الجمعة 13 شعبان 1445 - 23 فبراير 2024
العربية

ما المقصود بقوله تعالى عن السماء (وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ)؟

471308

تاريخ النشر : 29-11-2023

المشاهدات : 1411

السؤال

ما هو تفسير آية: (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ)؟

الجواب

الحمد لله.

أولا:

قال تعالى: وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ الذريات/47.

وقد اختلف السلف في تفسير قوله تعالى : ( لموسعون ) في هذه الآية.

قال الماوردي رحمه الله: " وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ فيه خمسة أوجه: أحدها: لموسعون في الرزق بالمطر , قاله الحسن. الثاني: لموسعون السماء ، قاله ابن زيد. الثالث: لقادرون على الاتساع [كذا، ولعل صوابها: الإيساع]، بأكثر من اتساع السماء. الرابع: لموسعون بخلق سماء ملثها، قاله مجاهد. الخامس: لَذَوُو سعة لا يضيق علينا شيء نريده." انتهى، من "النكت والعيون" (5/373-374). وينظر: "زاد المسير" (8/41).

ويقول الفخر الرازي رحمه الله: "وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ فِيهِ وُجُوهٌ؛ أَحَدُهَا: أَنَّهُ مِنَ السَّعَةِ، أَيْ أَوْسَعْنَاهَا بِحَيْثُ صَارَتِ الْأَرْضُ وَمَا يُحِيطُ بِهَا مِنَ الْمَاءِ وَالْهَوَاءِ، بِالنِّسْبَةِ إِلَى السَّمَاءِ وَسَعَتِهَا: كَحَلْقَةٍ فِي فَلَاةٍ.

وَالْبِنَاءُ الْوَاسِعُ الْفَضَاءِ: عَجِيبٌ، فَإِنَّ الْقُبَّةَ الْوَاسِعَةَ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا الْبَنَّاءُونَ، لِأَنَّهُمْ يَحْتَاجُونَ إِلَى إِقَامَةِ آلَةٍ يَصِحُّ بِهَا اسْتِدَارَتُهَا، وَيَثْبُتُ بِهَا تَمَاسُكُ أَجْزَائِهَا إِلَى أَنْ يَتَّصِلَ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ" انتهى، من "مفاتيح الغيب" (28/288).

وقال ابن كثير رحمه الله في "تفسيره" (7/424): "وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا أَيْ: جَعَلْنَاهَا سَقْفًا مَحْفُوظًا رَفِيعًا. بِأَيْدٍ أَيْ: بِقُوَّةٍ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وقَتَادَةُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ، أَيْ: قَدْ وَسَّعْنَا أَرْجَاءَهَا، وَرَفَعْنَاهَا بِغَيْرِ عَمِدٍ، حَتَّى اسْتَقَلَّتْ كَمَا هِيَ" انتهى.

وقال القاسمي، رحمه الله: " (وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ): أي لقادرون على الإيساع، كما أوسعنا بناءها." انتهى، من "محاسن التأويل" (9/44).

وقال الشيخ السعدي رحمه الله في "تفسيره" (ص811): "يقول تعالى مبينًا لقدرته العظيمة: وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا أي: خلقناها وأتقناها، وجعلناها سقفًا للأرض وما عليها.

بِأَيْدٍ أي: بقوة وقدرة عظيمة وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ لأرجائها وأنحائها، وإنا لموسعون أيضا على عبادنا، بالرزق الذي ما ترك الله دابة في مهامه القفار، ولجج البحار، وأقطار العالم العلوي والسفلي، إلا وأوصل إليها من الرزق، ما يكفيها، وساق إليها من الإحسان ما يغنيها.

فسبحان من عم بجوده جميع المخلوقات، وتبارك الذي وسعت رحمته جميع البريات" انتهى.

ثانيا:

إذا حملنا الآية على أن المراد بها: أن الله تعالى أوسع أرجاء السماء بقدرته، أو أنه قادر على الإيساع في خلقه، بما شاء، أكثر مما أوسع السماء؛ فيكون في الآية الكريمة إشارة علمية، تعد من بينات صدق الوحي، وذلك من ناحيتين:

  1- أنها تشير إلى أن السماء قد بنيت بناءاً محكماً، وأنها ليست عبارة عن فراغ كما كان يصفه العلماء ويسمونه فضاءاً، فعندما بدأ العلماء باكتشاف الكون أطلقوا عليه كلمة space أي (فضاء)، وذلك لظنهم بأن الكون مليء بالفراغ، ولكن بعدما تطورت معرفتهم بالكون، واستطاعوا رؤية بنيته بدقة مذهلة، ورأوا نسيجاً كونياً. cosmic web محكماً ومترابطاً، صاروا يطلقون مصطلحا جديدا هو (بناء) أي building

فلقد وجدوا أن السماء بناء محكم التشييد، دقيق التماسك والترابط، وليست فراغاً كما كان يعتقد إلى عهد قريب، وأنها بناء محكم التشييد، متماسك الأطراف، وهذه حقيقة لم يدركها العلماء إلا في القرن العشرين، بل في العقود المتأخرة منه.

فالمجرات وتجمعاتها تشكل لبنات هذا البناء، كما بدأوا يتحدثون عن هندسة بناء الكون، ويطلقون مصطلحات جديدة مثل الجسور الكونية، والجدران الكونية، وأن هنالك مادة غير مرئية سموها بالمادة المظلمة أي dark matter، وهذه المادة تملأ الكون، وتسيطر على توزيع المجرات فيه، وتشكل جسوراً تربط هذه المجرات بعضها ببعض.

وكل هذا أشار له الله سبحانه وتعالى بكلمة واحدة: (بَنَيْنَاهَا).

2- أنها تشير إلى توسع الكون، وقد ظل علماء الفلك إلى مطلع العقد الثاني من القرن العشرين، ينادون بثبات الكون وعدم تغيره، في محاولة يائسة لنفي الخلق، والتنكر للخالق سبحانه وتعالى، حتى ثبت عكس ذلك، بتطبيق ظاهرة دوبلر على حركة المجرات الخارجة عن مجرتنا، فقد لاحظ دوبلر أن تلك الظاهرة تنطبق أيضاً على الموجات الضوئية، فعندما يصل إلى عين الراصد ضوء منبعث من مصدر متحرك بسرعة كافية، يَحدُث تغير في تردد ذلك الضوء، فإذا كان المصدر يتحرك مقترباً من الراصد، فإن الموجات الضوئية تتضاغط، وينزاح الضوء المدرك نحو التردد العالي (أي نحو الطيف الأزرق)، وتعرف هذه الظاهرة باسم الزحزحة الزرقاء، وإذا كان المصدر يتحرك مبتعداً عن الراصد، فإن الموجات الضوئية تتمدد، وينزاح الضوء المدرك نحو التردد المنخفض، أي نحو الطرف الأحمر من الطيف، وتعرف هذه الظاهرة باسم الزحزحة الحمراء، وقد اتضحت أهمية تلك الظاهرة عندما بدأ الفلكيون في استخدام أسلوب التحليل الطيفي للضوء القادم من النجوم الخارجة عن مجرتنا في دراسة تلك الأجرام السماوية البعيدة جداً عنا.

وفي سنة1914 م أدرك الفلكي الأمريكي سلايفر Slipher أنه بتطبيق ظاهرة دوبلر على الضوء القادم إلينا من النجوم في عدد من المجرات البعيدة عنا، ثبت له أن معظم المجرات التي قام برصدها تتباعد عنا وعن بعضها البعض بسرعات كبيرة، وبدأ الفلكيون في مناقشة دلالة ذلك، حتى تمكن الفلكي الأمريكي الشهير إدوين هبل Edwin Hubble في سنة 1929م  من الوصول إلى الاستنتاج الفلكي الدقيق الذي مؤداه: أن سرعة تباعد المجرات عنا، تتناسب تناسبا طردياً مع بعدها عنا، والذي عرف من بعد باسم قانون هبل Hubble's law  وبتطبيق هذا القانون تمكن هبل من قياس أبعاد العديد من المجرات، وسرعة تباعدها عنا، وذلك بمشاركة من مساعده ملتون هيوماسون Milton Humason الذي كان يعمل معه في مرصد جبل ولسون بولاية كاليفورنيا، وذلك في بحث نشراه معاً في سنة 1934 م.

وقد أشار تباعد المجرات عنا وعن بعضها البعض، إلى حقيقة توسع الكون المدرك، التي أثارت جدلاً واسعاً بين علماء الفلك، الذين انقسموا فيها بين مؤيد ومعارض، حتى ثبتت ثبوتاً قاطعاً بالعديد من المعادلات الرياضية والقراءات الفلكية في صفحة السماء.

وفي سنة1917 م أطلق ألبرت أينشتاين A.Einstein نظريته عن النسبية العامة لشرح طبيعة الجاذبية، وأشارت النظرية إلى أن الكون الذي نحيا فيه غير ثابت، فهو إما أن يتمدد أو ينكمش، وفقاً لعدد من القوانين المحددة له، وجاء ذلك على عكس ما كان أينشتاين وجميع معاصريه من الفلكيين وعلماء الفيزياء النظرية يعتقدون، انطلاقاً من محاولاتهم اليائسة لمعارضة الخلق، وقد أصاب أينشتاين الذعر عندما اكتشف أن معادلاته تنبئ -رغم أنفه- بأن الكون في حالة تمدد مستمر، ولذلك عمد إلى إدخال معامل من عنده، أطلق عليه اسم الثابت الكوني، ليلغي حقيقة تمدد الكون من أجل الادعاء بثباته واستقراره، ثم عاد ليعترف بأن تصرفه هذا كان أكبر خطأ علمي اقترفه في حياته.

وقد تبين فيما بعد أن المجرات لا تبتعد فقط عنا، بل هي تتباعد فيما بينها كذلك، وهذا يعني أن الكون يتوسع على الدوام.

وهو ما تشير إليه الآية الكريمة بكلمتين: (وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ).

انظر فيما سبق هذا المقال للمهندس محمود جابر.

والله أعلم

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

المصدر: موقع الإسلام سؤال وجواب