الأحد 2 صفر 1442 - 20 سبتمبر 2020
العربية

ضابط الكثرة والقلة في المياه

289632

تاريخ النشر : 16-11-2019

المشاهدات : 9921

السؤال

ما مقدار الماء الكثير والقليل؟

ملخص الجواب

أن الماء إذا ظهر فيه أثر النجاسة فهو نجس سواء كان كثيرا أم قليلا. وأما إذا لم يظهر فيه أثر النجاسة، فالحنفية والشافعية، والمشهور عند الحنابلة: أنهم يفرقون بين الكثير فيرونه طاهرا، والقليل فيرونه نجسا. وحد الكثير، سبق ذكر الخلاف فيه. وذهب جمع من أهل العلم : إلى أن الكثير والقليل في ذلك الحكم سواء؛ فإن لم تظهر في القليل أثر النجاسة، فهو كالكثير؛ لأن الحكم يدور مع علته وجودا وعدما، والشريعة لا تفرق بين المتماثلات. وهذا القول هو الراجح؛ والموافق ليسر الشريعة وسهولة الالتزام بأحكامها.

نص الجواب

الحمد لله.

الماء إذا وقعت فيه نجاسة فله حالتان:

الحالة الأولى:

أن تتغير بعض أوصافه – اللون أو الريح أو الطعم – بهذه النجاسة.

ففي هذه الحالة يكون الماء نجسا ، سواء كان كثيرا أم قليلا؛ وهذا باتفاق أهل العلم ، قال ابن المنذر رحمه الله تعالى:

"  أجمع أهل العلم على أن الماء القليل أو الكثير إذا وقعت فيه نجاسة، فغيّرت النجاسة الماء؛ طعما، أو لونا، أو ريحا، أنه نجس ما دام كذلك، ولا يجزي الوضوء والاغتسال به " انتهى من "الأوسط" (1 / 260).

الحالة الثانية:

أن لا تغير النجاسة شيئا من صفات الماء ، فلا يظهر لها أي أثرٍ فيه .

وقد اختلف العلماء في حكم هذا الماء على مذهبين :

المذهب الأول:

من أهل العلم من فرق بين الماء الكثير والقليل؛ فقال: ينجس القليل، ولا ينجس الكثير.

وهذا مذهب الحنفية والشافعية والمشهور في المذهب الحنبلي.

ثم اختلفوا في ضابط التفريق بين القليل والكثير.

القول الأول:

أن حد الكثرة هو أن النجاسة إذا وقعت في جهة من الماء لا يمكنها الوصول إلى الجهة الأخرى، وهو مذهب الحنفية.

ثم اختلفوا في داخل المذهب في تعيين كيفية معرفة الكثير الذي لا تخلص فيه النجاسة من طرف إلى آخر.

فقيل : العبرة في هذا : بغلبة ظن صاحب القضية، فللعامي أن يجتهد فيها، ولا يجب أن يقلد مجتهدا في هذه المسألة.

وقيل بالتحريك؛ بحيث إذا حرَّك طرف الماء لا تصل الحركة إلى الطرف الآخر، واختلفوا في ضابط التحريك.

وقيل باعتبار مساحة الماء واختلفوا في تقديرها.

قال ابن الهمام الحنفي رحمه الله تعالى:

" قال أبو حنيفة في ظاهر الرواية: يعتبر فيه أكبر رأي المبتلى إن غلب على ظنه أنه بحيث تصل النجاسة إلى الجانب الآخر لا يجوز الوضوء وإلا جاز.

وعنه: اعتباره بالتحريك ... بالاغتسال أو بالوضوء أو باليد؛ روايات.

والأول أصح عند جماعة ... ، وهو الأليق بأصل أبي حنيفة: أعني عدم التحكم بتقدير، فيما لم يرد فيه تقدير شرعي، والتفويض فيه إلى رأي المبتلى، بناء على عدم صحة ثبوت تقديره شرعا ...

قال شمس الأئمة: المذهب الظاهر: التحري، والتفويض إلى رأي المبتلى من غير حكم بالتقدير، فإن غلب على الظن وصولها: تنجس، وإن غلب عدم وصولها: لم ينجس، وهذا هو الأصح اهـ.

... قال أبو عصمة: كان محمد بن الحسن يوقت في ذلك عشرة في عشرة، ثم رجع إلى قول أبي حنيفة، وقال: لا أوقت فيه شيئا..." انتهى من "فتح القدير" (1 / 53).

وعلّق ابن عابدين على هذا الخلاف؛ بقوله:

" ولا يخفى عليك أن اعتبار الخلوص، بغلبة الظن بلا تقدير بشيء؛ مخالف في الظاهر لاعتباره بالتحريك؛ لأن غلبة الظن أمر باطني يختلف باختلاف الظانين، وتحرك الطرف الآخر أمر حسي مشاهد لا يختلف، مع أن كلا منهما منقول عن أئمتنا الثلاثة في ظاهر الرواية، ولم أر من تكلم على ذلك.

ويظهر لي التوفيق: بأن المراد غلبة الظن بأنه لو حرك لوصل إلى الجانب الآخر، إذا لم يوجد التحريك بالفعل؛ فليتأمل " انتهى من "حاشية ابن عابدين" (1 / 341).

القول الثاني:

ضابط التفريق بين الكثرة والقلة هو مقدار قلتين؛ فإذا بلغ الماء قلتين فهو كثير؛ وما دون القلتين يعتبر قليلا، وهذا مذهب الشافعية والمشهور في المذهب الحنبلي.

قال ابن قدامة رحمه الله تعالى:

" ما دون القلتين إذا لاقته النجاسة فلم يتغيّر بها، فالمشهور في المذهب أنه ينجس، وروي عن ابن عمر، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وبه قال الشافعي، وإسحاق، وأبو عبيد " انتهى من"المغني" (1 / 39).

وحجّتهم حديث ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُسْأَلُ عَنِ المَاءِ يَكُونُ فِي الفَلَاةِ مِنَ الأَرْضِ، وَمَا يَنُوبُهُ مِنَ السِّبَاعِ وَالدَّوَابِّ؟

قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:  إِذَا كَانَ المَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الخَبَثَ  رواه الترمذي (67) ، وأبو داود (63) ، والنسائي (52) ، وابن ماجه (517).

وقد صححه كثير من أهل العلم.

قال الخطابي رحمه الله تعالى:

" وكفى شاهدا على صحته؛ أن نجوم الأرض من أهل الحديث قد صححوه، وقالوا به، وهم القدوة وعليهم المعول في هذا الباب " انتهى من "معالم السنن" (1 / 36).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:

" وأما حديث القلتين فأكثر أهل العلم بالحديث على أنه حديث حسن يحتج به " انتهى من "مجموع الفتاوى" (21 / 41).

وأمّا تحديد مقدار القلتين:

فقد قال الشافعي رحمه الله تعالى:

" أخبرنا مسلم، عن ابن جريج بإسناد لا يحضرني ذكره: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا كان الماء قلتين لم يحمل نجسا )، وقال في الحديث: بقلال هجر، قال ابن جريج: ورأيت قلال هجر فالقلة تسع قربتين أو قربتين وشيئا.

قال الشافعي: فالاحتياط أن تكون القلة قربتين ونصفا، فإذا كان الماء خمس قرب لم يحمل نجسا في جريان أو غيره، وقرب الحجاز كبار، فلا يكون الماء الذي لا يحمل النجاسة إلا بقرب كبار " انتهى من"الأمّ" (2 / 11).

قال الماوردي رحمه الله تعالى:

" ثم إن أصحابنا من بعد الشافعي لما نأوا عن الحجاز وبعدوا في البلاد، وغابت عنهم قرب الحجاز، وجهل العوام تقادير القرب... اضطروا إلى تقدير القرب بالأرطال، ليصير ذلك مقدرا معلوما عند كافتهم... فاتفق رأيهم بعد أن اختبروا قرب الحجاز على أن قدروا كل قربة منها بمائة رطل بالعراقي...

فصارت القلتان المقدرة عند الشافعي بخمس قرب خمسمائة رطل بالعراقي عند جميع أصحابنا " انتهى من "الحاوي" (1 / 335).

وتقدير ذلك بالمقاييس: هو مكعب من الماء طول ضلعه ذراع وربع .

قال النووي رحمه الله في "المجموع" (1/175) :

"قال القاضي حسين: قدر القلتين في أرض مستوية : ذراع وربع في ذراع وربع ، طولا وعرضا ، في عمق ذراع وربع ، قال النووي : وهذا حسن تمس الحاجة إلى معرفته " انتهى.

وقال الشيخ محمد سليمان الأشقر:

" الماء القليل هو ما كان أقل من قلتين. والقلّة الجرّة. والذي كان معروفا عندهم قلال هجر ( وهي في بلد الأحساء في المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية).

قال الأزهري: " إنما سمّيت: (قلّة) لأن الرجل القريّ يُقلّها"، أي: يقدر على حملها. ويقدّر سعتها بما وزنه من الماء (500) رطل عراقي...

وتقديره بالحجم: سعة إناء مكعّب طول ضلعه ذراع وربع، أو أسطوانة كالبرميل، قطره ذراع، وعمقه ذراعان ونصف.

-ثم قال في الهامش-: أي 67 سنتمترا، لأن الذراع 54 سم تقريبا، فيكون حجم القلة الواحدة ذراعا مكعّبة تقريبا، ويكون حجم القلّتين 300 لتر تقريبا ... " انتهى. "المجلّى في الفقه الحنبلي" (1 / 31).

وبنحو هذا قدّرهما الدكتور محمد أحمد الخاروف في تحقيقه لكتاب ابن الرفعة "الإيضاح والتبيان في معرفة المكيال والميزان" (ص 80)؛ حيث قال:

" وخلاصة القول فإن القلتين تقدران بحوالي (307) لترات " انتهى.

المذهب الثاني:

أنه لا فرق بين الماء القليل والكثير في ذلك ، وأن الماء لا ينجس إلا إذا تغير بالنجاسة التي وقعت فيه.

وهذا أحد الأقوال في المذهب المالكي، ورواية عن الإمام أحمد، وروي عن جماعة من السلف، ورجحه عدد من المحققين من أهل العلم.

قال ابن قدامة رحمه الله تعالى:

" وروي عن أحمد رواية أخرى، أن الماء لا ينجس إلا بالتغير، قليله وكثيره، وروي مثل ذلك عن حذيفة، وأبي هريرة، وابن عباس، قالوا: الماء لا ينجس. وروي ذلك عن سعيد بن المسيب، والحسن، وعكرمة، وعطاء، وجابر بن زيد، وابن أبي ليلى، ومالك والأوزاعي، والثوري، ويحيى القطان، وعبد الرحمن ابن مهدي، وابن المنذر، وهو قول للشافعي " انتهى من "المغني" (1 / 39).

واستدلوا بحديث أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، قَالَ: ( قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَنَتَوَضَّأُ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ، وَهِيَ بِئْرٌ يُلْقَى فِيهَا الحِيَضُ، وَلُحُومُ الكِلَابِ، وَالنَّتْنُ؟

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ المَاءَ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ   رواه أبو داود (66) ، ورواه الترمذي (66 ) واللفظ له، وقال: " هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ".

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:

" ( الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ )، وهذا اللفظ عام في القليل والكثير، وهو عام في جميع النجاسات.

وأما إذا تغير بالنجاسة، فإنما حرم استعماله؛ لأن جرم النجاسة باق ، ففي استعماله استعمالها.

بخلاف ما إذا استحالت ، فإن الماء طهور، وليس هناك نجاسة قائمة " انتهى من "مجموع الفتاوى" (21 / 33).

وأجابوا عن حديث القلتين بأن الاستدلال به على نجاسة الماء القليل، إذا وقعت فيه نجاسة ولم تغيره؛ إنما هو بالمفهوم ، والاستدلال على طهارته بحديث أبي سعيد المتقدم إنما هو بالمنطوق ، وعند تعارض المفهوم والمنطوق ، يقدم المنطوق ، لأنه أقوى .

قال الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله عن حديث القلتين : إن " له منطوقاً ومفهوماً.

فمنطوقه: إذا بلغ الماء قُلتين لم ينجس، وليس هذا على عمومه؛ لأنه يُستثنى منه إِذا تغير بالنَّجاسة فإِنه يكون نجساً بالإِجماع.

ومفهومه أن ما دون القُلّتين ينجس، فيقال: ينجس إِذا تغيَّر بالنَّجاسة؛ لأن منطوق حديث: ( إن الماء طهور لا يُنَجِّسُه شيء ) مقدَّم على هذا المفهوم، إِذ إِنَّ المفهوم يصدق بصورة واحدة، وهي هنا صادقة فيما إِذا تغيَّر " انتهى من "الشرح الممتع" (1 / 42).

والخلاصة:

أن الماء إذا ظهر فيه أثر النجاسة فهو نجس سواء كان كثيرا أم قليلا.

وأما إذا لم يظهر فيه أثر النجاسة، فالحنفية والشافعية، والمشهور عند الحنابلة: أنهم يفرقون بين الكثير فيرونه طاهرا، والقليل فيرونه نجسا.

وحد الكثير، سبق ذكر الخلاف فيه.

وذهب جمع من أهل العلم : إلى أن الكثير والقليل في ذلك الحكم سواء؛ فإن لم تظهر في القليل أثر النجاسة، فهو كالكثير؛ لأن الحكم يدور مع علته وجودا وعدما، والشريعة لا تفرق بين المتماثلات.

وهذا القول هو الراجح؛ والموافق ليسر الشريعة وسهولة الالتزام بأحكامها.

ويراجع لمزيد الفائدة جواب السؤال رقم :(224923).

والله أعلم.

المصدر: موقع الإسلام سؤال وجواب