الجمعة 30 محرّم 1442 - 18 سبتمبر 2020
العربية

حول حديث تيمم النبي صلى الله عليه وسلم لرد السلام

310423

تاريخ النشر : 28-11-2019

المشاهدات : 5956

السؤال

استشكل علي حديث، عن أبي الجهم الأنصاري رضي الله عنه قال : (أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ نَحْوِ بِئْرِ جَمَلٍ ، فَلَقِيَهُ رَجُلٌ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَرُدَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ ، حَتَّى أَقْبَلَ عَلَى الْجِدَارِ ، فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ ، ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ) رواه البخاري (رقم/337) ، ومسلم (رقم/369) . فالنبي الكريم صلى الله عليه وسلم لم يرد السلام حتى تيمم ، وحديث أمنا عائشة رضي الله عنها ( كان يذكر الله على كل احيانه ) ، فهل هناك نسخ للحديث ، وإن كان لا ، فلماذا بعض الفقهاء يجيزون قراءة الجنب للقران؟ فالنبي الكريم لم يرد السلام لأنه على غير طهارة ، فمن باب أولى القران لا يقرأ ألا على طهارة .

الحمد لله.

بداية : يجب أن نعلم أن مسائل الشريعة منها ما حصل عليه الإجماع من أهل العلم ، ومنها ما وقع فيه الخلاف السائغ .

وما من عالم من أهل السنة والجماعة إلا وقصد الوصول للحق ، فاجتهد في ضوء ما معه من الأدلة وأدوات الاستنباط ، وهو على كل حال مأجور سواء أصاب الحق أم أخطأه .

وإنما ينشأ الخلاف بين أهل العلم في المسائل الشرعية لأحد أسباب ثلاث :

الأول : إما أن النص لم يبلغه ، لأنه لم يحط أحد قط بنصوص الشريعة .

الثاني : أن يكون وصله النص ، لكن لم يعتقد ثبوته ، أي أنه ضعيف عنده .

الثالث : أن له نص أقوى منه معارض له ، فرجحه عليه بإحدى وجوه الترجيح .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في "رفع الملام" (ص8) :" وَلِيُعْلَمَ أَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ - الْمَقْبُولِينَ عِنْدَ الْأُمَّةِ قَبُولًا عَامًّا - يَتَعَمَّدُ مُخَالَفَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شَيْءٍ مِنْ سُنَّتِهِ ؛ دَقِيقٍ وَلَا جَلِيلٍ . فَإِنَّهُمْ مُتَّفِقُونَ اتِّفَاقًا يَقِينِيًّا عَلَى وُجُوبِ اتِّبَاعِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَعَلَى أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَيُتْرَكُ , إلَّا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَلَكِنْ إذَا وُجِدَ لِوَاحِدِ مِنْهُمْ قَوْلٌ قَدْ جَاءَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ بِخِلَافِهِ , فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ عُذْرٍ فِي تَرْكِهِ . وَجَمِيعُ الْأَعْذَارِ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ:

أَحَدُهَا: عَدَمُ اعْتِقَادِهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَهُ .

وَالثَّانِي: عَدَمُ اعْتِقَادِهِ إرَادَةَ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ بِذَلِكَ الْقَوْلِ .

وَالثَّالِثُ: اعْتِقَادُهُ أَنَّ ذَلِكَ الْحُكْمَ مَنْسُوخٌ ". انتهى

ثانيا:

أورد السائل الكريم حديثين ، وظن أن بينهما تعارضا ، خاصة مع قول بعض أهل العلم بجواز قراءة الجنب للقرآن ، والمسألة إنما تؤخذ من مجموع الأدلة ، وهذا بيان الأمر :

أولا : هناك اتفاق بين أهل العلم على أنه يجوز للمحدث حدثا أصغر أو أكبر ، وسواء كان جنبا أو كانت امرأة حائضا ، يجوز له أن يذكر الله تعالى بكل شيء سوى القرآن ، فإن في جواز قراءة الجنب والحائض له خلاف .

قال ابن عبد البر في "الاستذكار" (2/104) :" وَمَا أَعْلَمُ خِلَافًا فِي جَوَازِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ ، مَا لَمْ يَكُنْ حَدَثُهُ جَنَابَةً ". انتهى

وقال النووي في "المجموع" (2/69) :" أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ لِلْمُحْدِثِ ". انتهى

وقال النووي في "المجموع" (2/164) :" أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِ التَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّحْمِيدِ وَالصَّلَاةِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَذْكَارِ وَمَا سِوَى الْقُرْآنِ لِلْجُنُبِ وَالْحَائِضِ ، وَدَلَائِلُهُ مَعَ الْإِجْمَاعِ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ مَشْهُورَةٌ ". انتهى

ثانيا : بعد اتفاق أهل العلم على جواز ذكر الله للمحدث ، سوى قراءة القرآن ، فقد اختلفوا في معنى الحديث الأول الذي أورده السائل .

وهذا الحديث أخرجه البخاري في "صحيحه" (337) ، من حديث عمير مولى ابن عباس ، قال:" أَقْبَلْتُ أَنَا وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَسَارٍ ، مَوْلَى مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى أَبِي جُهَيْمِ بْنِ الحَارِثِ بْنِ الصِّمَّةِ الأَنْصَارِيِّ ، فَقَالَ أَبُو الجُهَيْمِ الأَنْصَارِيُّ : أَقْبَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ نَحْوِ بِئْرِ جَمَلٍ فَلَقِيَهُ رَجُلٌ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أَقْبَلَ عَلَى الجِدَارِ ، فَمَسَحَ بِوَجْهِهِ وَيَدَيْهِ ، ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِ السَّلاَمَ ".

وجاء في معناه حديث آخر .

أخرجه أحمد في "مسنده" (19034) ، من حديث الْمُهَاجِرِ بْنِ قُنْفُذٍ ، أَنَّهُ : " سَلَّمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ حَتَّى تَوَضَّأَ فَرَدَّ عَلَيْهِ وَقَالَ: إِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَرُدَّ عَلَيْكَ إِلَّا أَنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَذْكُرَ اللهَ إِلَّا عَلَى طَهَارَةٍ ".

والحديث صححه الشيخ الألباني في "صحيح أبي داود" (13) .

فمن أهل العلم من يرى أن ذكر الله على غير حال الطهارة مكروه أو خلاف الأولى ، وأن هذا الحديث يدل على استحباب الطهارة لمجرد ذكر الله ، حتى لو كان ذلك رد للسلام ونحو ذلك ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما خشي فوات وقت ردّ السلام؛ تيمم .

ولذا بوب عليه ابن خزيمة في "صحيحه" (1/172) :" بَابُ اسْتِحْبَابِ التَّيَمُّمِ فِي الْحَضَرِ لِرَدِّ السَّلَامِ وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ مَوْجُودًا ". انتهى

وقال النووي في "الإيجاز في شرح سنن أبي داود" (ص136) :" قوله - صلى الله عليه وسلم -: "كَرهت أن أذكر الله على غير طهر" ، هذه الكراهة بمعنى ترك الأولى ، وقد سبق في باب كراهة استقبال القبلة : أن الكراهة ثلاثة أقسام، منها: ترك الأولى .

وقد اتفق العلماء على جواز ذكر الله تعالى بالتسبيح والتكبير والتهليل ونحوها ، سوى القرآن ، للمحدث والجنب ، وأنه لا يكره كراهة تنزيه ، ولكنه خلاف الأولى ، فيحمل هذا الحديث عليها ". انتهى

وقال ابن رجب في "فتح الباري" (2/233) :" وقد استدل البخاري بهذا الحديث : على جواز التيمم في الحضر ، إذا لم يجد الماء ، ولكن التيمم هنا لم يكن لما تجب له الطهارة ، بل لما يستحب له ". انتهى

وقال القرطبي في "المفهم" (1/617) :" وهذا الحديث يؤخذ منه: أن حضور سبب الشيء ، كحضور وقته ؛ وذلك أنه لما سلم هذا الرجل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -  تعين عليه - صلى الله عليه وسلم – الرد ، وخاف الفوت ، فتيمم .

ويكون هذا حجة لأحد القولين عندنا : أن من خرج إلى جنازة متوضئًا ، فانتقض وضوؤه ؛ أنه يتيمم.

وقد روى أبو داود من حديث المهاجر بن قنفذ: أنه سلم على النبي - صلى الله عليه وسلم -  وهو يبول ، فلم يَرُدّ عليه حتى توضأ ، ثم اعتذر إليه ، فقال: إني كنت كرهت أن أذكر الله إلا على طهارة ". انتهى

وقال ابن حجر في "فتح الباري" (1/443) :" قَالَ النَّوَوِيُّ هَذَا الْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ عادما للْمَاء حَال التَّيَمُّم .

قلت : وَهُوَ مُقْتَضَى صَنِيعِ الْبُخَارِيِّ ، لَكِنْ تُعُقِّبَ اسْتِدْلَالُهُ بِهِ عَلَى جَوَازِ التَّيَمُّمِ فِي الْحَضَرِ،  بِأَنَّهُ وَرَدَ عَلَى سَبَبٍ ، وَهُوَ إِرَادَةُ ذِكْرِ اللَّهِ لِأَنَّ لَفْظَ السَّلَامِ مِنْ أَسْمَائِهِ ، وَمَا أُرِيدَ بِهِ اسْتِبَاحَةُ الصَّلَاةِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَمَّا تَيَمَّمَ فِي الْحَضَرِ لِرَدِّ السَّلَامِ ، مَعَ جَوَازِهِ بِدُونِ الطَّهَارَةِ ؛ فَمَنْ خَشِيَ فَوْتَ الصَّلَاةِ فِي الْحَضَرِ ، جَازَ لَهُ التَّيَمُّمُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى ، لِعَدَمِ جَوَازِ الصَّلَاةِ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ مَعَ الْقُدْرَةِ .
وَقِيلَ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ التَّيَمُّمِ رَفْعَ الْحَدَثِ ، وَلَا اسْتِبَاحَةَ مَحْظُورٍ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ التَّشَبُّهَ بِالْمُتَطَهِّرِينَ ، كَمَا يُشْرَعُ الْإِمْسَاكُ فِي رَمَضَانَ لِمَنْ يُبَاحُ لَهُ الْفِطْرُ .

أَوْ أَرَادَ تَخْفِيفَ الْحَدَثِ بِالتَّيَمُّمِ ، كَمَا يُشْرَعُ تَخْفِيفُ حَدَثِ الْجُنُبِ بِالْوُضُوءِ ". انتهى

وقال ابن الملك في "شرح المصابيح" (1/304) :" وروي: أنه لم يردَّ عليه حتى تَوَضَّأ ، ثم اعتذرَ إليه ، فقال: إني كرهتُ أن أذكر الله إلا على طُهْرٍ": فيه دليلٌ على أنه يستحبُّ أن يكون ذِكْرُ الله على الوضوء أو التيمم ؛ لأن السلام اسم من أسمائه تعالى ". انتهى

ومن أهل العلم من يرى أن هذا الحديث منسوخ ، لأنه كان في أول الإسلام يجب الطهارة لمطلق الذكر ، ثم نُسخ هذا الحكم ، وهذا رجحه الطحاوي رحمه الله .

حيث روى الإمام الطحاوي في "شرح معاني الآثار" (1/88) حديثا من طريق عَبْدِ اللهِ بْنِ عَلْقَمَةَ بْنِ الْفَغْوَاءِ , عَنْ أَبِيهِ قَالَ:" كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَهْرَاقَ الْمَاءَ ، إِنَّمَا نُكَلِّمُهُ فَلَا يُكَلِّمُنَا،  وَنُسَلِّمُ عَلَيْهِ فَلَا يَرُدُّ عَلَيْنَا ، حَتَّى نَزَلَتْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ [المائدة: 6] .

ثم قال :" فَأَخْبَرَ عَلْقَمَةُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , أَنَّ حُكْمَ الْجُنُبِ كَانَ عِنْدَهُ ، قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ ، أَنْ لَا يَتَكَلَّمَ وَأَنْ لَا يَرُدَّ السَّلَامَ ، حَتَّى نَسَخَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ ذَلِكَ بِهَذِهِ الْآيَةِ ، فَأَوْجَبَ بِهَا الطَّهَارَةَ عَلَى مَنْ أَرَادَ الصَّلَاةَ خَاصَّةً .

فَثَبَتَ بِذَلِكَ : أَنَّ حَدِيثَ أَبِي الْجَهْمِ , وَحَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَالْمُهَاجِرِ , مَنْسُوخَةٌ كُلُّهَا , وَأَنَّ الْحُكْمَ الَّذِي فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ مُتَأَخِّرٌ عَنِ الْحُكْمِ الَّذِي فِيهَا ". انتهى

والراجح : أنه لا نسخ ، لأن الحديث الذي أورده الإمام الطحاوي حديث ضعيف ، في إسناده جابر الجعفي؛ قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (1/276) :" رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ ، وَفِيهِ جَابِرٌ الْجُعَفِيُّ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ ". انتهى

والأصل الجمع بين الأدلة إن صحت ، وألا نلجأ للنسخ إلا عند تعذر الجمع ، فيقال في ذلك : إن حديث أبي الجهيم ، وكذلك حديث المهاجر بن قنفذ ، يدلان على استحباب التطهر لمجرد الذكر .

بل ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سأله أبو عامر أن يستغفر له ، توضأ ثم دعا له .

والحديث في "صحيح مسلم" (2498) ، وفيه :" فَأَخْبَرْتُهُ بِخَبَرِنَا وَخَبَرِ أَبِي عَامِرٍ ، وَقُلْتُ لَهُ: قَالَ: قُلْ لَهُ: يَسْتَغْفِرْ لِي ، فَدَعَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَاءٍ ، فَتَوَضَّأَ مِنْهُ ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ:  اللهُمَّ اغْفِرْ لِعُبَيْدٍ أَبِي عَامِرٍ  " .

قال القرطبي في "المفهم" (21/18) :" وقوله : " فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بماء فتوضَّأ منه ، ثم رفع يديه " ؛ ظاهر هذا الوضوء : أنه كان للدُّعاء ؛ إذ لم يذكر أنه صلى في ذلك الوقت بذلك الوضوء .

ففيه ما يدلّ على مشروعية الوضوء للدُّعاء ، ولذكر الله ، كما تقدَّم من قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهارة ". انتهى

ثم إن مجرد تيمم النبي صلى الله عليه وسلم لأجل رد السلام لا يدل على حرمة رد السلام للمحدث ، وكذلك لا يدل على وجوب الطهارة لمطلق الذكر، كرد السلام ونحوه ؛ فإن فعل مجرد من النبي صلى الله عليه وسلم ؛ والفعل إنما يدل على مشروعية الشيء ، أو استحابه؛ لا يدل بمجرده على الوجوب، ما لم يكن بيانا لأمر واجب.

ثالثا : أما حديث عائشة رضي الله عنها :" كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَذْكُرُ اللهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ "

فهو حديث صحيح أخرجه مسلم في "صحيحه" (373).

والحديث احتج به بعض أهل العلم على جواز قراءة القرآن للجنب ، وهي مسألة خلافية .

حيث ذهب جمهور أهل العلم من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة إلى حرمة قراءة الجنب للقرآن ، وذهب ابن عباس ، واختاره ابن المنذر إلى جواز ذلك .

وحديث عائشة الذي أورده السائل أحد أدلة من جوز قراءة الجنب للقرآن ، لكن عند الجمهور هو مخصوص بأدلة أخرى ، إذ ليس هو الدليل الوحيد في المسألة ، ثم هو ليس صريحا في الدلالة على ذلك .

قال ابن المنذر في "الأوسط" (2/223) :" وَاحْتَجَّ مَنْ سَهَّلَ لِلْجُنُبِ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ : قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَذْكُرُ اللهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ .

قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَقَالَ بَعْضُهُمُ: الذِّكْرُ قَدْ يَكُونُ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَغَيْرِهِ ، فَكُلُّ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ ذِكْرِ اللهِ تعالى ، فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ نمْنَعَ مِنْهُ أَحَدًا ، إِذَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَمْتَنِعُ مِنْ ذِكْرِ اللهِ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ ". انتهى

ولكن قال ابن رجب في "فتح الباري" (2/45) :" وفيه: دليل على أن الذكر لا يمنع منهُ حدث ولا جنابة .

وليس فيهِ دليل على جواز قراءة القرآن للجنب ؛ لأن ذكر الله إذا أطلق لا يراد بهِ القرآن ، واستدلاله بقوله تعالى: وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ فَهوَ دليل على جواز التسمية للحائض والجنب ؛ فإنهما غير ممنوعين مِن التذكية ". انتهى

وقد وردت عدة أحاديث تمنع الجنب من قراءة القرآن

منها الحديث الذي أخرجه أحمد في "مسنده" (639) ، وأبو داود في "سننه" (229) ، من حديث عن عبد الله ابن سَلِمة ، قال:" دخلتُ على عليٍّ رضي الله عنه أنا ورجلان ، رجلٌ منَّا ورجلٌ مِن بني أَسد أحسَبُ ، فبَعَثَهما عليٌّ وجهاً ، وقال: إنَّكما عِلْجانِ ، فعالِجا عن دِينِكما ، فدخلَ  المَخْرَجَ ثمَّ خرجَ ، فدعا بماءٍ فأخذَ منه حَفْنةً فتَمَسحَ بها ، ثمَّ جعل يَقرَأُ القُرآنَ ، فأنكروا ذلك ، فقال: إنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - كان يَخرُجُ مِنَ الخلاءِ فيُقرِئُنا القُرآنَ ويأكُلُ مَعَنا اللّحمَ ، ولم يَكُن يَحجُبُهُ - أو قال: يَحجُزُهُ - عن القُرآنِ شيءٌ ، ليسَ الجَنابةَ ".

والحديث حسنه غير واحد من أهل العلم. قال ابن الملقن في "البدر المنير" (2/551) :" هَذَا الحَدِيث جيد ". انتهى ، وقال ابن حجر في "فتح الباري" (1/408) :" وَضَعَّفَ بَعْضُهُمْ بَعْضَ رُوَاتِهِ ، وَالْحَقُّ أَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الْحَسَنِ يَصْلُحُ لِلْحُجَّةِ ". انتهى

قال الصنعاني في "التنوير شرح الجامع الصغير" (8/561) في شرحه لحديث :" كان يذكر الله على كل أحيانه  " ، قال :" واعلم أن هذا مخصوص بحال الجنابة ، لحديث:" أنه كان لا يحجبه عن القرآن شيء ليس إلا الجنابة ".

وقد أخذ جماعة لجواز القراءة للجنب ، بهذا العموم ، منهم الطبري .

ولك أن تقول : هذا يُخص منه قراءة القرآن ، ويبقى غيره من الذكر جائزاً للجنب .

والأكمل أن لا يذكر الله إلا على طهارة ، فقد تيمم من الجدار لرد السلام ، وقال: "كرهت أن أذكر الله إلا على طهارة" أو نحو هذا ". انتهى

وخلاصة ما سبق أن نقول :

الحديث الأول ، وهو حديث أبي الجهيم ، محمول على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب أن يذكر الله على طهارة ، فلما خشي فوات عبودية ردّ السلام تيمم ، ثم ردّ السلام ، وهذا ليس على سبيل الوجوب ، وإنما على سبيل الاستحباب .

والحديث الثاني ، وهو حديث عائشة رضي الله عنها ، فمحمول على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يذكر الله على كل أحيانه ، إلا أن يكون جنبا ، استدلالا بالأدلة الأخرى في المسألة ، التي تمنع الجنب من قراءة القرآن ، ولذا كان جماهير أهل العلم من المذاهب الأربعة على ذلك .

ويمكن للسائل إن أراد الاستزادة أن يراجع هذه الأجوبة (129369)، (218917)، (9286).

والله أعلم .

المصدر: موقع الإسلام سؤال وجواب