الثلاثاء 12 ربيع الأوّل 1440 - 20 نوفمبر 2018
العربية

6- من حِكَم الصيام

تاريخ النشر : 14-08-2009

المشاهدات : 129

من حِكَم الصيام


 

من أسماء ربنا جل وعلا اسم ( الحكيم ) ، فهو سبحانه حكيم فيما يقدره ، وفيما يأمر به ، وينهى عنه ، فلا يقضي ربنا قضاء كونيا كان أو شرعيا إلا لحكمة ، وتلك الحكمة قد يُطلع الله عليها خلقه وينبههم لها , وقد لا يُطلع عليها أحدا منهم ، وقد يطلع عليها بعضا دون بعض .

وفي كل الأحوال فالواجب على العبد أن يسلم لربه وموالاه ما قضاه من الأوامر الشرعية والقدرية وإن جهل حكمتها , كما قال تعالى :  وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ  الأحزاب / 36 .

وإن من أوامر الله التي أظهر الله شيئاً من حكمها لعباده : الصوم , فإن للصوم فوائد متعددة ومتنوعة , فله فوائد ظاهرة وباطنة وفوائد فردية واجتماعية , وفوائد الصوم مشهودة بالعقول السليمة ، والفطرة المستقيمة ، ومن تلك الفوائد ما يلي :

1- تقوى الله تعالى , قال تعالى :   يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ  البقرة/183 , وختم الله عز وجل آيات الصيام أيضا بذكر التقوى , فقال تعالى :   كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ   البقرة / 187 .

2-   كسر النفس ، فإن الشبع والري ومباشرة النساء تحمل النفس على الأشر والبطر والغفلة .

3- ومنها : تخلي القلب للفكر والذكر ، فإن تناول هذه الشهوات تقسي القلب وتعميه ، وتحول بين العبد وبين الذكر والفكر ، وتستدعي الغفلة ، وخلو الباطن من الطعام والشراب ينور القلب ، ويوجب رقته ، ويزيل قسوته ، ويخليه للذكر والفكر .

4- ومنها : أن الصيام يضيق مجاري الدم التي هي مجاري الشيطان من ابن آدم , فإن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم , فتسكن بالصيام وساوس الشيطان , وتنكسر سورة الشهوة والغضب ، ولهذا جعل النبي صلى الله عليم وسلم الصوم وجاء ، لقطعه عن شهوة النكاح .

5- ومن فوائد الصوم : تقوية الإرادة ، فالذي يصبر على آلام الجوع والعطش ، ويكبح نفسه عن العلاقات الجنسية في وقت الصيام ، يحصل له من جراء ذلك قوة في الإرادة تجعله مالكاً لزمام نفسه لا أسيراً لميوله المادية وشهواته الضارة .

6- ومن فوائده أيضا : إضعاف سلطان العادة ، فقد بلغ ببعض الأفراد سلطان العادة إلى حد كبير ، فلو تأخر عنهم الطعام عن موعده فأصابهم الجوع لساءت أخلاقهم ، وقد يكون سلطان المؤثرات من القهوة والشاي والتدخين أشد من سلطان الطعام على أهله ، فهؤلاء يعتبرون أسرى لعاداتهم ، والصوم يربي الإنسان على التغلب على عاداته السيئة .

7- ومنها : أن الغني يعرف قدر نعمة الله عليه حيث أقدره له على ما منعه عن كثير من الفقراء من فضول الطعام والشراب والنكاح , فإنه بامتناعه عن ذلك في وقت مخصوص وحصول المشقة له بذلك ، يتذكر به من مُنع ذلك على الإطلاق , فيوجب له ذلك شكر نعمة الله عليه بالغنى ، ويدعوه إلى رحمة أخيه المحتاج ومواساته بما يمكن من ذلك .

8- ومن حكم الصوم : المساواة بين الأغنياء والفقراء ، فهذا الصوم فقر إجباري يفرضه الإسلام على المسلمين كافة ليتساوى الجميع في بواطنهم ، إنه فقر إجباري يراد به إشعار النفس الإنسانية بطريقة عملية أن المساواة الصحيحة حين يتساوى الناس في الشعور ، لا حين يختلفون ، وحين يتعاطفون بإحساس الألم الواحد لا حين يتنازعون بالرغبات المتعددة .

9- ومن فوائد صيام رمضان ، أن فيه إظهارا لعبادة الله عز وجل في المجتمع بأجمعه , فتجد جميع المسلمين من الشرق إلى الغرب يجتمعون على صيام هذا الشهر ، حتى الأشخاص الذين تحصل منهم بعض المخالفات الأخرى ، إذا أتى رمضان شاركوا إخوانهم المسلمين على صيام رمضان , فلا تجد بينهم مفطرا ، حتى إن العاصي الذي لا يصوم _ والعياذ بالله _ لا يستطيع أن يجاهر بفطره , بل حتى الكافر لا يستطيع أن يظهر فطره أمام المسلمين ، ولا شك أن في هذه الظاهرة فوائد عدة ، منها : إظهار عبادة الله عز وجل مع أن الصوم عبادة سرية ، ومنها : أن في ذلك الجو الإيماني فرصة عظيمة لمن أراد أن يتوب إلى الله عز وجل وينيب إليه وكم من الناس كانت نقطة إنطلاقهم في طريق الهداية هذا الشهر العظيم , ومنها : استشعار العاصي والكافر للذلة والصغار مما ينفره عن الحال التي هو عليها , ومنها : تيسير هذه العبادة على المسلمين ، فكون المجتمع كله صائم هذا مما ييسر على العبد هذه العبادة العظيمة الجليلة .

10-       من فوائد الصيام تربية النفس على الأمانة ، "فإن الذي يكون قويا أمينا في حفظ أمانة الله ورعاية أوامره يكون قويا في عمله , أمينا على ما استرعاه غيره من عمل ، ومن خان أمانة الله العظمى في شرائع دينه فهو لغيرها أشد خيانة ، ومن تدرب على قوة الإرادة وصدق العزيمة شهرا كاملا عن إيمان واحتساب ، فإنه يكون قوي الشكيمة ، شديد المراس ، صلب في التصميم "

انتهى من "صفوة الآثار" للدوسري (3/101) .

ومن عجائب ما يذكر أن بعض الكفار كان  يمتحن العمال المسلمين ، وذلك بتخيرهم بين الصيام وبين خيانة الله فيه ، فيغرونهم بمضاعفة الأجور للمفطرين ، حتى إذا انتهى الشهر عكسوا الأمر , فضاعفوا أجور الصائمين ، ونقصوا المفطرين أو طردوهم ، مع التصريح لهم أنهم خونة قد خانوا دينهم ! "صفوة الآثار" للدوسري (3/101)

11-       وللصوم فوائد طبية متعددة ، فهو يقي بإذن الله تعالى من كثير من الأمراض ، يقول أحد الباحثين وهو د . مصطفى الحفار : البحث العلمي الحديث أكد على منافع الصوم ففي فرنسا مراكز مخصصة لدراسة أمراض التغذية والعلاج لها ، وقد تبنت لمرضاها الصيام الكامل الدوري ، وسمته ( العلاج الرمضاني ) بعد ما تأكد لها جدوى هذه الطريقة من الصيام وفوائدها على أعضاء الجسم كلها ، ونذكر أمثلة على ذلك :

القلب : ينتظم خفقانه وينعم بفترة راحة من الناحية الوظائفية المرهقة الناجمة عن عملية الهضم .

الدم : تنتفي منه الزوائد من الشحوم والدهون والحموضات .

الكبد : هذا المعمل الكبير المتعدد الخصائص يقوم بوظائف دونما إجهاد ، فيصنع للجسم المواد الحيوية دونما إرهاق بوجود المعوقات الهضمية وسمومها .

المعدة : إن الصوم لبضعة أيام متوالية يدفع بالغدد الهضمية لأن تقلل من إفرازاتها ، وهذا مما يحميها وأغشيتها من زيادة الإفرازات التي هي من أهم أسباب التقرح في المستقبل .

والصوم يحمي الإنسان من البدانة ، ومرض السكري ، والروماتيزم الناجم عن ترسيب الأملاح البولية في الأنسجة والمفاصل ، والحصى الكلوية ، وحصى المرارة الدهنية والكلسية وارتفاع الضغط الشرياني ومضاعفاته على الرأس والدماغ والعين والقلب والكلى "روح الدين الإسلامي" لعفيف طبارة (490_491) .

ولما كان بعض المرضى يشق عليهم الصيام , فقد أباح لهم الله عز وجل الفطر , وكذلك الحال بالنسبة للمسافر , قال تعالى :   فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ   البقرة / 184 .

وقد لاحظ الشرع في الصيام التيسير وعدم المشقة , ولهذا كان الأمر في أول الإسلام أن الصائم إذا نام قبل أن يفطر , فإنه يتم صيامه إلى آخر اليوم التالي ولا يفطر , ثم نسخ الله عز وجل ذلك رحمة بعباده , كما ثبت في "صحيح البخاري" (1915) من حديث البراء بن عازب ، قال : " كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إذا كان الرجل صائما فحضر الإفطار ، فنام قبل أن يفطر لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي ، وأن قيس بن صرمة الأنصاري كان صائما ، فلما حضر الإفطار أتى امرأته ، فقال لها : أعندك طعام ؟ قالت : لا ، ولكن أنطلق فأطلب لك ، وكان يومه يعمل ، فغلبته عيناه ، فجاءته امرأته ، فلما رأته قالت : خيبه لك ، فلما انتصف النهار غشي عليه ، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم , فنزلت هذه الآية :  أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ  البقرة / 187 ، ففرحوا فرحا شديدا , فنزلت :  وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ البقرة / 187 .

فالحمد لله على نعمة الإسلام , ونسأله عز وجل أن يديم علينا هذه النعمة , وأن يرزقنا شكرها , وأن يحسن لنا الختام , والله تعالى أعلم وأحكم , وصلى الله على نبينا محمد , وعلى آله وصحبه وسلم .

 

 

إرسال الملاحظات