الجمعة 9 ربيع الآخر 1441 - 6 ديسمبر 2019
العربية

هل صلاة الضحى تغني عن فضل الصدقة؟

302657

تاريخ النشر : 10-07-2019

المشاهدات : 1813

السؤال

هل صلاة الضحى التي تعادل ٣٦٠ صدقة عن مفاصل العظام أستطيع أن أنوي بها الدخول في نص حديث ( اللهم أَعْط منفقا خلفا ) ؟

نص الجواب

الجواب : 

الحمد لله

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:  مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ العِبَادُ فِيهِ، إِلَّا مَلَكَانِ يَنْزِلاَنِ ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا   رواه البخاري (1442) ، ومسلم (1010).

وهذا الإنفاق المرغب فيه هو إنفاق المال، في الجهات المحمودة التي حث الشرع على إنفاق المال فيها ، إما وجوبا ، وإما استحبابا .

قال النووي رحمه الله تعالى:

" قال العلماء: هذا في الإنفاق في الطاعات، ومكارم الأخلاق ، وعلى العيال والضيفان ، والصدقات ونحو ذلك؛ بحيث لا يذم ، ولا يسمى سرفا .

والإمساك المذموم: هو الإمساك عن هذا " انتهى من "شرح صحيح مسلم" (7 / 95).

وأما حديث أَبِي ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ قَالَ:  يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلَامَى مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ، فَكُلُّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنِ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَيُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُمَا مِنَ الضُّحَى  رواه مسلم (720).

فهل صلاة الضحى ينال بها المسلم دعاء الملائكة  اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا  ؟

وليس المراد من هذا الحديث خصوص الصدقة بالمال، ولا أن ذكر الله ، أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، أو صلاة الضحى : يسد مسد الصدقة بالمال، أو يدرك صاحبه بذلك منزلة المنفق المتصدق بماله؛ فليس هذا مرادا بالحديث ، ولا هو ظاهره .

وإنما المراد به : أن في كل سُلامَى من سَلامِيَات بدن ابن آدم: نعمةً أنعمها الله عليه، وعليه أن يحدث لله شكرا على هذه النعمة ؛ ثم عدد له أبواب الشكر، وطرق الخير التي يؤدي بها العبد شكر نعمة ربه عليه. وأنه متى عجز عن شيء من ذلك، أمكن أن يسد عجزه ، ويجبر نقصه بركعتين يركعهما في وقت الضحى.

قال الإمام أبو العباس القرطبي رحمه الله:
"ومقصود هذا الحديث: أن العظام التي في الإنسان هي أصل وجوده، وبها حصول منافعه؛ إذ لا تتأتى الحركات والسكنات إلا بها، والأعصاب رباطات، واللحوم والجلود حافظات وممكنات، فهي إذًا أعظم نعم الله على الإنسان، وحق المنعم عليه أن يقابل كل نعمة منها بشكر يخصّها، وهو أن يعطي صدقةً كما أُعطي منفعة، لكن الله تعالى لطف وخفف بأن جعل التسبيحة الواحدة كالعطية، وكذلك التحميدة، وغيرها من أعمال البر وأقواله، وإن قلّ مقدارها، وأتم تمام الفضل، أن اكتفى من ذلك كلّه بركعتين في الضحى، على ما مرّ. وقد نبهنا على سرّ ذلك في باب: صلاة الضحى." انتهى من "المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم" (3/53).

والكلام الذي أحال عليه قبل ذلك هو قوله :

"وقوله: ويجزئ من ذلك ركعتان؛ أي: يكفي من هذه الصدقات عن هذه الأعضاء ركعتان، فإن الصلاة عمل لجميع أعضاء الجسد، فإذا صلى فقد قام كل عضو بوظيفته التي عليه في الأصل؛ الذي ذُكر فيه الحديث" انتهى من "المفهم" (2/361).

وقال القاضي عياض رحمه الله :

" قيل: هو إيجاب حض وترغيب على اكتساب الأجر بهذه الأعضاء وتصريفها في طاعة الله، فهي صدقة" انتهى من "إكمال المعلم" (3/530).

وقَالَ الْقَاضِي عِيَاض رحمه الله أيضا : " يَحْتَمِل تَسْمِيَة هَذِهِ الْأَشْيَاء صَدَقَة: أَنَّ لَهَا أَجْرًا ، كَمَا لِلصَّدَقَةِ أَجْر، وَأَنَّ هَذِهِ الطَّاعَات تُمَاثِلُ الصَّدَقَات فِي الْأُجُور .

وَسَمَّاهَا صَدَقَة عَلَى طَرِيق الْمُقَابَلَة وَتَجْنِيس الْكَلَام ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ صَدَقَةٌ عَلَى نَفْسِهِ" انتهى  نقله عنه في "عون المعبود" (14/157).

وقال أيضا:

" وقوله: "ويُجزئُ من ذلك ركعتان من الضحى": أي: يكفى من هذه الصدقات، عن هذه الأعضاء؛ إذ الصلاة عملٌ لجميع أعضاء الجسد.

ففيه بيانٌ عظيم فضل صلاة الضحى، وجسيم أجرها، وسيأتي الكلام على قوله: " وأن أوتر قبل أن أرقد " انتهى من "إكمال المعلم" (3/62).

وقال العيني رحمه الله :

"قوله : (يا نبي الله فمن لم يجد)؛ أي: فمن لم يقدر على الصدقة؛ فكأنهم فهموا من الصدقة: العطيةَ، فلذلك قالوا: فمن لم يجد ، فبين لهم : أن المراد بالصدقة ما هو أعم من ذلك ، ولو بإغاثة الملهوف ، والأمر بالمعروف"  انتهى  من "عمدة القاري" (8/312).

والحاصل:

أن الصدقة في الحديث المذكور : ليست هي الصدقة المالية ، التي حث الشرع عليها ، وفيها جاء حديث ( اللهم أعطِ منفقا خلفا ) ، الذي سأل عنه السائل .

بل المراد بها في الحديث : مطلق الطاعة ، وشكر النعم ؛ وسماها صدقة من باب المشاكلة ، أو التوسع في اللفظ .

ولا تغني هذه عن الصدقة بالمال ، لا نفلها ولا فرضها. بل ذكر الحافظ ابن حجر أنها "لا تلتحق" بها أيضا ، في جبر فرائض الصدقة المالية، فضلا عن أن تسد مسدها . قال رحمه الله:

"وهل تلتحق هذه الصدقة بصدقة التطوع التي تحسب يوم القيامة من الفرض الذي أخل به فيه نظر الذي يظهر أنها غيرها لما تبين من حديث عائشة المذكور أنها شرعت بسبب عتق المفاصل حيث قال في آخر هذا الحديث فإنه يمسي يومئذ وقد زحزح نفسه عن النار" انتهى  من "فتح الباري" (3/308).

وأما إن كان المراد أن من عجز عن الصدقة ، ولم يكن له فضل مال ينفق منه ، فينوي بهذه الطاعات الواردة في حديث السُّلامى : أن يكتب له من الصدقات ، ما يدرك به ما عجز عنه؛ فهذا في محل الرجاء إن شاء الله ، ويشبه أن يكون في تسمية كل واحدة من هذه الطاعات : صدقة، إشارة إلى نحو ذلك.

وقد جاء في الحديث: عن أَبي كَبْشَةَ الأَنَّمَارِيُّ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:   إِنَّمَا الدُّنْيَا لِأَرْبَعَةِ نَفَرٍ، عَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَعِلْمًا فَهُوَ يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَيَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا، فَهَذَا بِأَفْضَلِ المَنَازِلِ، وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ عِلْمًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالًا فَهُوَ صَادِقُ النِّيَّةِ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلَانٍ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ ...   رواه الترمذي (2325)، وقال: (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ).

والله أعلم.

المصدر: موقع الإسلام سؤال وجواب

إرسال الملاحظات