أردت معرفة معنى حديث ( بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَة كَهَاتَيْن ) ، مع مرور مدة طويلة منذ قوله

28-03-2012

السؤال 178416


1. قول النبى صلى الله عليه وسلم ( بعثت أنا والساعة كهاتين ) - وأشار بالسبابة والوسطى - أليست ال 1400 سنة مدة كبيرة ؟! فهناك تفسيران لم أقتنع بهما : أولاً : إن عمر الأرض 4600 مليون سنة ؛ لأن هذا يجعل الحديث لم يختص به سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم حيث إن كذلك سيدنا عيسى عليه السلام ينطبق عليه القرب من الساعة أيضاً . ثانياً - التفسير الآخر - : إن يوماً عند ربك كألف سنة لأن الخطاب في الحديث موجه للناس بأيامهم هم . ولم أقتنع بتفسير ابن حجر في كتابه " فتح الباري في شرح صحيح البخاري " لأن الحديث ( أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة ) يوحى بالقرب بين الأصابع وليس بفرق الطول . 2. في قول الله عز وجل ( إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام ) يوجد الآن ما يسمَّى بـ " الاستمطار " في إنزال المطر " بغض النظر عن مكان نزول المطر " فهل هذا لا يناقض اختصاص الله بإنزال المطر ؟ وكذلك يُعلم الآن نوع الجنين ، ولم اقتنع بالتفرقة بين " ما " وبين " من " في الآية ؛ حيث " ما " لغير العاقل ؛ لأن سبب نزول الآية كان سؤال الأعراب عن نوع الجنين وليس عن عمره ورزقه وهل هو شقي أم سعيد . 3. الاستنساخ فكيف ( وجعلنا منه ) - أي : إن نوع الجنين يحدده مني الرجل – ( الزوجين الذكر والأنثى ) مع أنه ممكن الاستغناء عن الرجل في هذه العملية بأخذ كل الكروموسومات من المرأة فقط ، وكذلك ( و يجعل من يشاء عقيما ) هكذا العقيم أصبح غير عقيم .

الجواب

الحمد لله.


أولاً:
أخرج هذا الحديث الإمام البخاري في صحيحه ( 6140 ) عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَة كَهَاتَيْن ) يعني : إصبعين ، وجاء عن سهل بن سعدٍ الساعدي رضي الله عنه مرفوعا بلفظ ( بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعة هكذا - ويشير بأصبعيه فيمدُّ بهما - ) رواه البخاري ( 6138 ) ومسلم ( 2950 ) ، وأخرجه الإمام مسلم في صحيحه ( 867 ) عن جابر بن عبد الله قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب احمرَّت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش يقول " صبَّحكم ومسَّاكم " ويقول ( بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَة كَهَاتَيْنِ ) ويقرن بين إصبعيه السبابة والوسطى .
وخرج الإمام أحمد ( 38 / 36 ) بإسناد حسن من حديث بريدة ( بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَة جَمِيعاً إِنْ كَادَتْ لَتَسْبِقُنِي ) .
ثانياً:
أما بخصوص من يقول إن بيننا وبين ورود الحديث أكثر من ألف وأربعمائة سنة فكيف يقول الله تعالى ( اقتربت الساعة ) ويقول النبي صلى الله عليه وسلم ( بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَة كَهَاتَيْنِ ) ؟ فالجواب عليه من وجوه ، أبرزها :
1. أن المعنى : أنه ليس هناك نبي آخر بعد النبي صلى الله عليه وسلم .
قال أبو حاتم بن حبان رحمه الله :
" يُشبه أن يكون معنى قوله صلى الله عليه وسلم ( بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَة كَهَاتَيْنِ ) أراد به : أني بُعثت أنا والساعة كالسبابة والوسطى من غير أن يكون بيننا نبي آخر ؛ لأني آخر الأنبياء وعلى أمتي تقوم الساعة " انتهى من " صحيح ابن حبان " ( 15 / 13 ) .
وقال القرطبي رحمه الله :
" أول أشراط الساعة : النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه نبي آخر الزمان ، وقد بُعث وليس بينه وبين القيامة نبي " انتهى من " التذكرة " ( ص 111 ) .
2. أن المعنى : هو القرب الذي في علم الله تعالى وحسابه ، لا في علم البشر وحسابهم .
قال الشيخ عمر الأشقر حفظه الله :
" قد يقال : كيف يكون قريباً ما مضى على الإخبار بقرب وقوعه ألف وأربعمائة عام ؟
والجواب : أنه قريب في علم الله وتقديره ، وإن كانت المقاييس البشرية تراه بعيداً ( إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا . وَنَرَاهُ قَرِيبًا ) المعارج/ 6 ، 7 " انتهى من " القيامة الصغرى " ( ص 115 ) .
3. أن المعنى : أن بين بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وقيام الساعة شيء يسيرٌ بالنسبة لما مضى من الزمان .
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله :
" وهذا يدل على قربها ، لكن مع ذلك كم بيننا وبين الرسول صلى الله عليه وسلم ؟ نحن في القرن الخامس عشر الهجري بعد بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم بثلاث عشرة سنة ، ومع ذلك ما زالت الدنيا باقية مما يدل على أن ما مضى طويل جدّاً ، حتى إن الرسول صلى الله عليه وسلم عند غروب الشمس قال ( إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ الدُّنْيَا - يعني : بالنسبة لمن سبقكم - فِيمَا مَضَى مِنْهَا إِلَّا كَمَا بَقِيَ مِنْ يَوْمِكُمْ هَذَا ) رواه الترمذي وحسَّنه " وضعفه الألباني في " ضعيف الترغيب والترهيب " برقم (1641) . انتهى من " تفسير القرآن من الحجرات إلى الحديد " ( ص 361 ) .
وقال الشيخ عمر الأشقر حفظه الله :
" والأمر الذي ينبغي أن يُنتبه إليه : أن الباقي من الدنيا قليل بالنسبة لما مضى منها ، فإنك إذا وضعتَ لمن لك عليه دين أجلاً طويلاً كأن توجله خمسين عاماً - مثلاً - ، فإذا انقضى من الخمسين خمسة وأربعون فيكون موعد السداد قد اقترب بالنسبة لما مضى من الموعد المضروب ، والأحاديث النبوية الشريفة تشير إلى هذه الحقيقة التي بينَّاها هنا ، ففي صحيح البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( إِنَّمَا أَجَلُكُمْ فِى أَجَلِ مَنْ خَلاَ مِنَ الأُمَمِ مَا بَيْنَ صَلاَةِ الْعَصْرِ إِلَى مَغْرِبِ الشَّمْسِ ) وفي لفظ ( إِنَّمَا بَقَاؤُكُمْ فِيمَا سَلَفَ قَبْلَكُمْ مِنْ الْأُمَمِ كَمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ ) [ تنبيه: رواه البخاري باللفظين دون مسلم ] .
إن الحديث يمثل الوجود الإنساني بيوم من أيام الدنيا ، ابتدأ وجود الأمة الإسلامية فيه عند العصر فيكون الماضي من عمر الوجود الإنساني بنسبة ما مضى من ذلك اليوم من الفجر إلى العصر ، ويكون الباقي من عمر الزمن حتى تقوم الساعة كما بين العصر والمغرب ، ذلك أن النصوص صريحة الدلالة على أننا آخر الأمم وجوداً ، وأن نهاية وجود هذه الأمة يتحقق بقيام الساعة .
وجاء في حديث آخر يرويه البخاري ومسلم عن سهل رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَة كَهَاتَيْنِ ) - ويشير بأصبعيه فيمدهما - ، ورواه مسلم عن سهل بلفظ : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يشير بإصبعه التي تلي الإبهام والوسطى وهو يقول ( بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَة هَكَذا ) .
والمعنى : أننا لو قدَّرنا عمُر الزمن بالأصبع الوسطى فإن ما بقي منه عند مبعث الرسول صلى الله عليه وسلم يكون بمقدار ما تزيد الوسطى عن السبابة ، وما مضى منه بمقدار السبابة من الأصبع الوسطى ، قد يكون الباقي في حِسِّ البشر طويلاً لأن إدراكهم محدود ونظرتهم قاصرة ، ولكنه في ميزان الله قريب وقصير ( أَتَى أَمْرُ اللّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ ) النحل/ 1 ، ( وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ ) النحل/ 77 .
وروى الإمام أحمد عن عتبة بن غزوان قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : فحمد الله وأثنى عليه ثم قال ( أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ الدُّنْيَا قَدْ آذَنَتْ بِصُرْمٍ وَوَلَّتْ حَذَّاءَ وَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلاَّ صُبَابَةٌ كَصُبَابَةِ الإِنَاءِ يَتَصَابُّهَا صَاحِبُهَا وَإِنَّكُمْ مُنْتَقِلُونَ مِنْهَا إِلَى دَارٍ لاَ زَوَالَ لَهَا فَانْتَقِلُوا بِخَيْرِ مَا بِحَضْرَتِكُمْ ... ) انفرد به مسلم " انتهى من " القيامة الصغرى " ( ص 116 ، 117 ) .
ثالثاً:
لا يشك مسلم في ثبوت قرب الساعة وكيف يفعل ذلك وقد ذكر الله تعالى ذلك في كتابه الكريم بأوضح عبارة وأجلى بيان ؟! قال تعالى ( اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ ) الأنبياء/ 1 ، وقال جل وعلا ( اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ) القمر/ 1 ، وقال ( وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً ) الأحزاب/ 63 ، وقال جل وعلا (  أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (57) لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ (58)  ) الذاريات/ 57- 58 .
تفسير القرآن " من الحجرات إلى الحديد " للشيخ ابن عثيمين رحمه الله ( ص 361 ) .

فالواجب عليك – أخي السائل – وعلى المسلمين جميعاً الإعداد للقاء الله تعالى ، سواء كان ذلك لقدوم الساعة العظمى وهي يوم القيامة ، أو للساعة الصغرى وهي موت المسلم نفسه ، فإنه من مات قامت قيامته ، ولا ينبغي لنا الاشتغال بما لا فائدة منه ولا طائل وراءه ، وليكن اهتمامنا فيما ينفعنا عند لقاء ربنا تعالى ، ولا ريب أنه لا بدَّ من قيام إحدى الساعتين على كل واحد منا وقد تكون الساعة الصغرى هي الأقرب لعدم حصول علامات الساعة الصغرى جميعها ، وعدم حصول علامة من علاماتها الكبرى ، والموت – ولا شك – يأتي بغتة ، ولا يعرف صغيراً ولا كبيرا ولا مريضاً ولا صحيحاً ، فماذا أعددنا لتلك الساعة التي نفارق فيها دنيانا ونلقى فيها ربنا عز وجل ؟! .

رابعاً:
وأما بخصوص " الاستمطار " فقد فصَّلنا القول فيه في جواب السؤال رقم ( 119296 ) فانظره.

وأما بخصوص العلم بجنس الجنين عن طريق الأجهزة فقد فصَّلنا فيه القول في جواب السؤال رقم ( 12368 ) فانظره .
خامساً:
وأما " الاستنساخ " فقد ذكرنا ما يتعلق به في جواب السؤال رقم ( 21582 ) وفيه : جواز الاستنساخ في الحيوان والنبات بما يحقق مصالح للبشرية ، وفيه : أنه لم يحصل الاستنساخ – أصلاً - في الإنسان ، وعليه : فالسؤال غير وارد أصلاً ، ويبقى ما ذكره الله تعالى في خلق الإنسان لا مدافع له ولا معارض .
وأما من حيث المشروعية ، فلم يجوِّز أحد من أهل العلم المعاصرين " الاستنساخ البشري الخلوي " – وهو : تلقيح بويضة المرأة عن طريق خلية من جسمها – أو من امرأة أخرى – وليس من خلية جسم منوي - إلا الرافضة ! ولا قيمة لمخالفتهم ! .

والنصيحة للأخ السائل أن يُبعد نفسه عن تتبع الشبهات والإشكالات وليقو نفسه بالعلم واليقين ، وليعلم أن البحث عن الشبهات واستشكال النصوص قبل قوة الإيمان ومتانة العلم سبيل لفساد الدين وجفاء الخلق ، فحاذر من سلوك هذا السبيل ، واعلم أن استشكالك لنص لا يعني أنه مشكل ، وعدم قبولك لما قيل في شرحه لا يعني ضعف حجة قائله ، وانظر وصية جامعة نافعة في هذا الباب لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في جواب السؤال رقم ( 93421 ) .

والله أعلم

الإيمان باليوم الآخر وأشراط الساعة شروح الأحاديث
عرض في موقع إسلام سؤال وجواب