الاثنين 18 ذو الحجة 1445 - 24 يونيو 2024
العربية

من شرع في الصلاة منفردا ثم نوى الاقتداء بغيره، هل تصح صلاته؟

491490

تاريخ النشر : 16-03-2024

المشاهدات : 919

السؤال

إذا أقمت الصلاة، وبدأت الصلاة، وكبرت تكبيرة الإحرام، وجاء جماعة فبدؤو الصلاة، فهل يصح لك أن تتبعهم؟ وأيضا إذا عقدت الركوع فهل يصح لك أن تتبعهم؟

ملخص الجواب

ثبت في السنة صحة انتقال المصلي من إمام إلى مأموم، ومن منفرد إلى إمام، ومن مأموم إلى منفرد، فيصح إذًا الانتقال من نية الانفراد إلى الائتمام؛ لعدم الفارق، وهذا الراجح إن شاء الله تعالى؛ لأن الشرع لا يفرق بين الأمور المتماثلة.

الجواب

الحمد لله.

هذه المسألة من مسائل الخلاف بين أهل العلم.

فذهب جمهور أهل العلم من الحنفية والمالكية والحنابلة إلى أن من شرع في الصلاة منفردا: لا يصح أن يغير نيته إلى الائتمام والاقتداء بغيره؛ ورأوا أن نية الائتمام يجب أن تكون منعقدة من بداية الصلاة، فلا تتبعض.

جاء في"الموسوعة الفقهية الكويتية" (6/20):

" ويشترط في النية أن تكون مقارنة للتحريمة، أو متقدمة عليها بشرط ألا يفصل بينها وبين التحريمة فاصل أجنبي.

وعلى ذلك: فلا تصح نية الاقتداء في خلال الصلاة بعدما أحرم ‌منفردا، عند جمهور الفقهاء: الحنفية، والمالكية، وهو رواية عند الحنابلة " انتهى.

وذهب جمع من أهل العلم إلى جواز وصحة أن يشرع المصلي في الصلاة منفردا، ثم إذا رأى جماعة نوى الالتحاق بها؛ لأنه قد ثبت في السنة صحة انتقال المصلي من إمام إلى مأموم، ومن منفرد إلى إمام، ومن مأموم إلى منفرد.

كما روى البخاري (683) ومسلم (418) عَنْ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، قَالَتْ: " أَمَرَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَبَا بَكْرٍ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ فِي مَرَضِهِ، فَكَانَ يُصَلِّي بِهِمْ. قَالَ عُرْوَةُ: فَوَجَدَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي نَفْسِهِ خِفَّةً، فَخَرَجَ فَإِذَا أَبُو بَكْرٍ يَؤُمُّ النَّاسَ، فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ اسْتَأْخَرَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ: أَنْ كَمَا أَنْتَ. فَجَلَسَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حِذَاءَ أَبِي بَكْرٍ إِلَى جَنْبِهِ، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِصَلَاةِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَالنَّاسُ ‌يُصَلُّونَ ‌بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ".

فيصح إذا أن ينتقل من منفرد إلى مأموم؛ لعدم الفارق.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:

" واستدل به الطبري… على جواز إنشاء القدوة في أثناء الصلاة، وعلى جواز تقدم إحرام المأموم على الإمام، بناء على أن أبا بكر كان دخل في الصلاة، ثم قطع القدوة، وائتم برسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد قدمنا أنه ظاهر الرواية " انتهى من "فتح الباري" (2 / 156).

وهذا ما ذهب إليه الشافعية، وهو رواية عن الإمام أحمد.

قال ابن الرفعة الشافعي رحمه الله تعالى:

" قال: ( ومن أحرم منفرداً، ثم نوى متابعة الإمام - أي: من غير أن يقطع صلاته- جاز في أحد القولين )؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أحرم بأصحابه، ثم ذكر أنه جنب؛ فقال لهم: ( كونوا كما أنتم )، ودخل واغتسل، وخرج ورأسه يقطر ماء، واستأنف الإحرام، وبقي القوم على إحرامهم. فهم سبقوه بالإحرام، ولم يأمرهم باستئنافه؛ فقد خرجوا بعلمهم بجنابته من الإمامة؛ ودل ذلك على صحة صلاة من سبق الإمام ببعض الصلاة...

ولأن أبا بكر الصديق صلى بالناس عند ضعف رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمره؛ فلما وجد النبي صلى الله عليه وسلم خِفَّةً، خرج يتهادى بين اثنين: العباس وعلي، والقوم في الصلاة؛ فوقف عن يسار أبي بكر، وصلى بالناس، وأبو بكر يبلغ عنه.

ووجه الدلالة منه: أن أبا بكر صار مأموماً بعدما كان إماماً، والإمام في حكم المنفرد؛ لأنه لا يتبع غيره.

ولأنه لما جاز أن يكون منفرداً ثم يكون إماماً -بأن يأتي من يقتدي به- جاز أن يكون منفردا، ثم يكون مأموماً؛ لأن الجماعة تتوقف على المأموم، كما تتوقف على الإمام» انتهى. "كفاية النبيه في شرح التنبيه" (3/550).

وقال النووي رحمه الله تعالى:

" فيمن أحرم منفردا، ثم نوى الاقتداء: الأصح الصحة " انتهى من "المجموع" (4 / 270).

وقال ابن قدامة رحمه الله تعالى:

" وإن أحرم ‌منفردا، ثم نوى جعل نفسه مأموما، بأن يحضر جماعة، فينوى الدخول معهم في صلاتهم؛ ففيه روايتان: إحداهما، هو جائز، سواء كان في أول الصلاة، أو قد صلى ركعة فأكثر؛ لأنه نقل نفسه إلى الجماعة، فجاز، كما لو نوى الإمامة.

والثانية، لا يجوز؛ لأنه نقل نفسه إلى جعله مأموما من غير حاجة، فلم يجز كالإمام.

وفارق نقله إلى الإمامة؛ لأن الحاجة داعية إليه.

فعلى هذا: يقطع صلاته، ويستأنف الصلاة معهم " انتهى من "المغني" (3/74).

وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى:

‌‌" والقول الثاني: وهو رواية عن أحمد: أنه يصح أن ‌ينوي ‌المنفرد ‌الائتمام؛ لأن الاختلاف هنا اختلاف في صفة من صفات النية، فقد كان بالأول منفردا، ثم صار مؤتما، وليس تغييرا لنفس النية، فكان جائزا.

وهذا هو الصحيح.

قالوا: والدليل على هذا: أنه ثبت في السنة صحة انتقال الإنسان من انفراد إلى إمامة، كما سيأتي ـ إن شاء الله ـ فدل هذا على أن مثل هذا التغيير لا يؤثر، فكما يصح الانتقال من انفراد إلى إمامة؛ يصح الانتقال من انفراد إلى ائتمام، ولا فرق. غاية ما هنالك أنه في الصورة الأولى صار إماما، وفي الصورة الثانية صار مؤتما " انتهى من "الشرح الممتع" (2 / 307 - 308).

فعلى هذا القول: يصح أن ينتقل إلى الائتمام في أي ركعة من ركعات الصلاة، كما سبق في كلام ابن قدامة رحمه الله تعالى.

فإذا انتقل عند الركوع من الركعة الأولى: جاز على هذا القول، ولا شيء عليه؛ إلا أن يكون قد صلى ركعة أو أكثر قبل أن يلتحق بالجماعة، فإنه تتم صلاته قبل صلاة إمامه.

قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى:

‌‌" فإذا قال قائل: على القول بالصحة، إذا كان قد صلى بعض الصلاة، وحضر هؤلاء لأداء الجماعة مثلا في صلاة الظهر، وكان قد صلى ركعتين قبل حضورهم، فلما حضروا دخل معهم، فسوف تتم صلاته إذا صلوا ركعتين، فماذا يصنع؟

فالجواب: يجلس ولا يتابع الإمام؛ لأنه لو تابع الإمام للزم أن يصلي ستا، وهذا لا يجوز، فيجلس وينتظر الإمام ويسلم معه، وإن شاء نوى الانفراد وسلم، فهو بالخيار " انتهى من "الشرح الممتع" (2 / 308).

والخلاصة:

ذهب جمهور أهل العلم من الحنفية والمالكية والحنابلة إلى عدم صحة انتقال المصلي من الانفراد إلى الائتمام من غير قطع لصلاته؛ لأن النية لا تتبعض، بل يجب أن تعقد هذه النية من تكبيرة الإحرام.

وصحح الشافعية، والإمام أحمد في رواية هذا الانتقال؛ لأنه قد ثبت في السنة صحة انتقال المصلي من إمام إلى مأموم، ومن منفرد إلى إمام، ومن مأموم إلى منفرد، فيصح إذا الانتقال من نية الانفراد إلى الائتمام؛ لعدم الفارق، وهذا الراجح إن شاء الله تعالى؛ لأن الشرع لا يفرق بين الأمور المتماثلة.

وعلى هذا القول: يجوز الانتقال، سواء كان في أول صلاته، أو بعد أن يكون قد صلى شيئا منها.

والله أعلم.

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

المصدر: موقع الإسلام سؤال وجواب