الأحد 2 صفر 1442 - 20 سبتمبر 2020
العربية

هل تتفاوت عقول أهل الجنة ؟

297918

تاريخ النشر : 13-07-2019

المشاهدات : 3717

السؤال

كيف يكون عقل من يدخل الجنة؟ أهو نفس تفكيره وعقله لكن يعافى من الشواذ والاضطرابات النفسية والتفكير السيء الموجودة عند كل فرد من الناس نتيجة قسوة العيش في الدنيا، أم يتبدل إلى تفكير وعقل آخر؟ مع العلم أن تغير التفكير قد يعني تغير الشخص إلى شخص آخر.

نص الجواب

الحمد لله.

أولًا :

فإن أهل الجنة - جعلنا الله منهم - استحقوا النعيم بفضل الله ورحمته، وتفاوتوا في درجات الجنة بأعمالهم الصالحة، وصبرهم على شدائد الحياة الدنيا، واستحقوا النعيم بتجاوزهم للابتلاء في الدنيا .

قال تعالى:  أفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (19) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (20) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (21) وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (22) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (24)   الرعد/19-24 .

وفي مطلع سورة المؤمنين حكم أن الفلاح إنما هو للمؤمنين، ثم بين الأعمال التي تؤهلهم للفلاح، وأعلمنا أن فلاحهم إنما يكون بإدخالهم الفردوس خالدين فيها أبداً.  قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (4) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (8) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (9) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (10) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (11)  المؤمنون/1 - 11 .

وفي الحديث: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " حجبت النار بالشهوات، وحجبت الجنة بالمكاره ".

قال النووي: "هذا من بديع الكلام وفصيحه وجوامعه التي أوتيها - صلى الله عليه وسلم - من التمثيل الحسن، ومعناه لا يوصل الجنة إلا بارتكاب المكاره، والنار بالشهوات، وكذلك هما محجوبتان بهما، فمن هتك الحجاب وصل إلى المحجوب، فهتك حجاب الجنة باقتحام المكاره، وهتك حجاب النار بارتكاب الشهوات، فأما المكاره فيدخل فيها الاجتهاد في العبادة، والمواظبة عليها، والصبر على مشاقها، وكظم الغيظ، والعفو، والحلم، والصدقة، والإحسان إلى المسيء، والصبر عن الشهوات، ونحو ذلك " انتهى من " شرح مسلم" (17/ 165).

ثانيًا:

بالنظر إلى أحوال أهل الجنة، نجد أنهم في غاية ما يكون من كمال عقلهم، فإن الجنة دار النعيم المقيم ، وأهلها على غاية ما يكونون من كمالهم اللائق بحالهم . ولا أدل على ذلك من أن الله تعالى قد أذهب عنهم نقائص الدنيا ، ومعايبها ، فنزع الغل من قلوبهم، ويتنعمون فيها بالطعام والشراب، ثم لا يبولون ولا يتغوطون .

وفيما يخص نباهتهم ، وكمال عقولهم: فمن شأنهم أن يزور أهل الجنة بعضهم بعضاً، ويجتمعون في مجالس طيبة يتحدثون، ويذكرون ما كان منهم في الدنيا، وما من الله به عليهم من دخول الجنان، قال تعالى في وصف اجتماع أهل الجنة:  وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ  الحجر/47 .

وأخبرنا الله بلون من ألوان الأحاديث التي يتحدثون بها في مجتمعاتهم   وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (25) قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (26) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ (27) إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ   الطور/ 25-28.

ومن ذلك تذكرهم أهل الشر الذين كانوا يشككون أهل الإيمان، ويدعونهم إلى الكفران،  فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (50) قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (51) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (52) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ (53) قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (54) فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (55) قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (56) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (57) أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (58) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (59) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (60) لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (61)  الصافات/50-61 .

يقول القاضي عياض رحمه الله ، في "إكمال المعلم بفوائد مسلم" (8/ 368): " هذا مذهب أهل السنة وعامة المسلمين: أن نعيم أهل الجنة وملاذها ، بالمحسوسات وغيرها من الملاذ العقليات ، كأجناس نعيم أهل الدنيا، إلا ما بينهما من الفرق الذي لا يكاد يتناسب، وأن ذلك على الدوام لا آخر له ....".

ويقول الشوكاني: " والحاصل: أن الطوائف الإسلامية على اختلاف مذاهبهم، وتباين طرقهم: متفقون على أن عقول أهل الجنة تزداد صفاء وإدراكًا ، لذهاب ما كان يعتريهم من الكدورات الدنيوية.

وكيف يسلبون ما هو عندهم من أعظم النعم، وأوفر القِسَم! وهم في دار فيها ما تشتهيه الأنفس، وتلذ به الأعين، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر " ...

إلى أن قال: " ولا يتم هذا النعيم ، ولا بعضه : إلا وهم ذو عقول صحيحة بالضرورة العقلية، كما ثبت بالضرورة الدينية.

ومعلوم أنهم إذا كانوا ذوي عقول ، فمهما وجدت معهم ، فهي .. قادرة على كسب ما تجدد لها من العلوم، ذاكرة لما حصل لها منها من قبل هذا ، ما لا يحتاج إلى بيان، ولا يفتقر إلى برهان، ولو فقدوها لفقدوا الإنسانية الكاملة، وصاروا مشاهن للدواب!!

وأي نعمة لمن لا عقل له ، كما هو مشاهد من المصابين بالجنون في الدنيا؟! وأي فائدة للمبالغة في نعيم من كان ذاهب العقل، مما ثبت في الكتاب والسنة من أنهم على صفات فوق صفاتهم في الدنيا بمسافات! لا يقادر قدرها، ولا يحاط بكنهها.

وكذلك لا يتم نعيمهم إلا بوجود الحواس الظاهرة والباطنة، ولو فقدوا أحدها لما تنعموا كما ينبغي، وكذا لو فقدوا بعضها لم يكن له شعور بالتنعم الذي وصفه الله- سبحانه-، وبالغ فيه.

وأي فائدة لفاقد العقل! وأي شعور له بكونه على صفة كمالية في جماله، ولباسه الحرير والديباج وتحليه بالذهب والجواهر، وأكله من أطيب المأكل، وشربه من أنفس المشروب، وكذا لا نعمه تامة، فضلا عن أن يكون فاضلا لمن كان أعمى أو أصم، أو لا يفهم شيئا، أو لا يذكر ما مضى له، ولا يفكر في ما هو فيه.

وإذا تقرر لك هذا: علمت أن أهل الجنة لهم العقول الفائقة، والحواس الكاملة ، إلى حد يتقاصر عنه ما كان لهم من العقول ، والمشاعر في دار الدنيا، كما كان لهم الهيئة الفائقة ، هيئة الدنيا ، شبابا وجمالا، وقوة وفهما، وفكرا وذكرا، وحفظا وسلامة من كل نقص " انتهى من "الفتح الرباني" (2/ 676 - 680)، وانظر تمام كلامه هناك .

والنصيحة لك أيها السائل الكريم : أن تتعلم ما جاء من وصف الجنة ونعيمها في الكتاب السنة ، مما يشوقك إليها ، ويحثك على طلبها ، ولزوم الطريق الموصلة إليها؛ فذاك هو العلم النافع لك ، لا تكلف التنقير عما لا فائدة في طلبه ، وإيراد الإشكالات والأسئلة عليه .

والله أعلم 

المصدر: موقع الإسلام سؤال وجواب