الأحد 11 ربيع الآخر 1441 - 8 ديسمبر 2019
العربية

هل التنعم في الدنيا ينقص الأجر في الآخرة؟

288326

تاريخ النشر : 04-09-2018

المشاهدات : 7813

السؤال

قرأت أثرًا عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه في "مصنف" ابن أبي شيبة : " ما يصيب عبد من الدنيا إلا نقص عند الله وإن كان عنده كريما " وصححه الألباني ، وقد سبب هذا الأثر بعض الحيرة لدي ؛ لأن ظاهره يقول : إن الإنسان في كل مرة يصيب شيئا من الدنيا فإن منزلته عند الله تقل ، ولكني أعلم أن كثيرا من الصحابة كانوا من الأغنياء ، ومع ذلك فبعضهم بلغ أعلى الدرجات كأبي بكر ، وعثمان ، وعبد الرحمن بن عوف ، ولم يؤثر ذلك على نصيبهم في الآخرة ، ومن الأمثلة أيضا الإمام مالك ، والليث بن سعد ، وغيرهم الكثير ، وأيضا فإن الله سبحانه وتعالى أحل لنا الطيبات ، ونهانا أن نحرمها على أنفسنا ، وقد بلغني أثر آخر عن ابن عباس في تفسير آية من القرآن أنه قال : " كل واشرب ما أخطأتك خصلتان إسراف أو مخيلة" فهذا دليل أن هذه الطيبات لا تنقص من نصيب العبد في الجنة ، وأنا أعلم أنه لا يجب على المؤمن أن يكون همه التنعم في الدنيا ، والإصابة منها ، وأنه يجب أن يركز على الآخرة ، والإكثار من الحسنات ، لكن هذا الأثر أُشكل علي كثيرا حتى إني في كثير من المرات حين أكل طعاما لذيذا أذكره فاحزن ، وأخشى أن أنقص بسبب إصابتي من الطعام الطيب ، فهل هذا الأثر اجتهاد من الصحابي الجليل عبد الله بن عمر؟ وأرجو أن توضحوه لي .

الحمد لله

أولا:

لا حرج على المسلم في أن يتنعم بالمباحات والطيبات ، إذا أدى شكرها ، ولم يسرف فيها ، فإن الله تعالى أباح الطيبات للمسلمين في حياتهم الدنيا ، ومن بها عليهم في دار القرار يوم القيامة ، قال تعالى :   يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ   البقرة/ 172 ، وقال تعالى :   يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ   المائدة/ 87، 88 .

وقال تعالى :   قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ   الأعراف/32 .

وقال النبي صلى الله عليه وسلم :  لَا بَأْسَ بِالْغِنَى لِمَنْ اتَّقَى اللهَ ، وَالصِّحَّةُ لِمَنْ اتَّقَى اللهَ خَيْرٌ مِنَ الْغِنَى ، وَطِيبُ النَّفْسِ مِنَ النِّعَمِ  رواه أحمد (23158) ، وصححه الألباني في " الصحيحة " (174) .

وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو بن العاص رضي الله عنه :   يَا عَمْرُو نِعْمَ الْمَالُ الصَّالِحُ لِلْمَرْءِ الصَّالِحِ   رواه أحمد (17096).

وقال :   لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا  رواه البخاري (73) ومسلم (816).

وقال صلى الله عليه وسلم:  إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ التَّقِيَّ، الْغَنِيَّ، الْخَفِيَّ رواه مسلم (2965).

فالغني إذا أدى حق الله تعالى، وحق الناس، ولم يسرف ولم يبذر، وأنفق في سبيل الله، كان غناه نعمة وخيرا له.

ثانيا:

روى ابن أبي شيبة في مصنفه عن ابن عمر رضي الله عنه قال: " لا يصيب أحد من الدنيا إلا نقص من درجاته عند الله تعالى، وإن كان عليه كريما" صححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب.

وهذا يحمل على من يصيب من الدنيا بغير حق، أو من لا يؤدي شكر ما أخذ منها.

وأما الغني الشاكر، فلا ينقص أجره إذا تمتع بما أنعم الله عليه.

ويدل على ذلك ظواهر النصوص التي علقت الفضل على التقوى، ومدحت الغنى ولم تذمه،  وما كان عليه حال كثير من الأنبياء والصحابة والصالحين، من الغنى والتمتع بالطيبات .

وقد بحث العلماء في مسألة أيهما أفضل: الغني الشاكر أم الفقير الصابر، فلو كان مجرد الإصابة من الدنيا تنقص أجر الآخرة، كان الفقير أفضل من غير شك. والأمر ليس كذلك بل عند التحقيق هما متساويان، وأفضلهما أتقاهما.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: " وقد تنازع الناس أيما أفضل: الفقير الصابر أو الغني الشاكر؟

والصحيح: أن أفضلهما أتقاهما؛ فإن استويا في التقوى ، استويا في الدرجة ، كما قد بيناه في غير هذا الموضع .

فإن الفقراء يسبقون الأغنياء إلى الجنة لأنه لا حساب عليهم.

ثم الأغنياء يحاسبون ؛ فمن كانت حسناته أرجح من حسنات فقير، كانت درجته في الجنة أعلى، وإن تأخر عنه في الدخول. ومن كانت حسناته دون حسناته ، كانت درجته دونه" (11/ 21).

وقال رحمه الله: "قد تنازع كثير من متأخري المسلمين في " الغني الشاكر والفقير الصابر " أيهما أفضل؟

فرجح هذا طائفة من العلماء والعباد ، ورجح هذا طائفة من العلماء والعباد ، وقد حكي في ذلك عن الإمام أحمد روايتان.

وأما الصحابة والتابعون فلم ينقل عنهم تفضيل أحد الصنفين على الآخر.

وقال طائفة ثالثة: ليس لأحدهما على الآخر فضيلة إلا بالتقوى ، فأيهما كان أعظم إيمانا وتقوى، كان أفضل. وإن استويا في ذلك ، استويا في الفضيلة .

وهذا أصح الأقوال؛ لأن الكتاب والسنة إنما تفضل بالإيمان والتقوى. وقد قال الله تعالى: إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما .

وقد كان في الأنبياء والسابقين الأولين من الأغنياء من هو أفضل من أكثر الفقراء، وكان فيهم من الفقراء من هو أفضل من أكثر الأغنياء، والكاملون يقومون بالمقامين، فيقومون بالشكر والصبر على التمام. كحال نبينا صلى الله عليه وسلم وحال أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، ولكن قد يكون الفقر لبعض الناس أنفع من الغنى، والغنى أنفع لآخرين، كما تكون الصحة لبعضهم أنفع، كما في الحديث الذي رواه البغوي وغيره إن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى. ولو أفقرته لأفسده ذلك. وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر. ولو أغنيته لأفسده ذلك. وإن من عبادي من لا يصلحه إلا السقم. ولو أصححته لأفسده ذلك إني أدبر عبادي إني بهم خبير بصير .

وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن فقراء المسلمين يدخلون الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم ، وفي الحديث الآخر لما علم الفقراء الذكر عقب الصلوات سمع بذلك الأغنياء فقالوا مثل ما قالوا. فذكر ذلك الفقراء للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء .

فالفقراء متقدمون في دخول الجنة لخفة الحساب عليهم، والأغنياء مؤخرون لأجل الحساب، ثم إذا حوسب أحدهم، فإن كانت حسناته أعظم من حسنات الفقير، كانت درجته في الجنة فوقه ، وإن تأخر في الدخول، كما أن السبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ، ومنهم عكاشة بن محصن، وقد يدخل الجنة بحساب من يكون أفضل من أحدهم " انتهى من "مجموع الفتاوى" (11/ 119- 121).

وقال رحمه الله:

" والصواب في هذا كله : ما قاله الله تبارك وتعالى حيث قال: يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم .

وفي الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل: أي الناس أفضل؟ قال أتقاهم. قيل له: ليس عن هذا نسألك فقال: يوسف نبي الله ابن يعقوب نبي الله ابن إسحاق نبي الله ابن إبراهيم خليل الله. فقيل له: ليس عن هذا نسألك. فقال: عن معادن العرب تسألوني؟ الناس معادن كمعادن الذهب والفضة خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا .

فدل الكتاب والسنة : أن أكرم الناس عند الله أتقاهم. وفي السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأسود على أبيض ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى. كلكم لآدم وآدم من تراب .

وعنه أيضا صلى الله عليه وسلم أنه قال إن الله تعالى أذهب عنكم عُبِّيَّة الجاهلية ، وفخرها بالآباء ؛ الناس رجلان: مؤمن تقي ، وفاجر شقي .

فمن كان من هذه الأصناف أتقى لله ، فهو أكرم عند الله. وإذا استويا في التقوى ، استويا في الدرجة" انتهى من "مجموع الفتاوى" (11/ 195).

وينظر: "عدة الصابرين"، لابن القيم ، ص152 .

وقال ابن القيم رحمه الله: " وأكمل الناس لذة من جمع له بين لذة القلب والروح ، ولذة البدن، فهو يتناول لذاته المباحة ، على وجه لا ينقص حظه من الدار والآخرة، ولا يقطع عليه لذة المعرفة والمحبة والأنس بربه، فهذا ممن قال تعالى فيه: (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة).

وأبخسهم حظا من اللذة : من تناولها على وجه يحول بينه وبين لذات الآخرة، فيكون ممن يقال لهم يوم استيفاء اللذات: (أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها).

فهؤلاء تمتعوا بالطيبات، وأولئك تمتعوا بالطيبات، وافترقوا في وجه التمتع ؛ فأولئك تمتعوا بها على الوجه الذي أُذِن لهم فيه، فجمع لهم بين لذة الدنيا والآخرة، وهؤلاء تمتعوا بها على الوجه الذي دعاهم إليه الهوى والشهوة، وسواء أذن لهم فيه أم لا، فانقطعت عنهم لذة الدنيا وفاتتهم لذة الآخرة، فلا لذة الدنيا دامت لهم ، ولا لذة الآخرة حصلت لهم.

فمن أحب اللذة ودوامها والعيش الطيب، فليجعل لذة الدنيا موصلا له إلى لذة الآخرة، بأن يستعين بها على فراغ قلبه لله وإرادته وعبادته، فيتناولها بحكم الاستعانة والقوة على طلبه، لا بحكم مجرد الشهوة والهوى" انتهى من "الفوائد"، ص150

وهذا كله يدل على أن الغنى والإصابة من الدنيا لا ينقص الأجر الأخروي، لمن أخذ المال من حله، وأدى شكره.

لكن ربما اختار بعضهم الفقر، وقلة الغنى لأنه أقرب للسلامة، وليس لأن إصابة متاع الدنيا تنقص الأجر في الآخرة.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "" والتحقيق عند أهل الحذق : أن لا يُجاب في ذلك بجواب كلي؛ بل يختلف الحال باختلاف الأشخاص والأحوال.

نعم ؛ عند الاستواء من كل جهة ، وفرض رفع العوارض بأسرها : فالفقير أسلم عاقبة في الدار الآخرة، ولا ينبغي أن يُعدل بالسلامة شيء، والله أعلم" انتهى من "الفتح" (9/ 583).

وأما قوله تعالى:  وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ  الأحقاف/ 20 .

فإن هذا في حق الكفار، كما سبق بيانه في جواب السؤال رقم : (96983).

ومن استشهد بهذه الآية من السلف ، إنما كان لخوفه من أن يأخذ الطيبات بغير حقها، أو ألا يؤدي شكرها ، أو من المبالغة في هضم النفس ، وتعظيم مقام الله ، والخوف من لقائه .

والله أعلم.

المصدر: موقع الإسلام سؤال وجواب

إرسال الملاحظات