الجمعة 16 رجب 1440 - 22 مارس 2019
العربية

ما معنى حديث ؛ لولا بنو اسرائيل لم يخنز اللحم ؟

275776

تاريخ النشر : 09-12-2018

المشاهدات : 2388

السؤال

من المؤكد أنكم تعلمون كثرة من يشككون في السنة وصحيح البخاري ، هناك شخص سألني بعض الأسئلة ، هو لا يجادل ، فقط يريد أن يعرف ، وهي : معني حديث : ( لولا بني إسرائيل لم يخنز اللحم إلى آخره ، ولولا حواء ... ) فهناك قول يقول : إن ما بعد حواء حذف ، ممكن أن تكون لولا حواء ناقصة عقل ودين لم تخن امرأة زوجها ، فهل يمكن الأخذ به ؟

نص الجواب

الحمد لله

أولا:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:  لَوْلاَ بَنُو إِسْرَائِيلَ لَمْ يَخْنَزِ اللَّحْمُ، وَلَوْلاَ حَوَّاءُ لَمْ تَخُنْ أُنْثَى زَوْجَهَا  رواه البخاري (3330) ، ومسلم (1470).

وهذا حديث صحيح ، لا مطعن فيه ؛ تلقاه أهل العلم بالقبول ، وأوردوه في مصنفاتهم ، من غير نكير بينهم .

ثانيا:

قوله صلى الله عليه وسلم:   لَوْلاَ بَنُو إِسْرَائِيلَ لَمْ يَخْنَزِ اللَّحْمُ  .

فالحديث نص على أن فساد اللحم المعروف، قدّره الله تعالى بسبب عصيان حصل من بني اسرائيل.

أما نوع عصيان بني اسرائيل؛ فالذي عليه أهل العلم؛ هو أنّ الله تعالى أنعم عليهم في التيه بالطعام، ينزل عليهم في كل يوم بقدر حاجتهم، ومن ذلك لحم السَّلوى.

قال الله تعالى:  وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ   البقرة /57 .

وأُمِروا ألا يدخروا ، بل يأخذون من ذلك قدر حاجتهم؛ فعصوا وخالفوا، فقضى الله تعالى ، منذ ذلك الحين ،  بسرعة الفساد إلى اللحم ، على ما هو معروف بين الناس .

روى ابن أبي حاتم في "التفسير" (1 / 115) بإسناده عَنْ قَتَادَةَ: ( قَوْلُهُ: ( وَالسَّلْوَى )، قَالَ: كَانَ السَّلْوَى مِنْ طَيْرٍ إِلَى الْحُمْرَةِ يَحْشُرُهَا عَلَيْهِمُ الرِّيحُ الْجَنُوبُ، فَكَانَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَذْبَحُ مِنْهَا قَدْرَ مَا يَكْفِيهِ يَوْمَهُ ذَلِكَ، فَإِذَا تَعَدَّى، فَسَدَ وَلَمْ يَبْقَ عِنْدَهُ، حَتَّى إِذَا كَانَ يوم سادسه ، ليوم جَمَعْتُهُ ، أَخَذَ مَا يَكْفِيهِ لِيَوْمِ سَادِسِهِ وَيَوْمِ سَابِعِهِ؛ لأَنَّهُ كَانَ يَوْمَ عِبَادَةٍ لَا يَشْخَصُ فِيهِ لِشَيْءٍ وَلا يَطْلُبُهُ ).

ثم تنوعت أقوال أهل العلم في تحديد الوجه المقصود بفساد اللحم.

الوجه الأول: أن هذا الفساد لم يكن يلحق اللحم قبل بني اسرائيل، فلما عصوا عوقبوا بنتن اللحم واستمر بعدهم.

قال النووي رحمه الله تعالى:

" قال العلماء: معناه أن بني إسرائيل لما أنزل الله عليهم المن والسلوى نهوا عن ادخارهما، فادخروا، ففسد وأنتن ، واستمر من ذلك الوقت، والله أعلم " انتهى من "شرح صحيح مسلم" (10 / 59).

الوجه الثاني: المقصود بذلك؛ أن فساد اللحم كان مقدرا في السابق؛ وإنما لم يكن الناس يدخرون اللحم، فلم يعرفوا فساده، فلما ادخر بنو اسرائيل عرفت هذه العلة.

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله تعالى:

" وأما بنو إسرائيل؛ فقيل لهم: لا تدخروا من اللحم الذي رزقتموه في التيه، فادخروه من الهلع والحرص الشديد، وضعف الثقة بالله .

وكان الناس قبل ذلك يأكلون اللحم طرياً ولا يدخرونه، فلما حصل ادخاره من بني إسرائيل؛ كانوا أول من سنَّ للناس هذا الأمر...

وكان الأولى للناس أن يأكلوا اللحم وهو طري، وما فضل عن أكلهم أهدوه أو تصدقوا به، ولا يتركوه يخنز .

ولكن لما وقع بنو إسرائيل في ادخاره؛ وقع الناس فيه بعدهم، فحرموا تلك المواساة النافعة. والله أعلم " انتهى من "مجموع مؤلفات الشيخ السعدي" (21 / 53).

الوجه الثالث: أن هذا الفساد كان مقدرا في السابق لأن الله تعالى سبق في علمه ما سيحدثه بنو اسرائيل من المعصية.

قال العراقي رحمه الله تعالى:

" ويحتمل أن التغير كان قديما قبل وجود بني إسرائيل، سببه ما علمه الله مما يحدث من بني إسرائيل بعد ذلك، والله أعلم. " انتهى من "طرح التثريب" (7 / 65).

وهناك وجه رابع:

وهو أن اللحم كان ينتن ويفسد بعد مرور فترة من الزمن عليه، كما هو الحال في الفواكه والخضر، لكن معصية بني اسرائيل، كانت سببا لتسريع هذا الفساد والنتن الذي يعرف في اللحم.

ولمزيد الفائدة طالع على الرابط الآتي بحثا مفصلا لهذه الفقرة من الحديث:

http://bit.ly/2UMnt9F

والحاصل؛ أن الحديث يثبت أن معصية بني اسرائيل هي سبب لفساد اللحم المعروف، وأما وجه ذلك فهناك أقوال محتملة؛ فإن ترجّح للمسلم قول منها أخذ به؛ وإلا وكل العلم إلى الله تعالى، كما نؤمن بأمور الغيب، ونكل كيفيتها إلى الله تعالى، ولا نتبع سبيل أهل الضلال بأن يُتّخذ ما لا تدركه عقولنا - لقصورها - وسيلة للتشكيك في الوحي.

قال الله تعالى:   هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ  آل عمران/7 .

ثالثا:

قوله صلى الله عليه وسلم:   وَلَوْلاَ حَوَّاءُ لَمْ تَخُنْ أُنْثَى زَوْجَهَا  .

فالخيانة هنا : المقصود بها عدم الإخلاص في النصح، وليس الخيانة في الفراش، فهذه غير مقصودة من الحديث أصلا، فالعقل يدل على استحالة وقوع هذا النوع من الخيانة من حواء ؛ لأنها لم يكن معها من البشر إلا آدم عليه السلام.

وقد وردت روايات توضّح السبب الذي عوتبت عليه حواء، وهي عدم نصحها لآدم عليه السلام حين دعته للأكل من الشجرة وزيّنت له هذا الأمر.

عَنْ أُبَيّ بْن كَعْبٍ، قَالَ: " إِنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ قَالَ لِبَنِيهِ: أَيْ بَنِيَّ إِنِّي أَشْتَهِي مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ ، فَذَهَبُوا يَطْلُبُونَ لَهُ، فَاسْتَقْبَلَتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ وَمَعَهُمْ أَكْفَانُهُ وَحَنُوطُهُ، وَمَعَهُمُ الْفُؤُوسُ وَالْمَسَاحِي وَالْمَكَاتِلُ، فَقَالُوا لَهُمْ: يَا بَنِي آدَمَ، مَا تُرِيدُونَ وَمَا تَطْلُبُونَ، أَوْ مَا تُرِيدُونَ وَأَيْنَ تَذْهَبُونَ؟، قَالُوا: أَبُونَا مَرِيضٌ فَاشْتَهَى مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ، قَالُوا لَهُمْ: ارْجِعُوا فَقَدْ قُضِيَ قَضَاءُ أَبِيكُمْ. فَجَاءُوا، فَلَمَّا رَأَتْهُمْ حَوَّاءُ عَرَفَتْهُمْ، فَلَاذَتْ بِآدَمَ، فَقَالَ: إِلَيْكِ عَنِّي فَإِنِّي إِنَّمَا أُوتِيتُ مِنْ قِبَلِكِ، خَلِّي بَيْنِي وَبَيْنَ مَلَائِكَةِ رَبِّي تَبَارَكَ وَتَعَالَى ... " .

رواه عبد الله ابن الإمام أحمد في زوائد المسند، "المسند" (35 / 162 - 163)، ورواه الحاكم في "المستدرك" (1 / 344 - 345) عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عُتَيٍّ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وقال الحاكم : " هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ ".

وصححه الألباني في "سلسلة الأحاديث الضعيفة" (6 / 406)؛ حيث قال: " وجملة القول : أن الحديث عن أبيّ صحيح مرفوعا وموقوفا " انتهى.

وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: " لَمَّا أَكَلَ آدَمُ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي نُهِيَ عَنْهَا، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: مَا حَمَلَكَ عَلَى أَنْ عَصَيْتَنِي؟

قَالَ: رَبِّ زَيَّنَتْ لِي حَوَّاءُ.

قَالَ: فَإِنِّي أَعْقَبْتُهَا أَنْ لَا تَحْمِلَ إِلَّا كَرْهًا وَلَا تَضَعَ إِلَّا كَرْهًا وَدَمَيْتُهَا فِي الشَّهْرِ مَرَّتَيْنِ.

فَلَمَّا سَمِعَتْ حَوَّاءُ ذَلِكَ رَنَّتْ فَقَالَ لَهَا: عَلَيْكِ الرَّنَّةُ وَعَلَى بَنَاتِكِ " رواه الحاكم في "المستدرك" (2 / 381)، وقال: " هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ "، ووافقه الذهبي، وصحح إسناده الحافظ ابن حجر في " فتح الباري" (1 / 400).

قال القاضي عياض:

" وقوله: ( وَلَوْلاَ حَوَّاءُ لَمْ تَخُنَّ أُنْثَى زَوْجَهَا )؛ يعنى أنها أمّهن ، فأشبهنها بالولادة ونزع العرق، لما جرى لها في قصة الشجرة مع إبليس، وأن إبليس إنما بدأ بحواء فأغواها وزين لها، حتى جعلها تأكل من الشجرة، ثم أتت آدم فقالت له مثل ذلك حتى أكل أيضاً هو " انتهى من "اكمال المعلم" (4 / 682).

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى :

" وقوله ( لَمْ تَخُنَّ أُنْثَى زَوْجَهَا ): فيه إشارة إلى ما وقع من حواء في تزيينها لآدم الأكل من الشجرة ، حتى وقع في ذلك، فمعنى خيانتها : أنها قبلت ما زين لها إبليس حتى زينته لآدم، ولما كانت هي أم بنات آدم ، أشبهنها بالولادة ، ونزع العرق ؛ فلا تكاد امرأة تسلم من خيانة زوجها ، بالفعل أو بالقول.

وليس المراد بالخيانة هنا : ارتكاب الفواحش ، حاشا وكلا، ولكن لما مالت إلى شهوة النفس ، من أكل الشجرة ، وحسنت ذلك لآدم : عُد ذلك خيانة له .

وأما من جاء بعدها من النساء : فخيانة كل واحدة منهن ، بحسبها.

وفي الحديث إشارة إلى تسلية الرجال فيما يقع لهم من نسائهم ، بما وقع من أمهن الكبرى، وأن ذلك من طبعهن ، فلا يُفْرِط في لوم من وقع منها شيء ، من غير قصد إليه ، أو على سبيل الندور .

وينبغي لهن أن لا يتمسكن بهذا في الاسترسال في هذا النوع بل يضبطن أنفسهن ويجاهدن هواهن، والله المستعان " انتهى من "فتح الباري" (6 / 368).

رابعا:

افتراض وجود اختصار في الحديث تقديره: " لولا حواء ناقصة عقل ودين لم تخن امرأة زوجها ".

هذا الافتراض لم نقف على ما يدل عليه، ولم يقل به أحد من أهل العلم ، فيما وقفنا عليه .

كما أن القول به يجعل الحديث ركيك المعنى؛ لأن المعلوم أن نقصان العقل والدين ، نصت السنة أنه وصف لاحق بعامة النساء وغير مختص بحواء، فعلى هذا الافتراض يكون المعنى اللازم، هو: لولا النساء ناقصات عقل ودين لم تخن امرأة زوجها؛ فكان ذكر حواء هنا : لغوا ، وحشوا في الكلام ، لا حاجة إليه !!

والله أعلم.

المصدر: موقع الإسلام سؤال وجواب

إرسال الملاحظات