الأحد 11 صفر 1440 - 21 اكتوبر 2018
العربية

هل يأثم إن ترك قول من أفتاه لعدم ذكره الدليل على فتياه ؟

224164

تاريخ النشر : 21-01-2015

المشاهدات : 4744

السؤال


هل يأثم الرجل إن لم يقبل قول من أخبره بأن فعل أمر ما محرم أو واجب شرعاً لعدم ذكر الدليل له على حرمة أو وجوب ذلك الفعل؟


الحمد لله
أولا :
يجب على من يفتي في دين الله أن يكون عالما بما يفتي به ، سواء أفتى بتحليل أو تحريم ، فمن علم شيئا قال به ، ومن لم يعلم أوكل علم ما لا يعلمه إلى عالمه .
قال الله تعالى : ( وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ ) النحل/ 116 .
قال السعدي رحمه الله :
" أي: لا تحرموا وتحللوا من تلقاء أنفسكم ، كذبا وافتراء على الله وتقولا عليه " .
انتهى من " تفسير السعدي" (ص 451) .
وروى أبو داود (3657) عن أبي هُرَيْرَةَ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( مَنْ أُفْتِيَ بِغَيْرِ عِلْمٍ كَانَ إِثْمُهُ عَلَى مَنْ أَفْتَاهُ ) وحسنه الألباني في " صحيح أبي داود" .
قال الشيخ ابن باز رحمه الله :
" ومن أعظم الجرائم : الفتوى بغير علم ، فكم ضل بها من ضل ، وهلك بها من هلك ، ولا سيما إذا كانت الفتوى معلنة على رءوس الأشهاد وممن قد يغتر به بعض الناس؛ فإن الخطر بذلك عظيم والعواقب وخيمة ، وعلى المفتي بغير علم مثل آثام من تبعه " .
انتهى من " مجموع فتاوى ابن باز" (3/ 219) .
ثانيا :
أما قبول قول القائل : إن هذا حرام وهذا واجب ، ولم يذكر دليلا على ذلك :
فإن كان هذا القائل ليس من أهل العلم المعروفين بذلك : فلا يتبع على هذا القول ، ولا يجب على من سمعه أن يأخذ بقوله ، أو يرجع إليه.
وأما إن كان عالما معروفا بالعلم والأمانة ، فهذا فيه تفصيل :
فإن كان السائل طالب علم ، يفهم في الدليل ، ويحسن النظر ؛ فإنه لا يلزمه اتباعه بمجرد ذلك ، حتى يبين له مأخذ قوله ودليله ؛ لأن طالب العلم قادر على البحث ومعرفة الأقوال ومناقشة الأدلة والترجيح بينهما .
وإن كان السائل عاميا لا يفهم مأخذ الدليل ، ولا يستطيع مناقشة الأدلة ولا الترجيح بينها ، فإنه يلزمه اتباع المفتي في قوله ؛ فإن هذا هو الواجب في حقه ، كما قال الله تعالى : (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ) النحل /43 .
ولأن عدم الرجوع إلى العالم ، والأخذ بقوله : فيه تفويت للعلم من أصله ، وضياع للشريعة ، وفتح لباب التلاعب بالدين ، والخروج عن جملة الشريعة .
لكنه إن استراب في قول قائل ، فله أن يسأله عن دليل ذلك ، إن كان يمكنه أن يحسن ذلك ، ويفهمه إذا بين له .
والأولى في حقه ، متى استراب : أن يسأل غيره من أهل العلم ، المشهورين بالديانة والأمانة ، على جهة طلب الثقة والاطمئنان ، ودفع الريب وقلق النفس ، لا على جهة التلاعب ، وطلب الترخص ، وتتبع الزلات .
فإن طالب المستفتي المفتي بالدليل فعلى المفتي أن يذكره له .
قال ابن القيم رحمه الله :
" يَنْبَغِي لِلْمُفْتِي أَنْ يَذْكُرَ دَلِيلَ الْحُكْمِ وَمَأْخَذَهُ مَا أَمْكَنَهُ مِنْ ذَلِكَ ، وَلَا يُلْقِيهِ إلَى الْمُسْتَفْتِي سَاذَجًا مُجَرَّدًا عَنْ دَلِيلِهِ وَمَأْخَذِهِ ؛ فَهَذَا لِضِيقِ عَطَنِهِ وَقِلَّةِ بِضَاعَتِهِ مِنْ الْعِلْمِ ، وَمَنْ تَأَمَّلَ فَتَاوَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّذِي قَوْلُهُ حُجَّةٌ بِنَفْسِهِ ، رَآهَا مُشْتَمِلَةً عَلَى التَّنْبِيهِ عَلَى حِكْمَةِ الْحُكْمِ وَنَظِيرِهِ ، وَوَجْهِ مَشْرُوعِيَّتِهِ" انتهى من " إعلام الموقعين" (4/ 123) .

وبعض المفتين قد لا يذكر دليل الحكم لكونه فيه خفاء ، فلا يفهمه العامي ، فقد يكون الدليل قياسا أو قاعدة فقهية أو أصولية ... ونحو ذلك .
قال النووي رحمه الله :
" وَيَنْبَغِي للعامي أَن لَا يُطَالب الْمُفْتِي بِالدَّلِيلِ وَلَا يقل: لم قلتَ ؟ فَإِن أحبَّ أَن تسكن نَفسه بِسَمَاع الْحجَّة : طلبَهَا فِي مجْلِس آخر ، أَو فِي ذَلِك الْمجْلس بعد قبُول الْفَتْوَى مُجَرّدَة " .
انتهى من " آداب الفتوى والمفتي والمستفتي " (ص 85) .
وقال النووي أيضا :
" لَيْسَ بِمُنْكَرٍ أَنْ يَذْكُرَ الْمُفْتِي فِي فَتْوَاهُ الْحُجَّةَ ، إذَا كَانَتْ نَصًّا وَاضِحًا مُخْتَصَرًا .
قَالَ الصَّيْمَرِيُّ : لَا يَذْكُرُ الْحُجَّةَ إنْ أَفْتَى عَامِّيًّا ، وَيَذْكُرُهَا إنْ أَفْتَى فَقِيهًا ، كَمَنْ يُسْأَلُ عَنْ النِّكَاحِ بِلَا وَلِيٍّ ، فَحَسَنٌ أَنْ يَقُولَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ) ، أَوْ عَنْ رَجْعَةِ الْمُطَلَّقَةِ بَعْدَ الدُّخُولِ فَيَقُولُ : لَهُ رَجَعْتُهَا، قال الله تعالى ( وبعولتهن أحق بردهن) ".
انتهى من "المجموع" (1/ 52).
فيؤخذ من هذا : أنه إذا أفتى عاميا ، ولم يكن الدليل نصا واضحا مختصرا ؛ أنه لا حرج عليه أن لا يذكره في فتواه .
وانظر للفائدة جواب السؤال رقم : (148057) .

والله تعالى أعلم .

المصدر: موقع الإسلام سؤال وجواب

إرسال الملاحظات