الأربعاء 22 ذو الحجة 1441 - 12 اغسطس 2020
العربية

يبتلي الله عبده المؤمن ليسمع تضرعه إليه.

تاريخ النشر : 31-03-2018

المشاهدات : 29932

السؤال

البارحة كان عنوان خطبة الجمعة عن الدعاء وعظمته ، فذكر الإمام أنه جاء في الأثر : ( إن الله عز وجل يسأل جبريل هل العبد ألّح في طلبه ؟ فيقول جبريل : نعم يا رب إنه ألح ، فيقول لجبريل : أعط عبدي غايته ـ، وأخرها فإني أحب أن أسمع صوته ) فتذكرت ما حصل معي منذ سنة ، لقد تركت دراستي لمدة سنة بسبب وضعنا المادي ، فلجأت إلى بلدة أعمل فيها ، وأؤمن المال لي ولأهلي ، فدعوت الله ربي زدني علما ، وألححت بالدعاء ، ومن ثم تركته ، لا أعلم لماذا تركته ، إلا إنه بعد زمن اضطر صاحب العمل أن يغلق المحل لأسباب تعنيه ، فبكيت وحزنت بشدة ، لم أعلم أن الله عندما جعلني أخسر العمل هيّأ لي غايتي ومطلبي ، فبكيت في الخطبة وحمدت الله ، فما صحة هذا الحديث ؟ وهل الله فعلاً يحب أن يسمع صوت عبده ؟ وأنا منذ أن بدأت دراستي للثانوية العامة أدعو الله أن يبلغني هدفي وغايتي ، فهل الله سيستجيب لي اعتماداً على هذا القول الذي جاء في الأثر ؟

ملخص الجواب:

على العبد أن يلزم الدعاء ولا يتعجل الإجابة، ويحسن الظن بالله في أمره كله ، وليعلم أن الله يحب الملحين في الدعاء.

الحمد لله.

أولا :

هذا الحديث المشار إليه رواه الطبراني في "المعجم الأوسط" (8442) ، وفي "الدعاء" (87) ، وابن عساكر (8/244) ، وعبد الغني المقدسي في الدعاء (51) من طريق سُوَيْد بْن عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: نا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي فَرْوَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:( إِنَّ الْعَبْدَ يَدْعُو اللَّهَ وَهُوَ يُحِبُّهُ، فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَا جِبْرِيلُ اقْضِ لِعَبْدِي هَذَا حَاجَتَهُ، وَأَخِّرْهَا، فَإِنِّي أُحِبُّ أَلَّا أَزَالَ أَسْمَعُ صَوْتَهُ .

وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَدْعُو اللَّهَ وَهُوَ يَبْغَضُهُ، فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَا جِبْرِيلُ، اقْضِ لِعَبْدِي هَذَا حَاجَتَهُ، وَعَجِّلْهَا، فَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ أَسْمَعَ صَوْتَهُ ) .

وهذا إسناد ضعيف جدا ، ابن أبي فروة متروك ، قال ابن سعد: يروي أحاديث منكرة ، وقال البخاري: تركوه، وقال أحمد: لا تحل عندي الرواية عنه،  وقال ابن معين : لا يكتب حديثه ليس بشيء، وقال أيضا: كذاب، وكذلك قال ابن خراش، وقال عمرو بن علي وأبو زرعة وأبو حاتم والنسائي والدارقطني والبرقاني وابن خزيمة: متروك الحديث.

"تهذيب التهذيب" (1/ 241)

وقال الهيثمي في "المجمع" (10/ 151): " رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، وَفِيهِ إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي فَرْوَةَ، وَهُوَ مَتْرُوكٌ " .

وقال الألباني في "الضعيفة" (2296): " ضعيف جدا ".

ثانيا :

الله تعالى يبتلي عبده ليتضرع إليه ويلجأ إليه ، ويلح عليه في الدعاء ، فيسمع دعاءه وتضرعه ومناجاته ، وهذه عبودية يحبها الله ، قال تعالى : (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ * فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) الأنعام/ 42، 43 .

وقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: " مَا يَكْرَهُ الْعَبْدُ خَيْرٌ لَهُ مِمَّا يُحِبُّ؛ لِأَنَّ مَا يَكْرَهُهُ يَهِيجُهُ عَلَى الدُّعَاءِ، وَمَا يُحِبُّ يُلْهِيهِ عَنْهُ " .

وعَنْ كُرْدُوسَ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: " فِيمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ الْكُتُبِ : إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَبْتَلِي الْعَبْدَ وَهُوَ يُحِبُّهُ؛ لَيَسْمَعَ تَضَرُّعَهُ " .

"الفرج بعد الشدة" لابن أبي الدنيا (ص 41-42) .

وقال ابن القيم رحمه الله :

" الله تعالى يبتلى عبده ليسمع شكواه وتضرعه ودعاءه، وقد ذم سبحانه من لم يتضرع اليه ولم يستكن له وقت البلاء، كما قال تعالى: ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون والعبد أضعف من أن يتجلد على ربه، والرب تعالى لم يرد من عبده أن يتجلد عليه، بل أراد منه أن يستكين له ، ويتضرع اليه " انتهى من"عدة الصابرين" (ص/36) .

والمسلم يلزم الدعاء ولا يتركه ، ولا يمل منه ، ولكن يلح على الله ، ويحسن الظن به ، فالله تعالى يحب الملحين في الدعاء ، قال ابن القيم :

مِنْ أَنْفَعِ الْأَدْوِيَةِ: الْإِلْحَاحُ فِي الدُّعَاءِ " انتهى من "الجواب الكافي" (ص: 11) .

وقال أيضا :

" وأحب خلقه إليه أكثرهم وأفضلهم له سؤالا، وهو يحب الملحين في الدعاء، وكلما ألح العبد عليه في السؤال ، أحبه وقربه وأعطاه " انتهى  من"حادي الأرواح" (ص/91) .

وروى البخاري (6340) ومسلم (2735) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ ، يَقُولُ دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي ) .

قال الحافظ رحمه الله : " وَفِي هَذَا الْحَدِيث أَدَب مِنْ آدَاب الدُّعَاء , وَهُوَ أَنَّهُ يُلَازِم الطَّلَب ، وَلَا يَيْأَس مِنْ الْإِجَابَة ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الِانْقِيَاد وَالِاسْتِسْلَام وَإِظْهَار الِافْتِقَار , حَتَّى قَالَ بَعْض السَّلَف : لَأَنَا أَشَدّ خَشْيَة أَنْ أُحْرَم الدُّعَاء ، مِنْ أَنْ أُحْرَم الْإِجَابَة .

وقال اِبْن الْجَوْزِيّ : اِعْلَمْ أَنَّ دُعَاء الْمُؤْمِن لَا يُرَدّ ، غَيْر أَنَّهُ قَدْ يَكُون الْأَوْلَى لَهُ تَأْخِير الْإِجَابَة ، أَوْ يُعَوَّض بِمَا هُوَ أَوْلَى لَهُ ، عَاجِلًا ، أَوْ آجِلًا .

فَيَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ لَا يَتْرُك الطَّلَب مِنْ رَبّه فَإِنَّهُ مُتَعَبِّد بِالدُّعَاءِ كَمَا هُوَ مُتَعَبِّد بِالتَّسْلِيمِ وَالتَّفْوِيض " انتهى .

فلا تمل الدعاء ، ولا تتركه ، وأحسن الظن بالله على كل حال ، فقد قال تعالى : ( وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ) البقرة / 216 .

واعلم أن الله يستجيب لعبده المتضرع إليه ، ولكن الإجابة تتنوع : فإما أن يعجل له دعوته ، وإما أن يدخرها له في الآخرة ، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها .

وقد تتأخر الإجابة لحكم يعلمها الله ، ولعل منها: محبة إلحاح عبده في سؤاله ودعائه.

ينظر السؤال رقم : (127017) .

والله تعالى أعلم.

المصدر: موقع الإسلام سؤال وجواب