الاثنين 3 جمادى الآخر 1439 - 19 فبراير 2018


خيارات البحث:


مجال البحث:


181556: حديث ( من استطاع منكم الباءة فليتزوج ) لا يعني منع الفقير من الزواج .


السؤال:
في المملكة المتحدة البريطانية هناك الكثير من الطلاب الذين يعملون ؛ لتجنب الوقوع في الحرام لأنهم يريدون النكاح ، وقد قرأت حديثين يبدوان متناقضين .


الأول : فيه : ( يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ) .


والآخر : " أن النبي زوج امرأة لرجل فقير " . فالحديث الأول وفق ما أرى يقول بأن الرجل يجب أن يكون مستعدا ماليا لينفق على زوجته ، والثاني يقول بإنه زوج فقيرا لا يملك مالا.


هل الحديثان متناقضان أم أنني أسيء الفهم ؟

تم النشر بتاريخ: 2012-11-13

الجواب :
الحمد لله
أما الحديث الأول ، فرواه البخاري (5066) ومسلم (1400) عن ابن مسعود قَالَ : " كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَبَابًا لَا نَجِدُ شَيْئًا فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنْ اسْتَطَاعَ منكُم الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ ) .

وأما الحديث الثاني ، فرواه البخاري (5030) ومسلم (1425) عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ : " أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ جِئْتُ لِأَهَبَ لَكَ نَفْسِي ، فَنَظَرَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَعَّدَ النَّظَرَ إِلَيْهَا وَصَوَّبَهُ ثُمَّ طَأْطَأَ رَأْسَهُ ، فَلَمَّا رَأَتْ الْمَرْأَةُ أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ فِيهَا شَيْئًا جَلَسَتْ ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ فَزَوِّجْنِيهَا ، فَقَالَ : ( هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ ) ؟ فَقَالَ : لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : ( اذْهَبْ إِلَى أَهْلِكَ فَانْظُرْ هَلْ تَجِدُ شَيْئًا ؟ ) ، فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ : لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا وَجَدْتُ شَيْئًا ، قَالَ : ( انْظُرْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ ) ، فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ : لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ ، وَلَكِنْ هَذَا إِزَارِي - قَالَ سَهْلٌ : مَا لَهُ رِدَاءٌ - فَلَهَا نِصْفُهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا تَصْنَعُ بِإِزَارِكَ ؟ إِنْ لَبِسْتَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا مِنْهُ شَيْءٌ ، وَإِنْ لَبِسَتْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ شَيْءٌ ) ، فَجَلَسَ الرَّجُلُ حَتَّى طَالَ مَجْلِسُهُ ، ثُمَّ قَامَ فَرَآهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُوَلِّيًا فَأَمَرَ بِهِ فَدُعِيَ فَلَمَّا جَاءَ قَالَ : ( مَاذَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ ؟) قَالَ : مَعِي سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا – عَدَّهَا ، قَالَ : ( أَتَقْرَؤُهُنَّ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِكَ ؟ ) قَالَ نَعَمْ ، قَالَ : ( اذْهَبْ فَقَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ ).

والحديثان ليسا بمتناقضين بحمد الله ، وإنما جاء كل منهما لمورد يخصه ؛ فحديث ابن مسعود خطاب لعموم الشباب وعموم الراغبين في النكاح ، لبيان أن النكاح لا بد له من مؤنة وكفاية حتى يستطيع الزوج القيام بما يجب عليه من النفقة والكسوة والسكنى .
والباءة هي مؤن النكاح ، فأراد الشارع أن يبين هذا الأصل ، وهو أن الزواج ليس مجرد عقد أو قضاء شهوة في حِلّها ، وإنما هو مسئولية وتكليف ومحط قوامة الرجال على النساء .
" ودل أيضا على أن من عجز عن النكاح يشرع له الاشتغال بالصوم ; لأنه يضعف الشهوة ويضيق مجاري الشيطان ، فهو من أسباب العفة وغض البصر "
"مجموع فتاوى ابن باز" (3 /329) .
كما أن في قوله صلى الله عليه وسلم : ( مَنْ اسْتَطَاعَ منكُم الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ ) دليلا على أن المشروع لمن استطاع الباءة وتكاليف النكاح ، أن يبادر إلى النكاح .
قال علماء اللجنة : " المبادرة بالزواج للشاب هو السنة لمن استطاع تكاليف الزواج ، والقيام بالحقوق الزوجية " انتهى من "فتاوى اللجنة الدائمة" (18 /6) .
راجع جواب السؤال رقم : (9262) .

أما الحديث الآخر فهو قضية عين ، ومسألة تخص شخصا فقيرا أراد النكاح والعفاف ، فزوّجه النبي صلى الله عليه وسلم بالتي جاءت تهب نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم ، وفي ذلك دليل على أن الفقر في ذاته لا يمنع من النكاح إذا كان الزوج ذا دين ، حسن الاعتقاد في ربه ، وكانت المرأة كذلك ، فإن ذلك مع قوله تعالى : ( وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) النور/ 32 ، فبحسن التوكل ، والرغبة في العفاف ، وطلب ما عند الله من الفضل ، يرجى لمثل هذا الناكح أن يعينه الله ، ويرزقه من فضله ، كما روى الترمذي (1655) وحسنه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( ثَلَاثَةٌ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ عَوْنُهُمْ : الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَالْمُكَاتَبُ الَّذِي يُرِيدُ الْأَدَاءَ ، وَالنَّاكِحُ الَّذِي يُرِيدُ الْعَفَافَ ) وحسنه الألباني في "صحيح الترمذي" .
وقد بوّب الإمام البخاري رحمه الله للحديث بقوله : " بَاب تَزْوِيجِ الْمُعْسِرِ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ) " ، قال الحافظ رحمه الله : " قَوْله : لِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمْ اللَّه مِنْ فَضْله ) هُوَ تَعْلِيل لِحُكْمِ التَّرْجَمَة , وَمُحَصِّله أَنَّ الْفَقْر فِي الْحَال لَا يَمْنَع التَّزْوِيج , لِاحْتِمَالِ حُصُول الْمَال فِي الْمَآل " انتهى .

قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس: " رغبهم الله في التزويج ، وأمر به الأحرار والعبيد، ووعدهم عليه الغنى ، فقال : ( إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ) .
وعن ابن مسعود قال : " التمسوا الغنى في النكاح " .
"تفسير ابن كثير" (6 /51) .

قال الشيخ ابن باز رحمه الله :
" أمر - سبحانه - في هذه الآية الكريمة بإنكاح الأيامي والصالحين من العباد والإماء ، وأخبر وهو الصادق في خبره ، أن ذلك من أسباب الفضل للفقراء ، حتى يطمئن الأزواج وأولياء النساء أن الفقر لا ينبغي أن يمنع الزواج ، بل هو من أسباب الرزق والغنى " انتهى من "فتاوى إسلامية" (3 /213) .

فحثُّ المستطيع على الزواج لا يعني منع غير المستطيع منه ، وخاصة إذا خاف على نفسه العنت .

وإرشاد غير المستطيع إلى الصيام لقمع الشهوة وإسكانها ، وذلك لا يمنع أيضا من طلب النكاح ، فربما وجد من يعينه على الزواج ، وربما وجد من ترضى به على حاله لدينه وصلاحه ، فهذه قضايا أفراد ، تختلف باختلاف الأحوال والعادات ، أما مضمون حديث ابن مسعود فأدب عام ، وإرشاد لغير القادرين على النكاح إلى صيانة أنفسهم بالصيام ، ومن وجد منهم وسيلة للزواج فلا حرج عليه ، بل يُرغّب فيه ويُحثّ عليه ، ولذلك لما قال ( ومن لم يستطع ) لم يقل ( فلا يتزوج ) وإنما قال ( فعليه بالصوم ) لئلا يقع في المعصية ، أما إذا قدر على الزواج مع بعض الكلفة والمشقة فلا حرج عليه فيه بلا شك ، وإنما جُعل الصيام على البدل عند عدم القدرة ، فإذا أمكن الأصل ولو بكلفة فهو أولى .

والله تعالى أعلم .

موقع الإسلام سؤال وجواب
أضف تعليقا