السبت 9 ذو القعدة 1442 - 19 يونيو 2021
العربية

هل يرضى بالحكم القضائي ولو كان مظلوما في الباطن؛ لقوله تعالى: (ويسلموا تسليما) ؟

326872

تاريخ النشر : 17-03-2021

المشاهدات : 856

السؤال

كيف نوفق بين قوله تعالى (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) وحديث: (إِنَّمَا أَنَا بشَرٌ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ....) ؟ فلنفرض أن شخصاً مظلوماً لم يستطع إقامة الحجة، ومن واجهه حلف بالله، فهل يجب عليه أن يرضى بحكم الرسول صلى الله عليه وسلم؟ و كيف يكون الرضا في هذه الحالة؟ هل هو الانسياق والطاعة لأمر الرسول فقط؟ وكيف يكون ذلك وهو يعرف في قرارة قلبه أنه مظلوم، فالإنسان سيجد في نفسه شيئاً، وقد قرأت أغلب التفاسير تقول: إنه يجب أن يكون فعلياً وقلبياً، وأكبر مثال على ذلك حديث عوف بن مالك : " أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بين رجلين، فقال المقضي عليه لما أدبر حسبي الله ونعم الوكيل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (إن الله يلوم على العجز، ولكن عليك بالكيس، فإذا غلبك أمر فقل حسبي الله ونعم الوكيل) فهل ما قاله الرجل هنا ينافي الرضا؟ وهل إذا ذهب الرجل وبحث عن بينة واجتهد في إثبات حقه بعد الحكم يعتبر عدم رضا؟ ولنفرض أنه استطاع الظفر بماله فهل يحل له أن يظفر به بعد حكم الرسول أم ذلك ينافي الرضا بالحكم؟

الحمد لله.

أولا:

بيان المقصود من قوله تعالى: فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ...

المقصود من قوله تعالى: فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا النساء/ 65 هو وجوب تحكيم الشريعة، تحكيم النبي صلى الله عليه وسلم في حياته، وتحكيم سنته بعد وفاته، والإخبار بأن المعرض عن تحكيم شرعه ليس مؤمنا.

قال ابن كثير رحمه الله في تفسيره (3/ 349): "يقسم تعالى بنفسه الكريمة المقدسة: أنه لا يؤمن أحد حتى يحكم الرسول صلى الله عليه وسلم في جميع الأمور، فما حكم به فهو الحق الذي يجب الانقياد له باطنا وظاهرا؛ ولهذا قال: ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما، أي: إذا حكموك يطيعونك في بواطنهم، فلا يجدون في أنفسهم حرجا مما حكمت به، وينقادون له في الظاهر والباطن، فيسلمون لذلك تسليما كليا، من غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة، كما ورد في الحديث: (والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به).

وقال البخاري: حدثنا علي بن عبد الله حدثنا محمد بن جعفر، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عروة قال: خاصم الزبير رجلا في شريج من الحرة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك" فقال الأنصاري: يا رسول الله، أن كان ابن عمتك؟ فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: (اسق يا زبير، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر، ثم أرسل الماء إلى جارك)، واستوعى النبي صلى الله عليه وسلم للزبير حقه في صريح الحكم، حين أحفظه الأنصاري، وكان أشار عليهما بأمر لهما فيه سعة. قال الزبير: فما أحسب هذه الآية إلا نزلت في ذلك: فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم الآية" انتهى.

وقال ابن القيم رحمه الله: "فأقسم: أنهم لا يؤمنون حتى يحكموا رسوله، وحتى يرتفع الحرج من نفوسهم من حكمه، وحتى يسلموا لحكمه تسليما. وهذا حقيقة الرضا بحكمه.

فالتحكيم: في مقام الإسلام. وانتفاء الحرج: في مقام الإيمان. والتسليم: في مقام الإحسان" انتهى من "مدارج السالكين" (2/ 189).

ثانيا:

الحاكم يحكم بما ظهر له من البينة  

الحاكم إنما يحكم بالظاهر، فيقضي للمدعي إن أحضر بينة عادلة، وإلا توجه باليمين إلى المدعى عليه.

والبينة قد تكذب، والمدعى عليه الذي توجه له اليمين قد يكون فاسقا أو كافرا لا يتورع عن الكذب، كما روى البخاري (3173)، ومسلم (1669) في قصة القسامة:" فَذَكَرُوا لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَقْتَلَ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَهْلٍ، فَقَالَ لَهُمْ:  تَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ قَاتِلَكُمْ، أَوْ صَاحِبَكُمْ  ، قَالُوا: وَكَيْفَ نَحْلِفُ وَلَمْ نَشْهَدْ وَلَمْ نَرَ؟ قَالَ:  فَتُبْرِيكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ  ، فَقَالُوا: كَيْفَ نَأْخُذُ أَيْمَانَ قَوْمٍ كُفَّارٍ، فَعَقَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ عِنْدِهِ".

وروى البخاري (2515)، ومسلم (138) عن عَبْدُ اللَّهِ بن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: " مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَسْتَحِقُّ بِهَا مَالًا وَهُوَ فِيهَا فَاجِرٌ، لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ:  إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا  آل عمران/77، فَقَرَأَ إِلَى (عَذَابٌ أَلِيمٌ)آل عمران/77، ثُمَّ إِنَّ الأَشْعَثَ بْنَ قَيْسٍ خَرَجَ إِلَيْنَا، فَقَالَ مَا يُحَدِّثُكُمْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ قَالَ: فَحَدَّثْنَاهُ، قَالَ: فَقَالَ: صَدَقَ، لَفِيَّ وَاللَّهِ أُنْزِلَتْ، كَانَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ خُصُومَةٌ فِي بِئْرٍ، فَاخْتَصَمْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ:  شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ  ، قُلْتُ: إِنَّهُ إِذًا يَحْلِفُ وَلاَ يُبَالِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:  مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَسْتَحِقُّ بِهَا مَالًا، وَهُوَ فِيهَا فَاجِرٌ، لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ  فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ، ثُمَّ اقْتَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ:  إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا  آل عمران/77، إِلَى  وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ  آل عمران/77.

وقد أخبر صلى الله عليه وسلم أمته بذلك، وبين أنه-وكذا من بعده من باب أولى- إنما يحكم بالظاهر، فقال:  إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، وَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَلَا يَأْخُذْ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ  رواه البخاري (6967)، ومسلم (1713).

وبهذا يكون المؤمن على بصيرة، فيحتكم إلى الشرع وجوبا، ويرضى به، ويسلم، ويعلم أنه لو أخذ حقه ببينة كاذبة- مع أن ظاهرها العدالة-، أو بيمين المدعى عليه، لعجزه هو عن إقامة البينة، فهذا ما في وسع البشر أن يحكموا به، والحق لن يضيع عند الله، والمبطل إنما يقتطع قطعة من النار.

وحينئذ فعلى من ظُلم –في حقيقة الأمر- :

أن يرضى ويسلم لحكم الشرع، من جهة أن هذا الحكم القضائي هو الذي في وسع البشر أن يحكموا به، وأنه لا سبيل لأحد أن يطلع على الغيب.

أما مصيبته التي قدرها الله عليه، فله أن ينازع القدر بالقدر، فلو وَجد بينة بعد الحكم، أقامها، وتُسمع منه، إذا لم يكن قد نفى ابتداء وجود بينة مطلقا، بل قال مثلا: لا أعلم لي بينة، فإذا أقام بينة سُمعت منه.

قال ابن قدامة رحمه الله: " مسألة؛ قال: (ومن ادعى دعوى، وقال: لا بينة لي. ثم أتى بعد ذلك ببينة، لم تقبل؛ لأنه مكذب لبينته) وبهذا قال محمد بن الحسن.

وقال أبو يوسف وابن المنذر: تقبل. وهو ظاهر مذهب الشافعي؛ لأنه يجوز أن ينسى، أو يكون الشاهدان سمعا منه، وصاحب الحق لا يعلم، فلا يثبت بذلك أنه كذب بينته.

وقال بعض أصحاب الشافعي: وإن كان الإشهاد أمرا تولاه بنفسه، لم تسمع بينته؛ لأنه أكذبها، وإن كان وكيله أشهد على المدعى عليه، أو شهد من غير علمه، أو من غير أن يشهدهم، سمعت بينته؛ لأنه معذور في نفيه إياها. وهذا القول حسن.

ولنا، أنه أكذب بينته، بإقراره أنه لا يشهد له أحد، فإذا شهد له إنسان، كان تكذيبا له...

فصل: وإن قال: ما أعلم لي بينة. ثم أتى ببينة، سمعت؛ لأنه يجوز أن تكون له بينة لم يعلمها، ثم علمها" انتهى من "المغني" (10/ 239).

ثالثا:

حديث: ( إِنَّ اللهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ، وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ..) ضعيف

أما الحديث الذي ذكرت فإنه حديث ضعيف، وهو ما روى أحمد (23983)، وأبو داود (3627) عن عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ: " أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ، فَقَالَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ لَمَّا أَدْبَرَ: حَسْبِيَ اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:  رُدُّوا عَلَيَّ الرَّجُلَ ، فَقَالَ: مَا قُلْتَ؟  : قَالَ: قُلْتُ: حَسْبِيَ اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:  إِنَّ اللهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ، وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ، فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ: حَسْبِيَ اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ .

والحديث ضعفه الألباني في "ضعيف أبي داود"، وشعيب الأرنؤوط في تحقيق المسند، وقال: " إسناده ضعيف لضعف بقية بن الوليد، وجهالة سيفٍ، فقد تفرد بالرواية عنه خالد بن معدان، وقال النسائي: لا أعرفه، وكذا قال الذهبي في "الميزان": لا يعرف، وتساهل العجلي وابن حبان فوثقاه".

ومعنى الحديث كما قال السندي: " يلوم على العجز" أي: لا يرضى العجز، والمراد به ضد الكَيْس -بفتح فسكون- وهو التيقُّظ في الأمور، والاهتداء إلى التدبير والمصلحة، بالنظر إلى الأسباب، واستعمال الفكر في العاقبة، يعني كان ينبغي لك أن تتيقظ في معاملتك، فإذا غلبك الخصمُ قلت: حسبي الله.

وأما ذِكر "حسبي الله"، بلا تيقُّظ، كما فعلت: فهو من الضعف؛ فلا ينبغي، والله تعالى أعلم" انتهى.

ففي الحديث إشارة إلى تقصير من حُكم عليه، وأنه لم يتيقظ.

رابعا:

حكم الحاكم لا يحل الحرام في الباطن، ولا يمنع من الحق

حكم الحاكم لا يحل الحرام في الباطن، ولا يمنع من الحق، فلو حكم القاضي على شخص من الناس بمال، وكان في الباطن بريئا، ثم ظفر بماله، فله أخذه عند من يقول بالظفر، إذا أخذ حقه دون زيادة، وأمن الاتهام بالسرقة.

والله أعلم.

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

المصدر: موقع الإسلام سؤال وجواب