ذَلِك الرَّغْبَة فِي الْآخِرَة ، والزهد فِي الدُّنْيَا .

وَكلما فكّر فِي قصر الأمل ، وضيق الْوَقْت : أورثه ذَلِك الجدّ وَالِاجْتِهَاد ، وبذل الوسع فِي اغتنام الْوَقْت .

وَهَذِه الأفكار تُعلي همّته وتحييها ، بعد مَوتهَا وسفولها ، وتجعله فِي وَاد، وَالنَّاس فِي وَاد .

وبإزاء هَذِه الأفكار : الأفكار الرَّديئَة ، الَّتِي تجول فِي قُلُوب أَكثر هَذَا الْخلق  ، كالفكر فِيمَا لم يُكَلف الْفِكرَ فِيهِ ، وَلَا أُعْطيَ الْإِحَاطَة بِهِ ، من فضول الْعلم الَّذِي لَا ينفع ، كالفكر فِي كَيْفيَّة ذَات الرب وَصِفَاته ، مِمَّا لَا سَبِيل للعقول إِلَى إِدْرَاكه ". انتهى

وختاما : نسأل الله تعالى أن يجعلنا والسائل الكريم وجميع المسلمين ممن قال الله فيهم :" إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191). آل عمران/190 ، 191 . آمين .


الخلاصة

 

المصدر: الإسلام سؤال وجواب

إرسال الملاحظات