الخميس 5 جمادى الأولى 1443 - 9 ديسمبر 2021
العربية

المخالفات العقدية في شعر المتنبي

337636

تاريخ النشر : 04-01-2021

المشاهدات : 6254

السؤال

ما قولكم في المتنبي ؟ وهل في أشعار المتنبي شيء مخرج عن الملة، أو شيء يدل على الكفر؟

الجواب

الحمد لله.

أولا: التعريف بالمتنبي 

المتنبي: أحمد بن الحسين بن الحسن بن عبد الصمد أبو الطيب الجعفي الكِندي، أبرز شعراء عصره، وهو كما قال ابن كثير: "وللمتنبي ديوان مشهور في الشعر، فيه أشعار رائقة ومعان ليست بمسبوقة، بل مبتكرة سابقة، وهو في الشعراء المحدثين كامرئ القيس في الشعراء المتقدمين" انتهى من "البداية والنهاية" (15/ 276).

وقال الذهبي: " شاعر الزمان، أبو الطيب أحمد بن حسين بن حسن الجعفي الكوفي الأديب، الشهير بالمتنبي.

ولد سنة ثلاث وثلاث مائة، وأقام بالبادية، يقتبس اللغة والأخبار، وكان من أذكياء عصره.

بلغ الذروة في النظم، وأربى على المتقدمين، وسار ديوانه في الآفاق" انتهى من "سير أعلام النبلاء" (16/ 199).

وقد قيل : إنه ادعى النبوة، وقال كلاما ركيكا زعم أنه قرآن أنزل عليه، وقد سجن لذلك واستتيب فأعلن توبته.

قال ابن الجوزي: " وكان المتنبي لما خرج إلى كلب، فأقام بينهم ادعى أنه علوي حسني، ثم ادعى بعد ذلك النبوة، ثم عاد يدعي أنه علوي إلى أن شهد عليه بالشام بالكذب في الدعوتين، وحبس دهرًا طويلًا، وأشرف على القتل، ثم استتيب وأشهد عليه بالتوبة وأطلق.

قال المحسن: وحدثني أبو علي بن أبي حامد، قال: سمعت خلقا كثيرًا بحلب يحكون وأبو الطيب المتنبي بها إذ ذاك أنه تنبأ في بادية السماوة ونواحيها إلى أن خرج بها لؤلؤ أمير حمص، فقاتله وأسره وشرد من كان اجتمع إليه من كلب وكلاب وغيرهما من قبائل العرب، وحبسه دهرًا طويلا فاعتل وكاد يتلف، فسئل في أمره، فاستتابه وكتب عليه ببطلان ما ادعاه ورجوعه إلى الإسلام، قال: وكان قد تلا على البوادي كلامًا ذكر أنه قرآنا أنزل عليه، فمن ذلك: والنجم السيار، والفلك الدوار، والليل والنهار، إن الكافر لفي أخطار، امض على سنتك واقف أثر من كان قبلك من المرسلين، فإن الله قامع بك زيغ من أَلْحَدَ في دينه وضل عن سبيله" انتهى من "المنتظم" (14/ 164).

وللعلامة المحقق الشيخ محمود محمد شاكر رحمه الله، بحث وتحقيق حول "نبوة المتنبي"، ودراسة نقدية للمصادر التي أوردته. فينظر في كتابه المهم الكبير: "المتنبي" .

ثانيا: المخالفات العقدية عند المتنبي 

الكلام على المخالفات العقدية في شعر المتنبي أو غيره يحتاج إلى دراسة لديوانه، وقد قام أحد الباحثين بذلك، وهو الأستاذ إبراهيم بن علي بن محمد الشريم، وكتب: " المخالفات العقدية في ديوان أبي الطيب المتنبي : جمعاً ودراسة" وهي رسالة ماجستير مقدمة لجامعة أم درمان.

ومما وقفنا عليه مما انتقد على المتنبي:

1-قوله:

يرتشفن من فمي رشفاتٍ ... هن فيه أحلى من التوحيدِ

قال الواحدي: " ويروى أحلى من التأييد ، يقال رشفت الريق ، وترشفته : إذا مصصته ؛ يقول: كن يمصصن ريقي لحبهن إياي ، كانت تلك الرشفات أحلى في فمي من كلمة التوحيد ، وهي لا إله إلا الله ، وهذا افراطٌ وتجاوز حدٍّ" انتهى من "شرح ديوان المتنبي للواحدي"، النيسابوري المتوفى 468هـ، ص16 (ترقيم الشاملة).

وقال ابن القيم: " فتأمل حال أكثر عشاق الصور تجدها مطابقة لذلك، ثم ضع حالهم في كفة، وتوحيدهم وإيمانهم في كفة، ثم زن وزنا يرضى الله به ورسوله ويطابق العدل، وربما صرح العاشق منهم بأن وصل معشوقه أحب إليه من توحيد ربه، كما قال العاشق الخبيث:

يترشفن من فمي رشفات ... هن أحلى فيه من التوحيد" انتهى من "الجواب الكافي"، ص211

2-قوله:

إن كان مثلك كان أو هو كائنٌ ... فبرئت حينئذٍ من الإسلامِ

قال الواحدي س295: "هذا من المدح البارد الذي ، يدل على رقة دين ، وسخافة عقل ، وهو من شعر الصِّبا" انتهى.

3-قوله:

لعظُمتَ حتى لو تكون أمانة ... ما كان مؤتمنا بها جبرين

قال الواحدي: "جبرين : لغة في جبريل ، بكسر الجيم وحذف الهمزة وتبدل اللام نونا ، وكذاك يقال إسماعيل وإسمعين وإسرائيل وإسرائين.

يقول: لو كنت أمانة لكنت عظيما ، لا يؤتمن بها جبريل الأمين على وحي الله وكتبه إلى أنبيائه، وهذا إفراط وتجاوز حد ، يدل على قلة دين وسخافة عقل" انتهى.

وقال أبو البقاء العكبري (ت616هـ) بعد نقل كلام الواحدي: " بل يدل على زندقة وَكفر" انتهى من "شرح ديوان المتنبي" (4/ 208).

4-قوله:

يا من ألوذ به فيما أؤمله ... ومن أعوذ به مما أحاذره

لا يجبر الناس عظما أنت كاسره ... ولا يهيضون عظما أنت جابره

قال ابن كثير: "وقد بلغني عن شيخنا العلامة أبي العباس أحمد بن تيمية - رحمه الله – أنه كان ينكر على المتنبي هذه المبالغة، ويقول: إنما يصلح هذا لجناب الله عز وجل.

وأخبرني العلامة شمس الدين بن القيم - رحمه الله - أنه سمع الشيخ يقول: ربما قلت هذين البيتين في السجود" انتهى من "البداية والنهاية" (15/ 275).

وقال ابن القيم في "شفاء العليل"، ص240: " من صفات الكمال وأفعال الحمد والثناء : أنه يجود ويعطي ويمنح ، فمنها أن يعيذ وينصر ويغيث، فكما يحب أن يلوذ به اللائذون ، يحب أن يعوذ به العائذون. وكمال الملوك أن يلوذ بهم أولياؤهم ، ويعوذوا بهم ، كما قال أحمد بن حسين الكندي في ممدوحه:

يا من ألوذ به فيما أؤمله ... ومن أعوذ به مما أحاذره

لا يجبر الناس عظما أنت كاسره ... ولا يهيضون عظما أنت جابره

ولو قال ذلك في ربه وفاطره لكان أسعد به من مخلوق مثله" انتهى.

5-قوله:

لَو كَانَ علمك بالإله مقسمًا ... فِي النَّاس مَا بعث الْإِلَه رَسُولا

أَو كَانَ لفظك فيهم ، مَا أنزل التّــَوْرَاة وَالْفرْقَان ، والإنجيلا

وَقَوله:

لَو كَانَ ذُو القرنين أعمل رَأْيه ... لمّا أَتَى الظُّلُمَات ، صرن شموسا

أَو كَانَ صَادف رَأس عازر سَيْفه ... فِي يَوْم معركة ، لأعيا عِيسَى

عازر اسْم الرجل الَّذِي أَحْيَاهُ الْمَسِيح عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام بِإِذن الله عز وَجل

أَو كَانَ لج الْبَحْر مثل يَمِينه ... مَا انْشَقَّ حَتَّى جَازَ فِيهِ مُوسَى

قال الثعالبي بعد نقله هذه الأبيات: "وَكَأن الْمعَانِي أعيته حَتَّى التجأ إِلَى استصغار أُمُور الْأَنْبِيَاء" انتهى من "يتيمة الدهر" (1/ 211).

6-قوله:

أَي مَحل أرتقي ... أَي عَظِيم أتقي

وكل مَا قد خلق الله ، وَمَا لم يخلق

محتقر فِي همتي كشعرة فِي مفرقي

قال الثعالبي: " وقبيح بِمن أَوله نُطْفَة مذرة ، وَآخره جيفة قذرة ، وَهُوَ فِيمَا بَينهمَا حَامِل بَوْل وعذرة: أَن يَقُول مثل هَذَا الْكَلَام الَّذِي لَا تسعه معذرة" انتهى من "يتيمة الدر" (1/ 211).

وقال أبو العباس المهلبي (ت644هـ): " قال: هذا غلو نستعيذ بالله منه!

وقال غيره: هذا كلام ما خرج من راس صحيح!

وقلت: إن من الشعراء من يقع منه في حال شبيبته، أو في حال غضبه، أو سكره (أشعار) يرغب العاقل المستبصر عن إثباتها له، وروايتها عنه، فيسقطها عند إفاقته وتأمله، ولا يكاد يذكرها بعد ذلك. وهذا المتنبي كان يُقرأ عليه ديوان شعره ، إلى حين هلاكه ؛ ولا يسقط شيئا منه، مما يقدح في دينه وعقله، ويثلم في فضله ومروءته، ولا يغيره. هذا مع أنه لا يشتمل على لفظ بديع ولا معنى غريب" انتهى من "المآخذ على شُرّاح ديوان أبي الطَّيب المُتَنَبِّي" (1/ 173).

فهذه نماذج من المخالفات العقدية الواردة في شعر المتنبي، ومن أراد المزيد ، والنظر في المناقشات حول ذلك : فليرجع إلى الرسالة والمصادر المذكورة، وللأستاذ عبد الله كنون بحث حول ذلك نشره في مجلة الرسالة، ومثله للأستاذ سعيد الأفغاني.

وصدق الله تعالى إذ يقول:  وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (224) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (225) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (226) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ  الشعراء/224-227

والله أعلم.

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

المصدر: موقع الإسلام سؤال وجواب