الثلاثاء 20 رجب 1440 - 26 مارس 2019
العربية

معنى حديث (الكبرياء ردائي والعظمة إزاري) وهل لله رداء وإزار ؟

297291

تاريخ النشر : 30-12-2018

المشاهدات : 2889

السؤال

الرداء والإزار من صفات الله ، كما أخبرنا الله فى حديث (الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي) ، وأثبت ذلك ابن عثيمين رحمه الله ، فهل ذلك يتنافى مع توحيد الله تعالى ؛ لأن البعض قد يعتقد أن الله تعالى لم يكن له رداء وإزار ، ثم بقى له رداء وإزار لبسهما ـ والعياذ بالله تعالى ـ ، وأنهما ليس كصفة الوجه واليد ، بل هما منفصلان عنه سبحانه ، فآمل الإجابة على هذا السؤال ؟

نص الجواب

الحمد لله

روى مسلم (2620) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:  الْعِزُّ إِزَارُهُ، وَالْكِبْرِيَاءُ رِدَاؤُهُ، فَمَنْ يُنَازِعُنِي عَذَّبْتُهُ 

ورواه أبو داود (4090) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ:   الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي ، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا، قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ   .

فمن صفات الله تعالى: العز والعظمة والكبرياء.

وأما الإزار والرداء : فليسا صفتين، وإنما المراد بذلك : أن الله جل جلاله متصف بالعظمة والكبرياء ، لا ينازعه أحد منهما، كما أن الإزار والرداء يختصان بلابسهما، لا ينازعه فيهما أحد.

وأيضا فالكبرياء حجاب يمنع من رؤية الله تعالى، كما أن الرداء يمنع من رؤية ما سُتر به.

كما روى مسلم (180) عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:  جَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ آنِيَتُهُمَا، وَمَا فِيهِمَا، وَجَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا، وَمَا فِيهِمَا، وَمَا بَيْنَ الْقَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ ، إِلَّا رِدَاءُ الْكِبْرِيَاءِ عَلَى وَجْهِهِ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ 

فهذا وجه ذكر الرداء والإزار، لا أن الله تعالى له إزار أو رداء مما يلبس.

ومن كلام أهل العلم في ذلك:

1-قال الخطابي رحمه الله: "معنى هذا الكلام أن الكبرياء والعظمة صفتان لله سبحانه ، اختص بهما ، لا يشركه أحد فيهما ، ولا ينبغي لمخلوق أن يتعاطاهما، لأن صفة المخلوق التواضع والتذلل .

وضرب الرداء والإزار مثلاً في ذلك ؛ يقول - والله أعلم - : كما لا يشرك الإنسانَ في ردائه وإزاره أحدٌ ؛ فكذلك لا يشركني في الكبرياء والعظمة مخلوق . والله أعلم" انتهى من "معالم السنن" (4/ 196).

2-وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "قال الرازي: الوجه التاسع: قال صلى الله عليه وسلم: (الكبرياء ردائي والعظمة إزاري). والعاقل لا يثبت لله تعالى إزارًا ورداء.

فيقال: هذا الحديث في الصحيح رواه مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يقول الله عز وجل: العظمة إزاري والكبرياء ردائي فمن نازعني واحدًا منهما عذبته) وقد ورد أيضًا: (سبحان من تقمص بالعز ، ولاق به) .

وليس ظاهر هذا الحديث أن لله إزارًا ورداء ، من جنس الأزر والأردية التي يلبسها الناس ، مما يصنع من جلود الأنعام ، والثياب كالقطن والكتان ؛ بل الحديث نص في نفي هذا المعنى الفاسد، فإنه لو قال عن بعض العباد : إن العظمة إزاره ، والكبرياء رداؤه : لكان إخباره بذلك عن العظمة والكبرياء ، اللذين ليسا من جنس ما على ظهور الأنعام ، ولا من جنس الثياب ما يبيّن ويظهر أنه ليس المعنى : أن العظمة والكبرياء هما إزار ورداء ، بهذا المعنى.

فإذا كان المعنى الفاسد لا يظهر من وصف المخلوق بذلك؛ لأن تركيب اللفظ يمنع ذلك، ويبين المعنى الحق ؛ فكيف يدعي أن هذا المعنى ظاهر اللفظ في حق الله تعالى، الذي يعلم كل مخاطب أن الرسول صلى الله عليه وسلم ، لم يخبر عنه بلبس الأكسية وثياب القطن والكتان ، التي يُحتاج إليها لدفع الحر والبرد ، وستر العورة.

وهذا أقبح ممن يزعم أن قوله: (إن خالدًا سيف من سيوف الله ، سلَّه الله على المشركين) : أن ظاهره أن خالدًا من حديد .

وأقبح ممن يزعم أن قوله عن الفرس: (إن وجدناه لبحرًا) : ظاهره أن الفرس ماء كثير، ونظائر هذا كثيرة.

وإذا كان هذا المعنى الفاسد ليس ظاهر الحديث، بل نص الحديث - الذي هو أبلغ من مجرد الظاهر - : ينافيه ؛ كان ما ذكره باطلاً ".

إلى أن قال: " والكبرياء والعظمة : لا تصلح إلا لله رب العالمين ، الرب الخالق الباري الغني الصمد القيوم، دون العبد المخلوق الفقير المحتاج.

والكبرياء فوق العظمة، كما جعل ذلك رداء وهذا إزارًا...

وهما [أي العظمة والكبرياء] ، مع أنهما لا يصلحان إلا لله : فيمتنع وجود ذاته بدونهما ، بحيث لو قدر عدم ذلك ، للزم تقدير المحذور الممتنع من النقص والعيب في ذات الله، فكان وجودهما من لوازم ذاته ، وكمالها التي لا ينبغي أن تعرى الذات وتتجرد عنها، كما أن العبد لو تجرد عن اللباس ، لحصل له من النقص والعيب بحسب حاله ، ما يوجب أن يحصل له لباسًا.

 وأيضًا : فاللباس يحجب الغير عن المشاهدة لبواطن اللابس ، وملامستها ؛ وكبرياء الله وعظمته تمنع العباد من إدراك البصر له ، ونحو ذلك، كما في الحديث الصحيح الذي في صحيح مسلم عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (جنات الفردوس أربع ، ثنتان من ذهب ، آنيتهما وحليتهما وما فيهما ، وثنتان من فضة آنيتهما وحليتهما وما فيهما ، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلاَّ رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن).

فهذا الرداء الحاجب ، الذي قد يكشفه لهم ، فينظرون إليه : سماه رداء الكبرياء ؛ فكيف ما يمنع من إدراكه وإحاطته ؛ أليس هو أحق بأن يكون من صفة الكبرياء" انتهى من "بيان تلبيس الجهمية "(6/ 270- 277).

3-وجاء في "فتاوى اللجنة الدائمة" : "س: حديث أبي هريرة مرفوعا عند مسلم: الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدا منهما ألقيته في النار .

فكيف ينبغي أن نفهم هذا الحديث ؟ وهل يجوز إضافة (الإزار) و(الرداء) إلى الله مطلقا ؟ وهل يلزم الصيرورة إلى التأويل فيه؟

الجواب: قال الخطابي - رحمه الله تعالى- في شرحه لـ (سنن أبي داود) : معنى الحديث: أن الكبرياء والعظمة صفتان لله سبحانه، اختص بهما لا يشركه أحد فيهما، ولا ينبغي لمخلوق أن يتعاطاهما؛ لأن صفة المخلوق التواضع والتذلل، وضرب الرداء والإزار مثلا في ذلك. يقول- والله أعلم- كما لا يشرك الإنسان في ردائه وإزاره أحد، فكذلك لا يشركني في الكبرياء والعظمة مخلوق. والله أعلم. انتهى كلامه.

وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء

بكر أبو زيد ... صالح الفوزان ... عبد الله بن غديان ... عبد العزيز آل الشيخ ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز" انتهى من " فتاوى اللجنة، المجموعة الثانية " (2/ 399).

وسئل الشيخ عبد المحسن العباد، حفظه الله :

" جاء في الحديث القدسي: "العظمة إزاري والكبرياء ردائي"، هل يستدل بهذا على إثبات صفة الإزار والرداء؟

فأجاب :

" لا، هذا لا يثبت منه صفه الإزار ولا الرداء، وإنما هذا فيه بيان اختصاص الله عز وجل واتصافه بهما، يعني: مثلما أن الإنسان يستعمل الإزار والرداء، فالله عز وجل موصوف بالكبرياء والعظمة وهما إزاره ورداؤه، لكن لا يقال: إن من صفات الله الإزار أو الرداء، وإنما يقال: العظمة والكبرياء إزاره ورداؤه .

وهذا من جنس قول الرسول صلى الله عليه وسلم في الأنصار: "الأنصار شعار، والناس دثار"، معناه: قربهم منه، والتصاقهم به كالتصاق الشعار بالإنسان، والناس الذين وراءهم مثل الثوب.  فالمقصود من ذلك التشبيه، وليس المقصود من ذلك أن الله عز وجل له إزار ورداء، وأن من صفاته الإزار والرداء، وإنما اختص الله عز وجل بالعظمة والكبرياء، وأنه اتصف بهما، وأنه لا يشاركه فيهما أحد .

فهذا هو الذي يوصف الله تعالى به، ولكن لا يجوز أن يقال: إن الله عز وجل من صفاته الإزار، ومن صفاته الرداء .

ويوضح ذلك حديث: "الأنصار شعار، والناس دثار"، ومعلوم أن الأنصار ليسوا شعاراً، وإنما هذا تشبيه لقربهم منه، والتصاقهم به، كما يحصل من الشعار الملاصق بالجسد، فالأنصار مثل الشعار، وغيرهم كالدثار، وهو الذي وراء الشعار" انتهى من:

رابط المادة: http://iswy.co/e44b7

والحاصل :

أن الكبرياء والعظمة من صفات الله تعالى، وهما من لوازم ذاته، فلا يجوز أن يقال إنه اتصف بهما بعد أن لم يكن متصفا بها.

وذكر الإزار والرداء : إنما هو لبيان اختصاصه بهاتين الصفتين، وبيان أن رداء الكبرياء مانع من الرؤية كما تقدم.

والله أعلم.

المصدر: موقع الإسلام سؤال وجواب

إرسال الملاحظات