السبت 9 ذو الحجة 1445 - 15 يونيو 2024
العربية

حكم الأكل من بيوت الأقارب

365105

تاريخ النشر : 13-03-2022

المشاهدات : 17541

السؤال

ما حكم تناول الطعام و الشراب عند أقاربي النساء كالعمة والخالة، وهكذا، هل يجب على استئذانهم أم لا ؟ وهل يجوز لي تناول شيء من الطعام في بيتهم إذا كان الزوج لا يرضى بذلك؟

الجواب

الحمد لله.

أولاً: 

صحت الأدلة الشرعية بتحريم أكل شيء من أموال الناس إلا بشرط رضاهم وإذنهم؛ ومن ذلك:

قول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا  النساء/29.

وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لاَ يَحْلُبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ امْرِئٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تُؤْتَى مَشْرُبَتُه، فَتُكْسَرَ خِزَانَتُه، فَيُنْتَقَلَ طَعَامُهُ؟ فَإِنَّمَا تَخْزُنُ لَهُمْ ضُرُوعُ مَوَاشِيهِمْ أَطْعِمَاتِهِمْ، فَلاَ يَحْلُبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِهِ رواه البخاري (2435)، ومسلم (1726).

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:

" قال ابن عبد البر: في الحديث النهي عن أن يأخذ المسلم للمسلم شيئا إلا بإذنه، وإنما خص اللبن بالذكر لتساهل الناس فيه؛ فنبه به على ما هو أولى منه " انتهى من"فتح الباري" (5/ 89).

وقال النبي صلى الله عليه وسلم : (لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ إِلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ ...) رواه أحمد في "المسند" (34/299) وقال محققو المسند: صحيح لغيره.

لكن الإذن لا يشترط أن يكون بالقول، فلو علم المسلم بالعرف والعادة أن صاحب الطعام يرضى أن يأكل الناس من طعامه ولو لم يستأذنوه، فيجوز في هذه الحال الأكل من طعامه من غير استئذان؛ لأن الإذن العرفي كالإذن اللفظي.

قال ابن القيم رحمه الله تعالى:

"وقد استقرت قواعد الشرع على أن الإذن العرفي كاللفظي " انتهى من"مدارج السالكين" (2/ 1019).

ومن ذلك: جواز أكل المسلم من بيوت أقاربه بدون استئذان فيما يتسامح فيه عادة.

قال الله تعالى: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ النور/61.

قال أبو بكر الجصاص رحمه الله تعالى:

" فأباح الأكل من بيوت هؤلاء الأقرباء ذوي المحارم بجريان العادة ببذل الطعام لأمثالهم ...

قال قتادة: " ... ( أَوْ صَدِيقِكُمْ ) ولو دخلت على صديق فأكلت من طعامه بغير إذنه كان ذلك حلالا ".

قال أبو بكر: وهذا أيضا مبني على ما جرت العادة بالإذن فيه، فيكون المعتاد من ذلك كالمنطوق به، وهو مثل ما تتصدق به المرأة من بيت زوجها، بالكسرة ونحوها، من غير استئذانها إياه، لأنه متعارف أنهم لا يمنعون من مثله " انتهى من "أحكام القرآن" (5/198).

وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله تعالى:

" وهذا الحرج المنفي عن الأكل من هذه البيوت، كل ذلك إذا كان بدون إذن، والحكمة فيه معلومة من السياق، فإن هؤلاء المسمين قد جرت العادة والعرف بالمسامحة في الأكل منها، لأجل القرابة القريبة، أو التصرف التام، أو الصداقة، فلو قدر في أحد من هؤلاء عدم المسامحة والشح في الأكل المذكور، لم يجز الأكل، ولم يرتفع الحرج، نظرا للحكمة والمعنى " انتهى من "تفسير السعدي" (ص575).

فإذا علم المسلم أن صاحب البيت لا يحب ولا يأذن بالأكل من طعامه، فلا يجوز الأكل منه.

قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى:

" فالمراتب ثلاثة:

المرتبة الأولى: أن تعلم رضا صاحب البيت بأكلك؛ فهذا جائز من هذه البيوت ومن غيرها.

المرتبة الثانية: أن تعلم عدم رضاه؛ فلا تأكل لا من هذه البيوت ولا من غيرها؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ إِلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ ).

المرتبة الثالثة: ألا تعلم رضاه من عدم رضاه، فهنا يفرّق بين من ذكر وغيرهم، فيقال: تأكل من بيوت هؤلاء؛ لأن الغالب رضاهم، لوجود صلة بينك وبينهم من القرابة أو الصداقة أو الائتمان، يعني حقيقة الأمر: أن الأكل من هذه البيوت ترجع إلى ثلاثة أشياء: إما قرابة أو ائتمان أو صداقة؛ فالقرابة ذُكروا، وأما الائتمان ففي قوله: ( أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ )، وأما الصداقة ففي قوله: ( أَوْ صَدِيقِكُمْ )؛ ففي حالة عدم العلم بالرضا والسخط نقول: يجوز الأكل من هذه البيوت دون غيرها " انتهى من"تفسير سورة النور" (ص 412–413).

ثانيا:

وأما الأكل من الطعام الذي تقدمه العمة أو الخالة إذا كان زوجها رافضا لهذا التصرف، فهنا ينظر إلى المالك له:

فإن كان ملكا لزوجها، فلا يجوز الأكل منه، مادام قد أظهر عدم الرضا وعدم الإذن.

عَنْ أَبِي أُمَامَةَ البَاهِلِيِّ قَالَ: "سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي خُطْبَتِهِ عَامَ حَجَّةِ الوَدَاعِ يَقُولُ: لَا تُنْفِقُ امْرَأَةٌ شَيْئًا مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا إِلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا .

قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَلَا الطَّعَامُ؟

قَالَ: ذَاكَ أَفْضَلُ أَمْوَالِنَا.

رواه الترمذي (670) وقال: " حَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ "، وحسنه الشيخ الألباني في "صحيح سنن الترمذي".

وأما إن كان هذا الطعام ملكا للعمة أو الخالة وليس ملكا لزوجها، فالأصل أنه يجوز الأكل منه؛ لأنها ما دامت بالغة رشيدة، فلها الحق في التصرف في مالها، خاصة في مثل هذه الأمور اليسيرة التي يتسامح فيها الناس عادة.

قال ابن قدامة رحمه الله تعالى:

" للمرأة الرشيدة التصرف في مالها كله، بالتبرع، والمعاوضة...

لقوله تعالى: ( فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ). وهو ظاهر في فك الحجر عنهم، وإطلاقهم في التصرف...

ولأن من وجب دفع ماله إليه لرشد، جاز له التصرف فيه من غير إذن كالغلام، ولأن المرأة من أهل التصرف، ولا حق لزوجها في مالها. فلم يملك الحجر عليها في التصرف بجميعه" انتهى من "المغني" (6/ 602–604).

وجاء في "الموسوعة الفقهية الكويتية" (45/159):

" الولاية على المال نوعان: قاصرة، ومتعدية.

فالقاصرة: هي سلطة المرء على مال نفسه، وهي ثابتة لكل من له أهلية الأداء الكاملة، وهو البالغ العاقل الرشيد من الذكور والإناث، فله أن يتصرف في مال نفسه بما يشاء من أنواع التصرفات السائغة شرعا " انتهى.

والله أعلم.

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

المصدر: موقع الإسلام سؤال وجواب