الأربعاء 22 ذو القعدة 1440 - 24 يوليو 2019
العربية

لماذا استعمل الصحابة الحرق بالنار كعقوبة على بعض الجرائم ؟

227776

تاريخ النشر : 02-05-2015

المشاهدات : 60784

السؤال


ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم: لا يعذب بالنار إلا الله ؟! وبالتالي أليس الحرق محرم في الشرع ؟ لقد ذكرتم في الفتوى رقم : (38622) أن علياً وأبا بكر وخالد بن الولد حرقوا مرتكبي جريمة اللواط ، أفلا يأثمون لفعل ذلك ؟ وحتى على فرض أنه يُقتل قصاصاً، أليس القصاص بالحرق حرام ؟

ملخص الجواب:

فالحاصل : المقطوع به أن الصحابة رضوان الله عليهم لم يتعمدوا مخالفة النهي عن العقوبة بالتحريق ، وما روي عن بعضهم إما أنه غير صحيح ، أو أنه صحيح لكنهم معذورون فيه وفعلوه عن اجتهاد وهم من أهله . والمجتهد إذا بذل كل وسعه للقضاء والفتوى بالحق وأخطأ فإنه مأجور وليس بآثم . عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ : (‏ إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ ) رواه البخاري ( 7352 ) ، ومسلم ( 1716 ) . وينظر للفائدة : "شرح الكوكب المنير" (4/491-492) . والله أعلم .


الحمد لله
العقوبة بالتحريق بالنار قد ثبت النهي عنها .
عَنْ عِكْرِمَةَ : " أَنَّ عَلِيًّا رضى الله عنه حَرَّقَ قَوْمًا ، فَبَلَغَ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ : لَوْ كُنْتُ أَنَا لَمْ أُحَرِّقْهُمْ ، لأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : لاَ تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ ، وَلَقَتَلْتُهُمْ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ ‏" رواه البخاري ( 3017 ) .
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّهُ قَالَ : " بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْثٍ فَقَالَ: ( إِنْ وَجَدْتُمْ فُلاَنًا وَفُلاَنًا فَأَحْرِقُوهُمَا بِالنَّارِ ) ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَرَدْنَا الخُرُوجَ : ( إِنِّي أَمَرْتُكُمْ أَنْ تُحْرِقُوا فُلاَنًا وَفُلاَنًا ، وَإِنَّ النَّارَ لاَ يُعَذِّبُ بِهَا إِلَّا اللَّهُ ، فَإِنْ وَجَدْتُمُوهُمَا فَاقْتُلُوهُمَا ) " رواه البخاري ( 3016 ) .
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى :
" وأما حديث الباب فظاهر النهي فيه التحريم " انتهى من " فتح الباري " ( 6 / 150 ) .
وهذا النهي العام عن العقوبة بالتحريق بالنار استثنى منه جمهور أهل العلم التحريق بالنار على سبيل القصاص ، والمعاقبة بالمثل ؛ فمن حرَّق غيره ، يجوز ـ على هذا القول ـ أن يعاقب بالحرق قصاصا .
واستدلوا بقوله تعالى : ( فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ )البقرة /194.
وقوله تعالى : ( وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ )النحل /126 .
والقاعدة الأصولية تقول : إن إعْمال النصين الصحيحين ، غير المنسوخين : أولى من إهمال أحدهما .
وراجع للفائدة الفتوى رقم : ( 147416 ) .
فلهذا يرى جمهور الفقهاء جواز التحريق بالنار على وجه القصاص .
قال ابن الملقن رحمه الله تعالى :
" وقالت طائفة : من حرق يحرق ، وبه قال مالك وأهل المدينة والشافعي وأصحابه وأحمد وإسحاق " انتهى من " التوضيح لشرح الجامع الصحيح " ( 18 / 61 ) .
ثانيا :
أما ما ذكر في الفتوى رقم : (38622) من أن علياً وأبا بكر وخالد بن الولد حرقوا مرتكبي جريمة اللواط ، فيقال في الجواب عنه :
الصحابة رضوان الله عليهم ، خاصة كبارهم كالخلفاء الراشدين الأربعة وغيرهم قد أثنى الله عليهم في القرآن وثبتت فضائلهم بالسنة ، وكل ذلك بسبب شدة امتثالهم وطاعتهم لأوامر الشرع ، وثباتهم عليها واجتهادهم في الدعوة إليها حتى لقوا الله تعالى وهم كذلك .
ومن كانت هذه حالهم ، فإننا إذا وجدنا لهم قضاء أو فتوى ظاهرها يعارض نصا شرعيا ، ففي هذه الحالة يجب اتباع الآتي :
الخطوة الأولى : علينا أن نتأكد من صحة ما نسب إليهم . فلا يجوز أن ننسب لشخص شيئا لم نتأكد من صحة ثبوته .
وحوادث القتل بالنار المنسوبة للصحابة رضوان الله عليهم ليست كلها صحيحة ، وما جاء في الفتوى رقم : ( 38622 ) التي أشرت إليها ، فهذه الفتوى كانت بصدد بيان أقوال أهل العلم في عقوبة فاعل فاحشة اللواط ، فسيقت جميع الأقوال المذكورة في كيفية العقوبة على هذه الفاحشة .
وقد ذكر التحريق اتباعا لمن قال بثبوته عن الصحابة ، كابن القيم رحمه الله تعالى حيث قطع بثبوت هذه الحادثة كما سيق قوله في الفتوى .
لكن يوجد من خالف ابن القيم وضعف هذه القصة ؛ ومنهم البيهقي رحمه الله تعالى حيث قال في "السنن الكبرى" ( 17 / 219 ) : " هذا مرسل " انتهى .
ومن المعروف : أن المرسل أحد أنواع الحديث الضعيف.
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى :
" أما الإحراق : فروى ابن أبي الدنيا من طريق البيهقي ، ومن طريق ابن المنكدر : أن خالد بن الوليد كتب إلى أبي بكر أنه وجد رجلا في بعض نواحي العرب ، ينكح كما تنكح المرأة ، فجمع أبو بكر الصحابة ، فسألهم ، فكان أشدهم في ذلك قولا علي ، فقال : نرى أن نحرقه بالنار ، فاجتمع رأي الصحابة على ذلك .
قلت : وهو ضعيف جدا ، ولو صح لكان قاطعا للحجة ".
انتهى من " الدراية في تخريج أحاديث الهداية " ( 2 / 103 ) .
وعلق الشيخ بكر أبو زيد على هذه الرواية بقوله :
" وحكم الأئمة بأنه حديث مرسل كما صرح به البيهقي والشوكاني " .
انتهى من " الحدود والتعزيرات عند ابن القيم " ( ص 175 ) .
فالحاصل أن هذه الحادثة غير مقطوع بصحتها وثبوتها .
الخطوة الثانية : ففي حالة صحة نسبة فتوى أو قضاء ما ، كقصة علي رضي الله عنه .
عَنْ عِكْرِمَةَ : " أَنَّ عَلِيًّا رضى الله عنه حَرَّقَ قَوْمًا ، فَبَلَغَ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ : لَوْ كُنْتُ أَنَا لَمْ أُحَرِّقْهُمْ ، لأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : (لاَ تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ )، وَلَقَتَلْتُهُمْ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : ( مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ ‏) " رواه البخاري ( 3017 ) .
ففي مثل هذه الحادثة لا بد من وجود سبب جعل عليّا رضي الله عنه يقضي بالتحريق ، وهذه الأسباب المحتملة :
السبب الأول : لعله لم يصله حديث النهي ، فالصحابة رضوان الله عليهم هم كباقي البشر ، يفوت الواحد منهم من العلم ، بحسب حاله ، كما فات أبا بكر وعمر ، مسائل من العلم ، علمها غيرهم ، وهما أفضل من علي رضي الله عنهم جميعا . وكما فاتت غيرهم أيضا من مسائل العلم ، وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم ، ما هو معلوم .
قال الحازمي رحمه الله تعالى :
" عن عكرمة ( أن عليا حرق ناسا ارتدوا عن الإسلام ، فبلغ ابن عباس فقال : لم أكن لأحرقهم بالنار إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تعذبوا بعذاب الله ، وكنت أقتلهم لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : من بدل دينه فاقتلوه .
قال : فبلغ ذلك عليا ، فقال : ويح ابن عباس ).
هذا حديث ثابت صحيح .
قالوا : واستعجاب علي من كلام ابن عباس : يدل على أنه لم يكن قد بلغه النسخ ، وحيث بلغه قال به ، ولولا ذلك لأنكر على ابن عباس قوله " .
انتهى من " الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار " ( ص 194 ) .
السبب الثاني : لعله نسي حديث النهي ولم يتذكره ، والناسي معذور غير آثم .
ولهذا نظائر في سير الصحابة أن بعضهم قد ينسى حديثا فيذكِّره الآخر .
قال محمد بن علي بن آدم الإثيوبي :
" ويحتمل أن يكون قالها – أي قول علي ( ويح ابن عباس ) - رضًا بما قال ، وأنه حفظ ما نسيه " انتهى من " ذخيرة العقبى في شرح المجتبى " ( 31 / 385 ) .
السبب الثالث : لعله كان يتأول أن النهي لمجرد الكراهة وليس للتحريم ، كما اختار ذلك بعض أهل العلم .
قال الزرقاني رحمه الله تعالى :
" فقال – علي رضي الله عنه - : ( ويح أم ابن عباس ) . وهو محتمل أنه لم يرض اعتراضه عليه ، ورأى أن النهي للتنزيه ؛ لأن عليا كان يرى جواز التحريق ، وكذا خالد بن الوليد وغيرهما تشديدا على الكفار ، ومبالغة في النكاية والنكال " .
انتهى من " شرح الموطأ " ( 3 / 193 - 194 ) .
وعلى مثل هذه الأسباب يحمل حرق أبي بكر رضي الله عنه لأصحاب فاحشة اللواط ، إن ثبتت صحتها .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى :
" وليعلم أنه ليس أحد من الأئمة - المقبولين عند الأمة قبولا عاما- يتعمد مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء من سنته ، دقيق ولا جليل .
فإنهم متفقون اتفاقا يقينيا على وجوب اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم ، وعلى أن كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك ، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ولكن إذا وجد لواحد منهم قول ، قد جاء حديث صحيح بخلافه ، فلا بد له من عذر في تركه . وجميع الأعذار ثلاثة أصناف :
أحدها : عدم اعتقاده أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله .
والثاني : عدم اعتقاده إرادة تلك المسألة بذلك القول .
والثالث: اعتقاده أن ذلك الحكم منسوخ .
وهذه الأصناف الثلاثة تتفرع إلى أسباب متعددة ... " انتهى من " رفع الملام عن الأئمة الأعلام " ( ص 8 – 9 ) .

المصدر: موقع الإسلام سؤال وجواب

إرسال الملاحظات