الأحد 16 رجب 1442 - 28 فبراير 2021
العربية

حكم الكذب على الوالدة بشأن مرضه خوف حزنها وألمها

298276

تاريخ النشر : 29-12-2018

المشاهدات : 5325

السؤال

أنا مصاب بالسكر من فترة طويلة ، وأمي دائما تسألني عن مستوى السكر ، فأحيانا يكون عاليا ، وفي كل مرة أخبرها بأنه عالي ، مثلا : أقول لها إنه ٣٠٠ تضطرب ، وتحزن ، وتغضب أحيانا ، فأصبحت أكذب ، وأقول دائما إنه ممتاز ، وأكذب في الرقم فأقول ١١٠ ، أو ١٠٠ ، فهل هذا الكذب جائز أم إنني أأثم عليه ؟ ويجب علي قول الحقيقة ؟

الجواب

الحمد لله.

الكذب خصلة ذميمة محرمة ولا تباح إلا في حالات معينة، والواجب التحرز منه، وتحري الصدق ما أمكن.

قال الله تعالى:  يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ  التوبة/119 .

وقال النبي صلى الله عليه وسلم :   إِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ حَتَّى يَكُونَ صِدِّيقًا . وَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا   رواه البخاري (5629) ، ومسلم (4719).

وإذا كان إخبار والدتك بالحقيقة يؤلمها ، ويدخل الغم عليها، فينبغي أن تستعمل التورية ، وهي الكلام الذي يحتمل، "فتطلق لفظا ظاهرا (قريبا) في معنى، تريد به معنى آخر (بعيدا) يتناوله ذلك اللفظ، لكنه خلاف ظاهره" انتهى من " الموسوعة الفقهية" (12/ 247).

وذلك كأن تقول عن حالة السكر: الحمد لله ، الأمور بخير، أنا بعافية ، وهذه الأخيرة تحتمل الصحة والمرض.

وإذا سئلت عن نسبة السكر قلت: السكر بلغ أو وصل 100 أو بلغ 110، وأنت صادق في ذلك، فإذا كان قد وصل إلى 300 فإنه لا شك قد بلغ 100 و 110 .

أو تذكر لها نسبة السكر في التحاليل قبل الأكل، كما يفعل عادة ، وهي تكون أقل من النسبة الأخرى بعد الأكل .

أو نحو ذلك من المعاريض .

وهذه التورية إنما تستعمل للحاجة، تفاديا للكذب، ولا يصح أن تكون ديدن المؤمن.

قال البخاري في صحيحه: " الْمَعَارِيضُ مَنْدُوحَةٌ عَنْ الْكَذِبِ . وَقَالَ إِسْحَاقُ : سَمِعْتُ أَنَسًا مَاتَ ابْنٌ لِأَبِي طَلْحَةَ فَقَالَ : كَيْفَ الْغُلَامُ؟ قَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ: هَدَأَ نَفَسُهُ ،وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدْ اسْتَرَاحَ ، وَظَنَّ أَنَّهَا صَادِقَةٌ" انتهى.

فقولها: (هدأ نفسه)، فهم منه زوجها أنه عوفي أو استراح، والحقيقة أنه قد مات.

وقد أقر النبي صلى الله عليه وسلم صنيع أم سليم ولم ينكر عليها.

فقد روى البخاري (5470) ، ومسلم (2144) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: "كَانَ ابْنٌ لِأَبِي طَلْحَةَ يَشْتَكِي فَخَرَجَ أَبُو طَلْحَةَ فَقُبِضَ الصَّبِيُّ ، فَلَمَّا رَجَعَ أَبُو طَلْحَةَ قَالَ : مَا فَعَلَ ابْنِي؟ قَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ : هُوَ أَسْكَنُ مَا كَانَ ، فَقَرَّبَتْ إِلَيْهِ الْعَشَاءَ فَتَعَشَّى ، ثُمَّ أَصَابَ مِنْهَا ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَتْ: وَارُوا الصَّبِيَّ ، فَلَمَّا أَصْبَحَ أَبُو طَلْحَةَ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ:  أَعْرَسْتُمْ اللَّيْلَةَ؟  قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ :  اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمَا   فَوَلَدَتْ غُلَامًا ".

قال النووي في "شرح مسلم" (14/ 124): " وفى هذا الحديث مناقب لأم سليم رضى الله عنها من عظيم صبرها وحسن رضاها بقضاء الله تعالى وجزالة عقلها فى إخفائها موته على أبيه فى أول الليل ليبيت مستريحا بلا حزن، ثم عشته وتعشت ثم تصنّعت له وعرضت له بإصابته فأصابها. وفيه استعمال المعاريض عند الحاجة؛ لقولها: "هو أسكن مما كان" فإنه كلام صحيح، مع أن المفهوم منه أنه قد هان مرضه وسهل وهو فى الحياة. وشرط المعاريض المباحة أن لا يضيع بها حق أحد، والله أعلم" انتهى.

وقال ابن قدامة رحمه الله: " روي أن مَهَنّا كان عنده [أي عند الإمام أحمد] , هو والمروذي وجماعة , فجاء رجل يطلب المروذي , ولم يرد المروذي أن يكلمه , فوضع مهنا أصبعه في كفه , وقال: ليس المروذي هاهنا , وما يصنع المروذي هاهنا؟ يريد: ليس هو في كفه، ولم ينكر ذلك أبو عبد الله " انتهى من "المغني" (9/ 420).

وقد ذكرنا أمثلة لذلك من فعل الأئمة في جواب السؤال رقم : (27261)، وذكرنا فيه أن التورية لا تفعل إلا في حالات الحرج.

لكن إذا دار الأمر بين الصدق الذي يؤذي الأم ويغمها، وبين الكذب، فالمخرج هو استعمال التورية والمعاريض.

ونسأل الله تعالى أن يشفيك ويعافيك.

والله أعلم.

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

المصدر: موقع الإسلام سؤال وجواب