الثلاثاء 23 صفر 1441 - 22 اكتوبر 2019
العربية

هل أحيا عيسى عليه السلام بإذن الله سام بن نوح ؟

271403

تاريخ النشر : 16-09-2017

المشاهدات : 29259

السؤال

أنا اقرأ في أحد من المواقع أن عيسى عليه السلام أحيا سام بن نوح عليه السلام. أنا بحث لكن لا أجد شيء عن هذا. هل هذه القصة صحيح؟ بارك الله فيك

نص الجواب

الحمد لله

فإن من المعلوم أن عيسى عليه السلام قد أيده الله بكثير من الآيات ، ومنها إحياء الموتى بإذن الله ، كما في قوله تعالى : ( إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ) المائدة/110.

وأما محل السؤال في كون سام بن نوح ممن أحياه عيسى عليه السلام - بإذن الله - أم لا ؟

فالجواب : أنه لم يُرو في ذلك شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وإنما يُروى عن بعض الصحابة ولا يثبت من ذلك شيء عنهم ، ويُروى كذلك عن بعض التابعين ولا حجة فيه ، وبين الآثار المروية خلاف هل هو سام بن نوح أم حام بن نوح ، وبيان ذلك كما يلي :

المروي عن الصحابة :

روي ذلك عن ابن عباس ، وسلمان الفارسي رضي الله عنهما .

أما حديث ابن عباس – وفيه أن الذي أحياه هو "حام بن نوح" وليس "سام"- :

فقد أخرجه الطبري في "تفسيره" (12/395) من طريق الحسين بن داود ، عن الحجاج بن محمد ، عن مُفَضَّلِ بْنِ فَضَالَةَ ، عن عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " قَالَ الْحَوَارِيُّونَ لِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ: لَوْ بَعَثْتَ لَنَا رَجُلًا شَهِدَ السَّفِينَةَ فَحَدَّثَنَا عَنْهَا قَالَ: فَانْطَلَقَ بِهِمْ حَتَّى انْتَهَى بِهِمْ إِلَى كَثِيبٍ مِنْ تُرَابٍ ، فَأَخَذَ كَفًّا مِنْ ذَلِكَ التُّرَابِ بِكَفِّهِ ، قَالَ: أَتَدْرُونَ مَا هَذَا؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: هَذَا كَعْبُ حَامِ بْنِ نُوحٍ. قَالَ: فَضَرَبَ الْكَثِيبَ بِعَصَاهُ ، قَالَ: قُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ يَنْفُضُ التُّرَابَ عَنْ رَأْسِهِ قَدْ شَابَ. قَالَ لَهُ عِيسَى: هَكَذَا هَلَكْتَ؟ قَالَ: لَا ، وَلَكِنْ مِتُّ وَأَنَا شَابٌّ ، وَلَكِنِّي ظَنَنْتُ أَنَّهَا السَّاعَةُ ، فَمِنْ ثَمَّ شِبْتُ. قَالَ: حَدِّثْنَا عَنْ سَفِينَةِ نُوحٍ .. " . فذكر الخبر بطوله .

وإسناده ضعيف جدا ، فيه أكثر من علة ، منها :

الأولى : يوسف بن مهران : قال فيه الإمام أحمد :" لا يُعرف، ولا أعرف أحداً روى عنه سوى علي بن زيد ".. "انظر تهذيب الكمال" (32/463) ، ولينه ابن حجر في "التقريب" (7886) .

الثانية : علي بن زيد بن جدعان ، ضعفه مطلقا أكثر المحدثين كالإمام أحمد ، وابن معين ، والنسائي ، وابن خزيمة ، انظر "تهذيب الكمال" (20/437) ، ولذا قال النووي في "تهذيب الأسماء واللغات" (1/344) :" وهو ضعيف عند المحدثين ". اهـ ، ومجمل القول فيه أنه سيء الحفظ ، ويخطئ كثيرا ، حتى إنه كان يرفع الموقوفات ، إلا أنه لا يصل إلى حد الترك ، ولذا قال فيه فيه قول الدارقطني حيث قال :" أنا أقف فيه لا يترك عندي. فيه لين ". كذا في "سؤالات البرقاني" (361) ، وهذا معناه أنه لين لا يترك ، وحديثه يصلح في الشواهد والمتابعات ، ولا يصلح حديثه منفردا .

وهناك سياق آخر منسوب لابن عباس ، وفيه ذكر "سام" ، ذكره البغوي في "شرح السنة" (2/40) ، ولم يذكر له سندا ، فقال :" قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا  قَدْ أَحْيَا أَرْبَعَةَ أَنْفُسٍ ، عَازِرَ وَابْنَ الْعَجُوزِ ، وَابْنَةَ الْعَاشِرِ ، وَسَامَ بْنَ نُوحٍ .. " .

فذكر قصة مطولة ، من غير إسناد لها أصلا . 

وأما حديث سلمان الفارسي :

فقد أخرجه ابن الجوزي في "المنتظم" (2/22) من طريق أَبَانَ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْديِّ ، عن سلمان الفارسيّ ، قال: لَمْ يَبْقَ فِي مَدِينَتِهِمْ زَمِنٌ وَلا مُبْتَلًى وَلا مَرِيضٌ إِلا اجْتَمَعُوا إِلَيْهِ فَدَعَا لَهُمْ فَشَفَاهُمُ اللَّهُ ، فَصَدَّقُوهُ وَاتَّبَعُوهُ ، ثُمَّ قَالُوا لَهُ: ابْعَثْ لَنَا مِنَ الآخِرَةِ ، قَالَ: مَنْ تُرِيدُونَ؟

قَالُوا: سَامَ بْنَ نُوحٍ ، فَإِنَّهُ قَدْ مَاتَ مُنْذُ كَذَا وَكَذَا أَلْفِ سَنَةٍ ، قَالَ: تَعْلَمُونَ أَيْنَ قَبْرُهُ؟ قَالُوا: فِي وَادِي كَذَا وَكَذَا.

فَانْطَلَقُوا إِلَى الْوَادِي ، فصلى عِيسَى رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ قَالَ: يَا رَبِّ ، إِنَّهُمْ سَأَلُونِي مَا قَدْ عَلِمْتَ فَابْعَثْ لِي سَامَ بْنَ نُوحٍ ، فَقَالَ: يَا سَامُ بْنَ نُوحٍ ، قُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ ، ثُمَّ نَادَى مِثْلَ ذَلِكَ ، ثُمَّ نَادَى الثَّالِثَةَ ، فَأَجَابَهُ ، فَنَظَرَ إِلَى الأَرْضِ قَدِ انْشَقَّتْ عَنْهُ ، فَخَرَجَ وَهُوَ يَنْفُضُ التُّرَابَ عَنْ رَأْسِهِ ، وَهُوَ يَقُولُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَلِمَتَهُ ، هَا أَنَا ذَا قَدْ جِئْتُكَ.

فَقَالَ: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ ، هَذَا عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ ، ابْنُ الْعَذْرَاءِ الْمُبَارَكَةِ ، رُوحُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ ، فَآمِنُوا بِهِ وَاتَّبِعُوهُ .

ثُمَّ قَالَ: يَا رُوحَ اللَّهِ ، إِنَّكَ لَمَّا دَعَوْتَنِي جَمَعَ اللَّهُ مَفَاصِلِي وَعِظَامِي ، ثُمَّ سَوَّانِي خَلْقًا ، فَلَمَّا دَعَوْتَنِي الثَّانِيَةَ ، رَجَعَتْ إِلَيَّ رُوحِي ، فَلَمَّا دَعَوْتَنِي الثَّالِثَةَ ، خِفْتُ أَنْ تَكُونَ الْقِيَامَةَ ، فَشَابَ رَأْسِي وَأَتَانِي مَلَكٌ ، فَقَالَ: هَذَا عِيسَى يَدْعُوكَ لِتُصَدِّقَ مَقَالَتَهُ ، يَا رُوحَ اللَّهِ ، سَلْ رَبَّكَ أَنْ يَرُدَّنِي إِلَى الآخِرَةِ ، فَلا حَاجَةَ لِي فِي الدُّنْيَا.

قَالَ عِيسَى: فَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَكُونَ مَعِي ، قَالَ: يَا عِيسَى ، أَكْرَهُ كَرْبَ الْمَوْتِ ، مَا ذَاقَ الذَّائِقُونَ مِثْلَهُ. فَدَعَا رَبَّهُ فَاسْتَوَتْ عَلَيْهِ الأْرَضُ ، وَقَبَضَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ ، فَبَلَغَ عِدَّةُ مَنْ آمَنَ بِعِيسَى سَبْعَةُ آلافٍ".

وإسناده تالف ، فيه أبان بن أبي عياش " متروك الحديث " ، وكذبه بعضهم .

وأما الآثار عن التابعين ، فلا حجة فيها أصلا ، وممن روي عنه ذلك :

معاوية بن قرة :

أخرجه ابن أبي الدنيا في "من عاش بعد الموت" (59) من طريق خَلَفِ بْن هِشَامٍ ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْنُ بْنُ مُوسَى ، سَمِعَ مُعَاوِيَةَ بْنَ قُرَّةَ ، قَالَ: " سَأَلَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالُوا: يَا رَوْحَ اللَّهِ وَكَلِمَتَهُ إِنَّ سَامَ بْنَ نُوحٍ دُفِنَ هَاهُنَا قَرِيبًا ، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَبْعَثَهُ لَنَا ، قَالَ: فَهَتَفَ نَبِيُّ اللَّهِ بِهِ فَلَمْ يَرَ شَيْئًا وَهَتَفَ فَلَمْ يَرَ شَيْئًا ، فَقَالُوا: لَقَدْ دُفِنَ هَاهُنَا قَرِيبًا ، فَهَتَفَ نَبِيُّ اللَّهِ ، فَخَرَجَ أَشْمَطُ ، قَالُوا: يَا رَوْحَ اللَّهِ وَكَلِمَتَهُ ، نُبِّئْنَا أَنَّهُ مَاتَ وَهُوَ شَابٌّ ، فَمَا هَذَا الْبَيَاضُ؟ فَقَالَ لَهُ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: مَا هَذَا الْبَيَاضُ؟ قَالَ: ظَنَنْتُ أَنَّهَا مِنَ الصَّيْحَةِ فَفَزِعْتُ .

وإسناده صحيح عن معاوية بن قرة .

الزهري :

أخرجه ابن الجوزي في "المنتظم" (2/22) من طريق ابن وهب عن ابن لهيعة ، عَنِ ابْنِ الهاد ، عَنِ ابْنِ شهاب ، قَالَ: قيل لعيسى بن مريم عليه السلام: أحي حام بْن نوح ، فَقَالَ: أروني قبره ، فأروه فقام فقال: يا حام بن نوح احي بإذن اللَّه ، فلم يخرج ، ثم قالها الثانية ، فإذا شق رأسه ولحيته أبيض. فَقَالَ: ما هَذَا ؟ ، قَالَ: سمعت الدعاء الأول فظننت أنه من اللَّه عز وجل ، فشاب له شقي ، ثم سمعت الثاني فعلمت أنه من الدنيا فخرجت. قَالَ: منذ كم مت؟

قَالَ: منذ أربعة آلاف سنة ما ذهبت عني سكرة الموت " .

وإسناده حسن عن الزهري ، وأما ابن لهيعة فقد رواه عنه عبد الله بن وهب ، وهو من قدماء أصحابه ، وقد روى عنه قبل احتراق كتبه ، ولذا فحديثه عنه حسن ، قال الذهبي في "تذكرة الحفاظ" (1/174) في ترجمة عبد الله بن لهيعة :" حدث عنه ابن المبارك وابن وهب وأبو عبد الرحمن المقرئ وطائفة ، قبل أن يكثر الوهم في حديثه وقبل احتراق كتبه فحديث هؤلاء عنه أقوى وبعضهم يصححه ولا يرتقي إلى هذا ". اهـ

ومما سبق يتبين أنه لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء في كون سام بن نوح ممن أحياه عيسى عليه السلام ، وإنما يروى ذلك عن بعض الصحابة ولا يثبت عنهم أيضا ، وإنما صح عن بعض التابعين من قولهم ، والغالب أن هذا مما أخذوه عن أهل الكتاب ، وكتب تواريخ السابقين .

والله أعلم .

المصدر: موقع الإسلام سؤال وجواب

إرسال الملاحظات