الأحد 23 ربيع الآخر 1443 - 28 نوفمبر 2021
العربية

الفرق بين التصريح والتعريض في خطبة المعتدة وهل فيه فتح باب للفتنة؟

344922

تاريخ النشر : 14-10-2021

المشاهدات : 612

السؤال

قرأت في كتاب الفقه الميسر في أحكام الخطبة أن التصريح محرم؛ لأن المرأة قد تفتن، وتتعجل العدة، وتصرح بإنقضاء عدتها قبل إنقضائها خوفا من أن يتزوج الرجل غيرها، أنا أعلم أن الله أباح التعريض (وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ)، لأنه علم بعدم الصبر على السكوت عنهن، كما قال تعالى (عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ)، ولكن ألا يؤدي التعريض كذلك لنفس الفتنة؟ وقد سمعت أن التعريض يكون مثلا بقول الرجل (مثلك لا يفرط فيها الرجال أبدا)، أو (إذا إنقضت عدتك فأخبريني)، ولكن ألا يفتح ذلك أيضا أبوابا للفتن؟ ألا يكون ذلك مشابها بالعلاقة الغير الشرعية؟ وهل هذا معناه أنه يجوز للرجل أن يتقدم للمرأة ويتعرف عليها دون إعلام وليها بالأمر؟

الحمد لله.

أولا:

يحرم التعريض بخطبة المطلقة الرجعية

يحرم التصريح والتعريض بخطبة المطلقة الرجعية أثناء العدة؛ لأنها في حكم الزوجة، فلزوجها أن يراجعها في أي وقت شاء ما دامت في العدة .

قال القرطبي رحمه الله في تفسيره (3/ 188): " ولا يجوز التعريض لخطبة الرجعية إجماعا؛ لأنها كالزوجة" انتهى.

ثانيا:

يجوز التعريض بخطبة المعتدة من وفاة أو طلاق بائن

أما المعتدة من وفاة، أو طلاق بائن، فيجوز التعريض لها بالخطبة دون التصريح ، لقوله تعالى: وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ البقرة/235.

قال ابن عطية رحمه الله في تفسيره (1/ 315):

" والتعريض هو الكلام الذي لا تصريح فيه، كأنه يَعْرِض لفكر المتكلم به.

وأجمعت الأمة على أن الكلام مع المعتدة بما هو نص في تزويجها ، وتنبيه عليه : لا يجوز. وكذلك أجمعت على أن الكلام معها ، بما هو رفث وذكر جماع أو تحريض عليه: لا يجوز. وجُوِّز ما عدا ذلك" انتهى.

وقال السعدي رحمه الله في تفسيره، ص 106: " هذا حكم المعتدة من وفاة، أو المبانة في الحياة. فيحرم على غير مبينها (زوجها) أن يصرح لها في الخطبة, وهو المراد بقوله : ( وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا).

وأما التعريض, فقد أسقط تعالى فيه الجناح.

والفرق بينهما: أن التصريح, لا يحتمل غير النكاح, فلهذا حرم, خوفاً من استعجالها, وكذبها في انقضاء عدتها, رغبة في النكاح ، وقضاءً لحق زوجها الأول, بعدم مواعدتها لغيره مدة عدتها.

وأما التعريض، وهو الذي يحتمل النكاح وغيره: فهو جائز للبائن؛ كأن يقول: إني أريد التزوج, وإني أحب أن تشاوريني عند انقضاء عدتك, ونحو ذلك, فهذا جائز لأنه ليس بمنزلة التصريح, وفي النفوس داع قوي إليه.

وكذا إضمار الإنسان في نفسه أن يتزوج من هي في عدتها, إذا انقضت (يعني لا حرج فيه أيضاً) . ولهذا قال : ( أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ ) .

هذا التفصيل كله, في مقدمات العقد. وأما عقد النكاح : فلا يحل ( حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ )؛ أي: تنقضي العدة " انتهى .

فالواجب الامتثال للشرع، والوقوف عند حدوده، وقد فرق بين التصريح والتعريض، وهو سبحانه أعلم بخلقه وما يصلحهم.

الحكمة في التفريق بين التصريح بالخطبة والتعريض بها

وبالنظر إلى الحكمة المستنبطة، وهو أن التصريح بالخطبة قد يحمل المرأة على الاستعجال وادعاء انقضاء عدتها ليعقد عليها الخاطب، فإن هذا المعنى يضعف عند الاقتصار على التعريض، لأنه كلام محتمل لا ينبئ عن رغبة جازمة، فقد يخطبها وقد لا يخطبها، فلا يظن بالمرأة أن تدعي انقضاء العدة، لتنظر هل يخبطها أم لا.

والحاصل:

أن الشرع راعى الأمرين:

1-مصلحة ألا تفوته المرأة؛ فقد يخطبها غيره بعد العدة مباشرة.

2-أن المفسدة هنا غير حاصلة، أو أن الغالب أنها ألا تقع.

ثم إن التعريض يحتمل أن الشخص لا يريدها لنفسه، بل قد يبحث لها عن زوج مناسب، كما روى مسلم (1480) أن النبي صلى الله عليه أرسل إلى فاطمة بنت قيس في عدتها:  أَنْ لَا تَسْبِقِينِي بِنَفْسِكِ ، وَأَمَرَهَا أَنْ تَنْتَقِلَ إِلَى أُمِّ شَرِيكٍ... فَلَمَّا مَضَتْ عِدَّتُهَا أَنْكَحَهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ.

وفي بعض ما مثل به الفقهاء للتعريض إشكال كقول الرجل: إني فيك لراغب، فهذا قريب من التصريح.

قال ابن عاشور في تفسيره(2/ 452): " وأما قوله: إني فيك لراغب، فهو بمنزلة صريح الخطبة، وأمره مشكل، وقد أشار ابن الحاجب إلى إشكاله بقوله: قالوا : ومثل: إني فيك لراغب؛ أكثر هذه الكلمات تصريحا، فينبغي ترك مثله ...

وفي تفسير ابن عرفة : «قيل : إن شيخنا محمد بن أحمد بن حيدرة كان يقول: إذا كان التعريض من أحد الجانبين فقط. وأما إذا وقع التعريض منهما؛ فظاهر المذهب أنه كصريح المواعدة " انتهى.

ثالثا:

قيد الشرع جواز الكلام مع المرأة للحاجة وبشرط أمن الفتنة 

يجوز للرجل أن يتقدم لخطبة المرأة من نفسها قبل وليها، كما يجوز للمرأة أن تعرض نفسها للزواج من رجل، وهذا كله يقيد بصلاح الناس، وسلامة صدورهم وأمن الفتنة.

وينبغي فيه ألا يكون الكلام مباشرا بينهما، بل يوسط الرجل امرأة تسأل المرأة، وكذلك العكس، وهذا قد يكون أفضل من الذهاب إلى وليها قبل معرفة رأيها، في بعض الأحيان، فيطمئن أولا إلى موافقتها.

والله تعالى مطلع رقيب، يعلم المصلح من المفسد، ومن يريد العفاف، ومن يريد العلاقة المحرمة. والمرأة الصالحة لو ألمح لها رجل بالخطبة، أو صرح، فإنها لن تتمادى في الكلام، بل تقول: تعالى إلى وليي، فيكون هذا إشارة إلى قبولها، أو توصل الرفض له عن طريق غيرها.

وإذا كان الأمر جائزا واستغله مفسد ليفتح باب الفتنة على نفسه وغيره، فلا يلام الشرع، والشرع قد قيد الجواز بأنه يكون عند أمن الفتنة، كما نقول: يجوز كلام الرجل مع المرأة، للحاجة؛ عند أمن الفتنة، فمن خاف الفتنة، أو شعر بالشهوة، وهي التلذذ بالكلام، أو شعر بتعلق القلب، فيجب عليه الكف عن ذلك.

والأصل فيمن يتقدم للخطبة- تصريحا أو تلميحا- أنه يريد الزواج والعفاف، ويخاف أن تفوته المرأة، فلا علاقة لهذا بالعابثين وأصحاب الشهوات والعلاقات المحرمة؛ كما أن الشرع إذا ندب للخاطب أن ينظر إلى من يريد خطبتها، لم يكن ذلك فتحا لأعين البصاصين، ولا تسليطا للمفسدين على النظر إلى النساء.

والله أعلم.

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

المصدر: موقع الإسلام سؤال وجواب