الجمعة 20 ذو الحجة 1442 - 30 يوليو 2021
العربية

شرح حديث: أَمَّا ابْنُ عَمِّي فَهَتَكَ عِرْضِي، وَأَمَّا ابْنُ عَمَّتِي فَهُوَ الَّذِي قَالَ لِي بِمَكَّةَ مَا قَالَ

329407

تاريخ النشر : 15-08-2020

المشاهدات : 6923

السؤال

سؤالي حول حديث الرسول الذى أورده الحاكم وغيره وفيه : ( أَمَّا ابْنُ عَمِّي فَهَتَكَ عِرْضِي، وَأَمَّا ابْنُ عَمَّتِي وَصِهْرِي فَهُوَ الَّذِي، قَالَ لِي بِمَكَّةَ مَا قَالَ)، فهناك العديد من المواقع التي ردت على هذه الشبهة، ولكن مازال فى قلبى بعض التساؤلات؛ وهى : أولا العلماء فسروا هتك عرضي بهجاني، وقال عن ابن عمته وصهره ( قال لي ما قال)، فما الفرق إذا كان الاثنان قد هجوه، فلماذا استخدم هذه الكلمة مع أبي سفيان بن الحارث ؟ ثانيا وهو الأهم : أن هذه الكلمة الكبيرة لم يستخدمها النبي مع أحد حتى مع من خاضوا فى السيدة عائشة فى حادثة الإفك، حتى مع ابن سلول الذى قال الله فيه (الذى تولى كبره)، أرجو أن تفهموا قصدي وتجيبونى، فأنا أشعر أن هذه الكلمة كبيرة وثقيلة، أرجو أن يكون عندكم رد كامل عن الموضوع، وأريد أن أعرف ما الذى قصده الرسول بقوله : (فهو الذي قال لي بمكة ما قال) ، فما هو هذا القول المقصود ؟

الجواب

الحمد لله.

أولا:

روى الطبراني في "المعجم الكبير" (7264) من حديث مُحَمَّد بْن سَلَمَةَ، والحاكم في "المستدرك" (3 / 43 - 45) من حديث  يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ: كلاهما عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ:

" مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ عَامَ الْفَتْحِ حَتَّى نَزَلَ مَرَّ الظَّهْرَانِ فِي عَشَرَةِ آلَافٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَسَبَّعَتْ سُلَيْمٌ وَأَلَّفَتْ مُزَيْنَةُ وَفِي كُلِّ الْقَبَائِلِ عَدَدٌ وَإِسْلَامٌ، وَأَوْعَبَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ، فَلَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْهُ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَقَدْ عَمِيَتِ الْأَخْبَارُ عَلَى قُرَيْشٍ، فَلَا يَأْتِيَهُمْ خَبَرُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا يَدْرُونَ مَا هُوَ صَانِع.

وَكَانَ أَبُو سُفْيَانُ بْنُ الْحَارِثِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ ، قَدْ لَقِيَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَنِيَّةَ الْعِقَابِ ، فِيمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، فَالْتَمَسَا الدُّخُولَ عَلَيْهِ، فَكَلَّمَتْهُ أُمُّ سَلَمَةَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ابْنُ عَمِّكَ، وَابْنُ عَمَّتِكَ، وَصِهْرُكِ.

فَقَالَ:   لَا حَاجَةَ لِي فِيهِمَا، أَمَّا ابْنُ عَمِّي فَهَتَكَ عِرْضِي، وَأَمَّا ابْنُ عَمَّتِي وَصِهْرِي فَهُوَ الَّذِي، قَالَ لِي بِمَكَّةَ مَا قَالَ .

فَلَمَّا خَرَجَ الْخَبَرُ إِلَيْهِمَا بِذَلِكَ، وَمَعَ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ الْحَارِثِ ابْنٌ لَهُ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَيَأَذْنَنَّ رَسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَوْ لَآخُذَنَّ بِيَدِ ابْنِي هَذَا، ثُمَّ لَنَذْهَبَنَّ فِي الْأَرْضِ حَتَّى نَمُوتَ عَطَشًا أَوْ جُوعًا، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَقَّ لَهُمَا - ثُمَّ أَذِنَ لَهُمْا ، فَدَخَلَا وَأَسْلَمَا - ... ".

قال الحاكم: " هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ " ووافقه الذهبي.

قال الشيخ الألباني رحمه الله تعالى:

" وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم "، ووافقه الذهبي!

ونحوه قول الهيثمي في "المجمع " (6/167) :

"رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح ".

فأقول: محمد بن إسحاق إنما أخرج له مسلم متابعة، وهو حسن الحديث - بعامة- بشرط التصريح بالتحديث كما هنا، وهو حجة في السيرة النبوية كما هو معروف عند العلماء، ولذلك نقله الحافظ ابن كثير في تاريخه "البداية" عن "السيرة" ساكتاً عنه...

وبالجملة؛ فالحديث صحيح بهذه الطرق والشواهد، وهو أصح وأتم ما وقفت عليه مسندا في قصة فتح مكة حرسها الله. والله سبحانه وتعالى أعلم " انتهى من "السلسلة الصحيحة" (7 / 1029 - 1030).

ثانيا:

الواجب على المسلم أن يفهم ألفاظ الأحاديث النبوية وفق المعاني المتعارف عليها في زمن النبوة، وليس وفق المعاني التي تعارف عليها الناس بعد ذلك.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:

" ومن لم يعرف لغة الصحابة التي كانوا يتخاطبون بها ، ويخاطبهم بها النبي صلى الله عليه وسلم، وعادتهم في الكلام؛ وإلا حرف الكلم عن مواضعه، فإن كثيرا من الناس ينشأ على اصطلاح قومه وعادتهم في الألفاظ ، ثم يجد تلك الألفاظ في كلام الله أو رسوله أو الصحابة، فيظن أن مراد الله أو رسوله أو الصحابة بتلك الألفاظ ، ما يريده بذلك أهل عادته واصطلاحه، ويكون مراد الله ورسوله والصحابة خلاف ذلك.

وهذا واقع لطوائف من الناس من أهل الكلام والفقه والنحو والعامة وغيرهم " انتهى من "مجموع الفتاوى" (1 / 243).

وينظر للفائدة: جواب السؤال رقم : (207828).

ومن هذا النوع عبارة: "هتك العرض"، ففي عصرنا غلب على وسائل الإعلام والكتّاب، الإشارة إلى الفاحشة بـعبارة "هتك العرض"، وهذا معنى تعارف عليه أهل عصرنا، فلا يصح أن نفسِّر الحديث النبوي على هذا المعنى  المعاصر، بل نفسره على المعنى الذي كان متعارفا عليه في عصر النبوة، فلا يعرف في عصرهم استعمال "هتك العرض" للإشارة إلى الفاحشة، بل يقصدون بها ما تدل عليه اللغة.

و "الهتك" لغة: التمزيق والشق للشيء وجذبه حتى يظهر ما وراءه.

قال الخليل بن أحمد رحمه الله تعالى:

" الهَتْكُ: أن تجذبَ سِتراً فتَشُقَّ منه طائفةً، أو تَقْطَعَه، فيبدو ما وراءَه منْهُ. يقال: هتك اللهُ سِتْرَ الفاجر " انتهى من "العين" (3 / 374).

و "العرض": الحسب والشرف.

فإذا قالوا: "هتك عرض فلان" .

أي: أساء إليه بما يخدش ويلطّخ شرفه وحسبه الذي يستره.

جاء في قاموس "تاج العروس" (5 / 359):

"و المَغْثُ: (هَتْكُ العِرْضِ) ولَطْخُه، يُقَال: مَغَثْت عِرضَه بالشَّتْم" انتهى.

فيحصل هذا الهتك بالشتم أو الهجاء ونحوه.

فلو اتهم إنسان إنسانا بالبخل وهجاه بذلك، فإنه يقال فيه :"هتك عرضه" أي: أساء إلى حسبه وشرفه، كما في قول الشاعر:

وَيُسْرِعُ بخلُ المَرْءِ فِي هَتْكِ عِرْضهِ ... ولَمْ أَرَ مِثْلَ الجودِ لِلْعِرْضِ حَارِسَا

و "هتك العرض" في الحديث هو بهذا المعنى: أي الشتم والهجاء.

وذلك أن أبا سفيان بن الحارث كان يهجو النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الذي رد عليه حسان بن ثابت بقصيدته التي رواها الإمام مسلم (2490):

" هَجَوْتَ مُحَمَّدًا فَأَجَبْتُ عَنْهُ ... وَعِنْدَ اللهِ فِي ذَاكَ الْجَزَاءُ

هَجَوْتَ مُحَمَّدًا بَرًّا حَنِيفًا ... رَسُولَ اللهِ شِيمَتُهُ الْوَفَاءُ

فَإِنَّ أَبِي وَوَالِدَهُ وَعِرْضِي ... لِعِرْضِ مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ

... ".

وجاء في روايات أخرى قبل هذا البيت، بيت:

(أَلا أبلغ أَبَا سُفْيَان عني ... مغلغلةً، فقد برح الخفاء).

"الجمع بين الصحيحين للحميدي" (4 / 131).

وأبو سفيان هنا هو أبو سفيان بن الحارث.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:

" أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم الهاشمي، ابن عمّ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم وأخوه من الرضاعة، أرضعتهما حليمة السعدية.

وكان ممن يشبه رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم...

وكان أبو سفيان ممن يؤذي النبي صلى اللَّه عليه وسلّم ويهجوه ويؤذي المسلمين، وإلى ذلك أشار حسان بن ثابت في قصيدته المشهورة:

هجوت محمّدا فأجبت عنه ... وعند اللَّه في ذاك الجزاء

ويقال: إنّ عليا علّمه لما جاء ليسلم أن يأتي النبي صلى اللَّه عليه وسلّم من قبل وجهه فيقول: ( تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا ) الآية، ففعل، فأجابه: ( لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ) الآية. فأنشده أبو سفيان:

لعمرك إنّي يوم أحمل راية ... لتغلب خيل اللّات خيل محمّد

فكالمدلج الحيران أظلم ليله ... فهذا أواني حين أهدى فأهتدي

الأبيات... " انتهى من "الإصابة في تمييز الصحابة" (12 / 303 - 304).

ثالثا:

وأما مغايرة النبي صلى الله عليه وسلم في طريقة الإخبار عنهما، حيث قال:

 أَمَّا ابْنُ عَمِّي فَهَتَكَ عِرْضِي، وَأَمَّا ابْنُ عَمَّتِي وَصِهْرِي فَهُوَ الَّذِي، قَالَ لِي بِمَكَّةَ مَا قَالَ .

فسببه أن ابن عمته عبد الله بن أبي أمية، كان قوله الذي قاله ليس من باب الهجاء، وإنما من باب المعاندة لدعوة الإسلام، ورفض الانقياد له.

حيث يروى أنه من الذين نزل فيهم قول الله تعالى:  وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا ، أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا ، أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا ، أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا  الإسراء/90 - 93.

فروى الطبري في "التفسير" (15 / 90) حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا هشيم، عن أبي بشر، عن سعيد -بن جبير-، قال: قلت له في قوله تعالى ( لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا ) قال: قلت له: نزلت في عبد الله بن أبي أمية؟ قال: " قد زعموا ذلك ".

ومما يستأنس به في هذا، ما رواه ابن إسحاق، كما في "سيرة ابن إسحاق" (ص 197 – 199) وغيره، قال: حدثني شيخ من أهل مكة قديم منذ بضع وأربعين سنة عن عكرمة عن ابن عباس:

" أن عتبة وشيبة إبني ربيعة، وأبا سفيان بن حرب، والنضر بن الحارث أخا بني عبد الدار، وأبا البختري أخا بني أسد، والأسود بن المطلب بن أسد، وزمعة بن الأسود، والوليد بن المغيرة، وأبا جهل بن هشام، وعبد الله بن أبي أمية، وأمية بن خلف، والعاصي ابن وائل، ونبيه ومنبه ابني الحجاج السهميين اجتمعوا، أو من اجتمع منهم بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة، فقال بعضهم لبعض: ابعثوا إلى محمد وكلموه وخاصموه حتى تعذروا فيه...

وقال قائلهم: نحن نعبد الملائكة وهن بنات الله، وقال قائلهم: لن نؤمن لك حتى تأتينا بالله والملائكة قبيلا، فلما قالوا له ذلك قام رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم، وقام معه عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وهو ابن عمته، ابن عاتكة بنت عبد المطلب، فقال له: يا محمد عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله منهم، ثم سألوك لأنفسهم أمورا ليعرفوا بها منزلتك من الله فلم تفعل، ثم أن تعجل لهم بعض ما تخوفهم به من العذاب، فوالله لا أومن بك أبدا حتى تتخذ إلى السماء سلما، ثم ترقى فيه وأنا أنظر حتى تأتيها، ثم تأتي معك بصك منشور، ومعك أربعة من الملائكة يشهدون أنك كما تقول، وإيم الله أن لو فعلت ذلك ما ظننت أني أصدقك... ".

والله أعلم.

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

المصدر: موقع الإسلام سؤال وجواب