الاثنين 12 صفر 1443 - 20 سبتمبر 2021
العربية

حول التوفيق بين حديث ما لي وللدنيا وبين ولا تنس نصيبك من الدنيا

266458

تاريخ النشر : 18-07-2017

المشاهدات : 15355

السؤال

كيف يمكننا الجمع بين حديث النبي عليه الصلاة والسلام الذي رواه عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ قال: نام رسول الله صلى الله عليه وسلم على حصير فقام ، وقد أثر في جنبه ، قلنا: يا رسول الله ، لو اتخذنا لك وِطاءً ؟ فقال: (ما لي وللدنيا ؟، ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ، ثم راح وتركها) رواه الترمذي ، وقال: حديث حسن صحيح، وبين أن المسلم يجب أن يعمر الأرض ، وأيضا له نصيب منها، أم إن المسلمين يجب أن يتقدموا في جميع المجالات ؟

الجواب

الحمد لله.

إن المتتبع لنصوص القرآن والسنة الصحيحة يرى أنها تؤكد على ما يلي :

أولا : تحديد الغاية التي لأجلها خلق الله الإنسان ، وهي تحقيق العبودية لله وحده لا شريك له .

قال الله تعالى : ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) الذاريات/56 .

وقال تبارك وتعالى : ( الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ) الحج/41 .

فالغاية من الخلق إقامة العبودية في أنفسهم ، وفي غيرهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والجهاد في سبيل الله ، وهذا هو الأصل وكل شيء تبع له وسبيل إليه .

قال الله تعالى : ( قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ) الأنعام/162-163

ثانيا : أن كل شيء في هذه الحياة من طعام وشراب ونكاح وغير ذلك ليس غاية في حد ذاته ، إنما هو وسيلة يستعين بها العبد على إقامة العبودية ، وحينئذ تصبح عبادة في حد ذاتها بذلك المسلك.

عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ، قَالَ: كُنَّا نَأْتِي النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ، فَيُحَدِّثُنَا فَقَالَ لَنَا ذَاتَ يَوْمٍ: " إِنَّ اللهَ قَالَ: إِنَّا أَنْزَلْنَا الْمَالَ لِإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَلَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادٍ، لَأَحَبَّ أَنْ يَكُونَ إِلَيْهِ ثَانٍ، وَلَوْ كَانَ لَهُ وَادِيَانِ، لَأَحَبَّ أَنْ يَكُونَ إِلَيْهِمَا ثَالِثٌ، وَلَا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ، ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ عَلَى مَنْ تَابَ " رواه أحمد (21906) وصححه الألباني .

ثالثا : أن المسلم لا يعمل للدنيا ولا لملذاتها وشهواتها ، فإنها لا تساوي شيئا عند الله تعالى ، ولو كانت تساوي جناح بعوضة ما سقى منها الكافر شربة ماء ، كما قال صلى الله عله وسلم :" لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ ". أخرجه الترمذي في سننه (2320) ، وصححه الشيخ الألباني في "السلسة الصحيحة" (686)

رابعا : حذرت الشريعة من التعلق بالدنيا حتى يصل العبد بذلك إلى ترك الواجبات أو الوقوع في المحرمات ، كما في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ:" تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ ، وَعَبْدُ الخَمِيصَةِ ، إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ ، تَعِسَ وَانْتَكَسَ ، وَإِذَا شِيكَ فَلاَ انْتَقَشَ ". أخرجه البخاري (2887) ، وكما في قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :" وَاللَّهِ لاَ الفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ ، وَلَكِنْ أَخَشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ ". أخرجه البخاري (3158) ، مسلم (2961) .

خامسا : رغبت الشريعة في الإقلال من التمتع بالدنيا ، والزهد في متاعها ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَنْكِبِي، فَقَالَ: كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ، يَقُولُ: إِذَا أَمْسَيْتَ فَلاَ تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلاَ تَنْتَظِرِ المَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ رواه البخاري (6416) .

سادسا : قررت الشريعة أن المال قوام الدين والحياة ، ولذا حرمت الشريعة إضاعة المال ، كما في قوله تعالى :" وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا ". النساء/5 ، وكما في قوله صلى الله عليه وسلم :" " إِنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلاَثًا: قِيلَ وَقَالَ ، وَإِضَاعَةَ المَالِ ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ ". أخرجه البخاري (1477) .

سابعا : شرع الله لعباده عمارة الأرض لإصلاحها ، ليعود ذلك بالنفع على الإنسان والحيوان من باب الطاعات التي يؤجر عليها الإنسان ، فعن جَابِرٍ رضي الله عنه ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَى أُمِّ مُبَشِّرٍ الْأَنْصَارِيَّةِ فِي نَخْلٍ لَهَا ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" مَنْ غَرَسَ هَذَا النَّخْلَ؟ أَمُسْلِمٌ أَمْ كَافِرٌ؟» فَقَالَتْ: بَلْ مُسْلِمٌ ، فَقَالَ:" لَا يَغْرِسُ مُسْلِمٌ غَرْسًا ، وَلَا يَزْرَعُ زَرْعًا ، فَيَأْكُلَ مِنْهُ إِنْسَانٌ ، وَلَا دَابَّةٌ ، وَلَا شَيْءٌ ، إِلَّا كَانَتْ لَهُ صَدَقَةً ". أخرجه مسلم (1552) .

قال ابن بطال في "شرح صحيح البخاري" (6/456) :" وفيه الحض على عمارة الأرض لتعيش نفسه أو من يأتي بعده ممن يؤجر فيه ، وذلك يدل على جواز اتخاذ الصناع ، وأن الله تعالى أباح ذلك لعباده المؤمنين لأقواتهم وأقوات أهليهم طلبًا للغنى بها عن الناس ، وفساد قول من أنكر ذلك ، ولو كان كما زعموا ما كان لمن زرع زرعًا وأكل منه إنسان أو بهيمة أجر ، لأنه لا يؤجر أحد فيما لا يجوز فعله ". انتهى .

وقال القاضي عياض في "إكمال المعلم" (5/214) :" فيه الحض على الغرس واقتناء الضياع ، كما فعله كثير من السلف ، خلافًا لمن منع ذلك. واختصاص الثواب على الأعمال بالمسلمين دون الكفار. وفيه أن المسبب للخير أجرٌ بما تنفع به ، كان من أعمال البر أو مصالح الدين ". انتهى .

ثامنا : دعت الشريعة ورغبت في أن يكون المال مع الصالحين لإنفاقه في مراضي الله تبارك وتعالى ، كما في حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال :" نِعْمَ الْمَالُ الصَّالِحُ لِلْمَرْءِ الصَّالِحِ ". أخرجه أحمد في المسند (17763) ، وصححه الشيخ الألباني في "صحيح الأدب المفرد" (299) .

بل إن من أعلى المؤمنين في المنازل يوم القيامة: من رزقه الله علما نافعا ومالا صالحا فأنفقه في مرضاة رب العالمين كما في قول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :" إِنَّمَا الدُّنْيَا لأَرْبَعَةِ نَفَرٍ، عَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالاً وَعِلْمًا فَهُوَ يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ ، وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ ، وَيَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا ، فَهَذَا بِأَفْضَلِ الْمَنَازِلِ ...". أخرجه الترمذي في سننه (2325)، وصححه الشيخ الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (16).

قال العراقي في "طرح التثريب" (4/74) :" قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ فِيهِ: أَنَّ الْغَنِيَّ إذَا قَامَ بِشُرُوطِ الْمَالِ، وَفَعَلَ فِيهِ مَا يُرْضِي رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : فَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ الْفَقِيرِ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى مِثْلِ حَالِهِ ". انتهى

تاسعا : لا تعارض بين أن يكون المال في يد العبد الصالح ، ثم يعد من الزاهدين ، فإن الزهد كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (11/28) :" وَ " الزُّهْدُ " الْمَشْرُوعُ تَرْكُ مَا لَا يَنْفَعُ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ وَأَمَّا كُلُّ مَا يَسْتَعِينُ بِهِ الْعَبْدُ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ فَلَيْسَ تَرْكُهُ مِنْ الزُّهْدِ الْمَشْرُوعِ ".

فإن استعمل العبد المال في طاعة الله ، والدعوة إلى دينه : فإنه يكون في أعلى المنازل ، وإنما الإشكال أن يتعلق القلب بالمال .

عاشرا: وأما قوله تبارك وتعالى : ( وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ). القصص/77 .

 فقد اختلف المفسرون فيها على قولين ، قال القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" (13/314) :" (وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا) اخْتُلِفَ فِيهِ ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْجُمْهُورُ: لَا تُضَيِّعْ عُمْرَكَ فِي أَلَّا تَعْمَلَ عَمَلًا صَالِحًا فِي دُنْيَاكَ ، إِذِ الْآخِرَةُ إِنَّمَا يُعْمَلُ لَهَا ، فَنَصِيبُ الْإِنْسَانِ عُمْرُهُ وَعَمَلُهُ الصَّالِحُ فِيهَا. فَالْكَلَامُ ، عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ : شِدَّةٌ فِي الْمَوْعِظَةِ.

وَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: مَعْنَاهُ لَا تُضَيِّعُ حَظَّكَ مِنْ دُنْيَاكَ فِي تَمَتُّعِكَ بِالْحَلَالِ وَطَلَبِكَ إِيَّاهُ ، وَنَظَرِكَ لِعَاقِبَةِ دُنْيَاكَ.                                                                              فَالْكَلَامُ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ : فِيهِ بَعْضُ الرِّفْقِ بِهِ ، وَإِصْلَاحُ الْأَمْرِ الَّذِي يَشْتَهِيهِ. وَهَذَا مِمَّا يَجِبُ اسْتِعْمَالُهُ مَعَ الْمَوْعُوظِ خَشْيَةَ النَّبْوَةِ مِنَ الشِّدَّةِ ، قَالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ.

قُلْتُ: وَهَذَانِ التَّأْوِيلَانِ قَدْ جَمَعَهُمَا ابْنُ عُمَرَ فِي قَوْلِهِ: احْرُثْ لِدُنْيَاكَ كَأَنَّكَ تَعِيشُ أَبَدًا، وَاعْمَلْ لِآخِرَتِكَ كَأَنَّكَ تَمُوتُ غَدًا ". انتهى .

ولا تعارض بين القولين فإن العبد عليه ألا يضيع حظه ونصيبه من عمره في الدنيا في المعاصي، بل عليه أن يستعمله في الطاعة .

ثم هو كذلك لا حرج عليه أن يستمتع بالحلال الطيب من غير إسراف ولا مخيلة ، كما في قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كُلُوا ، وَتَصَدَّقُوا ، وَالْبَسُوا فِي غَيْرِ إِسْرَافٍ ، وَلَا مَخِيلَةٍ . أخرجه النسائي في سننه (2559) ، وحسنه الشيخ الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (2145) .

قال ابن العربي في "أحكام القرآن" (3/513) :" وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ [القصص: 77] ذُكِرَ فِيهِ أَقْوَالٌ كَثِيرَةٌ ، جِمَاعُهَا : اسْتَعْمِلْ نِعَمَ اللَّهِ فِي طَاعَتِهِ .

قَالَ مَالِكٌ: مَعْنَاهَا : تَعِيشُ وَتَأْكُلُ وَتَشْرَبُ ، غَيْرَ مُضَيَّقٍ عَلَيْك فِي رَأْيٍ.

قَالَ الْقَاضِي: أَرَى مَالِكًا أَرَادَ الرَّدَّ عَلَى مَنْ يَرَى مِنْ الْغَالِينَ فِي الْعِبَادَةِ التَّقَشُّفَ وَالتَّقَصُّفَ وَالْبَأْسَاءَ ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَأْكُلُ الْحَلْوَى ، وَيَشْرَبُ الْعَسَلَ ، وَيَسْتَعْمِلُ الشِّوَاءَ ، وَيَشْرَبُ الْمَاءَ الْبَارِد ؛ وَلِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ: أُمِرَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالِهِ قَدْرَ عَيْشِهِ ، وَيُقَدِّمَ مَا سِوَى ذَلِكَ لِآخِرَتِهِ. وَأَبْدَعُ مَا فِيهِ عِنْدِي قَوْلُ قَتَادَةَ: وَلَا تَنْسَ الْحَلَالَ ، فَهُوَ نَصِيبُك مِنْ الدُّنْيَا ، وَمَا أَحْسَنَ هَذَا ". انتهى.

حاي عشر : وأما الحديث الذي ساقه السائل : وهو ما رواه الترمذي في سننه (2377) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : نَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَصِيرٍ فَقَامَ وَقَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِهِ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ لَوِ اتَّخَذْنَا لَكَ وِطَاءً، فَقَالَ: مَا لِي وَلِلدُّنْيَا، مَا أَنَا فِي الدُّنْيَا إِلاَّ كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا ".

فهو حديث صحيح بشواهده كما قال الشيخ الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (490) ، وينبغي أن يفهم معناه في ضوء ما سبق بيانه .

قال ابن الملقن في التوضيح (28/15) وكان عليه السلام  ينام على الحصير حتى تؤثر في جنبه ، ويتخذ من الثياب ما يشبه تواضعه وزهده في الدنيا ؛ توفيرًا لحظه في الآخرة ، وقد خيره الله بين أن يكون نبيًّا ملكًا ، وبين أن يكون عبدًا ملكًا ، فاختار الثاني ، إيثارًا للآخرة على الدنيا ، وتزهيدًا لأمته فيها ، ليقتدوا به في أخذ البلغة من الدنيا ، إذ هي أسلم من الفتنة التي تخشى على من فتحت عليه زهرة الدنيا ، ألا ترى قوله: "ماذا أنزل الليلة من الفتنة ، ماذا أنزل من الخزائن" ، وقرن عليه [السلام] الفتنة بنزول الخزائن ، فدل أن الكفاف في الأمور ، عن الدنيا خير من الإكثار وأسلم من الغناء ". انتهى

وحاصل ذلك كله :

أن ينظر العبد في ماله : من أين اكتسبه ؟ وفيم أنفقه ؟

فلا يكسبه : إلا من حِلِّه .

ولا ينفقه : إلا في حَقّه .

ولا يشغله ذلك : عن طاعة ربه ، وصلاح أمر آخرته .

فإن استعان بماله ، ونعم الله عليه ، على بلوغ الدرجات العلى ، وقدم لنفسه : فهو الغاية .

وتأمل ذلك الحديث الجليل :

روى البخاري (483) ومسلم (595) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ:

جَاءَ الفُقَرَاءُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالُوا: ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ مِنَ الأَمْوَالِ بِالدَّرَجَاتِ العُلاَ، وَالنَّعِيمِ المُقِيمِ يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَلَهُمْ فَضْلٌ مِنْ أَمْوَالٍ يَحُجُّونَ بِهَا، وَيَعْتَمِرُونَ، وَيُجَاهِدُونَ، وَيَتَصَدَّقُونَ، قَالَ: أَلاَ أُحَدِّثُكُمْ إِنْ أَخَذْتُمْ أَدْرَكْتُمْ مَنْ سَبَقَكُمْ وَلَمْ يُدْرِكْكُمْ أَحَدٌ بَعْدَكُمْ، وَكُنْتُمْ خَيْرَ مَنْ أَنْتُمْ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِ إِلَّا مَنْ عَمِلَ مِثْلَهُ تُسَبِّحُونَ وَتَحْمَدُونَ وَتُكَبِّرُونَ خَلْفَ كُلِّ صَلاَةٍ ثَلاَثًا وَثَلاَثِينَ، فَاخْتَلَفْنَا بَيْنَنَا، فَقَالَ بَعْضُنَا: نُسَبِّحُ ثَلاَثًا وَثَلاَثِينَ، وَنَحْمَدُ ثَلاَثًا وَثَلاَثِينَ، وَنُكَبِّرُ أَرْبَعًا وَثَلاَثِينَ، فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: تَقُولُ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالحَمْدُ لِلَّهِ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، حَتَّى يَكُونَ مِنْهُنَّ كُلِّهِنَّ ثَلاَثًا وَثَلاَثِينَ .

والله أعلم .

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

المصدر: موقع الإسلام سؤال وجواب