الثلاثاء 11 صفر 1442 - 29 سبتمبر 2020
العربية

هل يصح قول البعض: هذا شيء لم يخطر على بال إبليس

307934

تاريخ النشر : 01-07-2020

المشاهدات : 1455

السؤال

قرأت ذات مرة نكتة عن كيد ولؤم النساء، وآخر النكتة عبارة أزعجتني وهي: " حتى الشيطان وإبليس ما خطرت على بالهم"، فهل تصح هذه العبارة ؟ وهل فعلاً يوجد أفكار شريرة وذنوب لم تخطر على بال إبليس والشيطان ؟ وهل يجوز هذا الاعتقاد ؟

الحمد لله.

أولا:

سبق بيان حكم النكت في جواب السؤال رقم:(13732)، ورقم : (275500)، ورقم: (161701).

ثانيا:

الشيطان مصدر الشر والإثم والغواية، بما يزينه ويوسوسه لابن آدم، فهو الداعي للكفر والفسوق والعصيان والقطيعة والشر، بصفة عامة.

فما من طريق يؤدي إلى النار إلا كان على رأسه يدعو إليه، كما قال تعالى: وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا  النساء/60، وقال:  إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ  المائدة/91

وقال:  قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ الأعراف/16، 17 .

إلى غير ذلك من الآيات.

وقد أخبر الله أن من الإنسن شياطين، يوسوسون ويزينون الباطل ويدعون إليه، فقال:  وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا  الأنعام/112

وقال:  مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (4)الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ(5)مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ  .

ثالثا:

هذا أمر معلوم من حيث الجملة. لكن يبقى السؤال : هل هناك شر لم يخطر على بال إبليس، يأتي به الإنسان من نفسه؟ وهل يصح إطلاق مثل هذه العبارات: لم يعملها إبليس.. ، لم تخطر على بال إبليس ... ، ونحو ذلك ؟

يقال في جواب ذلك:

قد ذكر بعض أهل العلم أن من الشرور ما لا يكون منشؤه من إبليس وإغوائه، بل من النفس الأمارة بالسوء وأهوائها وشهواتها.

وقد ذكروا ذلك جوابا عمن استشكل وقوع المعاصي والشرور في رمضان، مع ثبوت الحديث عن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ. رواه البخاري (3277)، ومسلم (1079).

قال الإمام أبو الحسن السندي رحمه الله:

" ولا ينافيه وقوع المعاصي إذ يكفي في وجود المعاصي شرارة النفس وخباثتها ولا يلزم ان تكون كل معصية بواسطة شيطان والا لكان لكل شيطان شيطان ويتسلسل وأيضا معلوم أنه ما سبق إبليس شيطان آخر فمعصيته ما كانت الا من قبل نفسه والله تعالى أعلم". انتهى من "حاشية السندي على سنن النسائي" (4/126-127).

وقال الإمام أبو العباس القرطبي رحمه الله:

" فَإِنْ قِيلَ : فنرى الشرور والمعاصي تقع في رمضان كثيرًا ، فلو كانت الشياطين مُصَفَّدة لمَا وقع شر؟

فالجواب من أوجه:

أحدها: أَنَّهَا إِنَّمَا تُغَلّ عَنْ الصَّائِمِينَ الصَّوْمَ الَّذِي حُوفِظَ عَلَى شُرُوطِهِ وَرُوعِيَتْ آدَابُهُ . أمَّا ما لم يُحافظ عليه فلا يُغَلّ عن فاعله الشيطان.

الثاني: أنَّا لو سلَّمنا أنَّها صُفِّدَت عن كلِّ صائم ، لكن لا يلزم من تصفيد جميع الشياطين ألاَّ يقع شرّ؛ لأنَّ لوقوع الشرّ أسبابًا أُخَر غير الشياطين، وهي: النفوس الخبيثة ، والعادات الركيكة ، والشياطين الإنسيَّة.

والثالث: أن يكون هذا الإخبار عن غالب الشياطين والمَرَدة منهم ، وأمَّا مَن ليس مِن المَرَدة فقد لا يُصَفَّد.

والمقصود: تقليل الشُّرُورِ ، وهذا موجود في شهر رمضان ؛ لأنَّ وقوع الشرور والفواحش فيه قليلٌ بالنسبة إلى غيره من الشهور" .

انتهى من " المفهِم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم" (3/ 136).

وينظر للفائدة: جواب السؤال رقم : (221162) .

على أن الذي يظهر من إطلاق الناس لهذه العبارة وأمثالها: أنهم لا يريدون بها معناها الحرفي، والحكم على ما في الغيب من أحوال وأخبار، وما خطر على بال إبليس حقيقة، ولم يخطر؛ وإنما يريدون به المبالغة في شناعة هذا القول، حتى لو كان أمر من الشر ، يخرج عن إبليس وتزيينه، ووسوسته: لكان هذا .

ومن هذا الباب قول بعض الشعراء :

وَكنت فَتى من جند إِبْلِيس فارتقت ... بى الْحَال حَتَّى صَار إِبْلِيس من جندي

وقد تمثل غير واحد من أهل العلم بهذا البيت، وأوردوه في كتبهم، من غير نكير منهم لذلك.

ومن ذلك : ما قاله ابن كثير، رحمه الله، وهو يتكلم عن الباطنية :

"ثُمَّ بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ لَهُمْ مَقَامَاتٌ فِي الْكُفْرِ وَالْجَهْلِ وَالسَّخَافَةِ وَالرُّعُونَةِ مَا لَا يَنْبَغِي لِضَعِيفِ عَقْلٍ أَوْ دِينٍ أَوْ تَصَوُّرٍ سَمَاعُهُ، مِمَّا فَتَحَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ مِنَ الْأَبْوَابِ وَأَنْوَاعِ الْجَهَالَاتِ، وَرُبَّمَا أَفَادَ بَعْضُهُمْ إِبْلِيسَ أَشْيَاءَ لَمْ تَكُنْ عِنْدَهُ كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ:

وَكُنْتُ امْرَأً مِنْ جُنْدِ إِبْلِيسَ بُرْهَةً ... مِنَ الدَّهْرِ حَتَّى صَارَ إِبْلِيسُ مِنْ جُنْدِي"

انتهى، من "البداية والنهاية" (14/637).

وقال ابن القيم رحمه الله:

" باعث الدين، بالإضافة إلى باعث الهوى: له ثلاثة أحوال:

" إحداها: أن يكون القهر والغلبة لداعي الدين، فيرد جيش الهوى مغلولا. وهذا إنما يصل إليه بدوام الصبر، والواصلون إلى هذه الرتبة هم المنصورون في الدنيا والآخرة ...

الحالة الثانية: أن تكون القوة والغلبة لداعي الهوى، فيسقط منازعة باعث الدين بالكلية، فيستسلم البائس للشيطان وجنده، فيقودونه حيث شاءوا.

وله معهم حالتان:

إحداهما: ان يكون من جندهم وأتباعهم، وهذه حال العاجز الضعيف.

الثانية: أن يصير الشيطان من جنده، وهذه حال الفاجر القوي المتسلط، والمبتدع الداعية المتبوع، كما قال القائل:

وكنت امرءا من جند إبليس، فارتقى ... بي الحال حتى صار إبليس من جندي

فيصير إبليس وجنده من أعوانه وأتباعه، وهؤلاء هم الذين غلبت عليهم شقوتهم، واشتروا الحياة الدنيا بالآخرة، وإنما صاروا إلى هذه الحال لما أفلسوا من الصبر.." انتهى من "عدة الصابرين" (24-25).

بل إن العبارة المذكورة، بنصها، وردت في بعض كتابات لأهل العلم.

قال الإمام الشوكاني رحمه الله، في بعض تأريخاته " وَلَقَد جَاءَت هَذِه الأزمة فِي دِيَارنَا هَذِه بِمَا لم يكن فِي حِسَاب وَلَا خطر ببال إِبْلِيس أَن تكون لَهُ مثل هَذِه البطانة وَلَا ظن أَنه ينجح كَيده فيهم إِلَى هَذَا الْحَد ويبلغون فِي طَاعَته هَذَا الْمبلغ.." انتهى من"أدب الطلب" (83).

واستعملها أيضا الألوسي رحمه الله، في وصف بعض تأويلات الزمخشري وبدعه: " وأيضا: جعْلُ سجود الملائكة لآدم، راجعا إلى محض الامتثال، من غير نظر إلى تكريم آدم عليه السلام: مردود بما سَلّم في عدة مواضع: أنه سجود تكريم. كيف، وهو يقابل: ( أَتَجْعَلُ فِيها ) ، وكذلك تعليمه إياهم ، فليلحظ فيه جانب الآمر، تعالى شأنه، وجانب المسجود له، عليه الصلاة والسلام؛ توفية للحقين .

وكأنه قال ما قال ، وأخرج الآية على وجه لم يخطر ببال إبليس ؛ حذرا من خرم مذهبه" . انتهى من"روح المعاني" (12/216).

وحاصل ذلك:

أن الأمر ما دام في حدود التسامح في اللفظ ، والإطلاق المجازي، ونحو ذلك: فالظاهر أنه لا بأس به ، ولا يشدد في المنع منه .

وإن كان التحرز في أبواب الغيبيات، والتزام الظاهر، وعدم إطلاق ما لا يوقف على خبره ، على وجه اليقين: أولى، بكل حال.

وينظر للفائدة: جواب السؤال رقم : (118151) .

والله أعلم.

المصدر: موقع الإسلام سؤال وجواب