الثلاثاء 23 صفر 1441 - 22 اكتوبر 2019
العربية

حكم مقارنة المأموم للإمام في أفعال الصلاة

232860

تاريخ النشر : 03-08-2015

المشاهدات : 6718

السؤال


كنت أصلي خلف الإمام في صلاة المغرب وعندما قام من الركوع أسرعت بالرفع من الركوع ولا أدري إن كنت فعلت ذلك بالتزامن معه أم بعده بقليل ؟ وبالتالي لا أدري إن كانت الصلاة صحيحة أم لا ، لأنني قرأت على موقعكم أن ذلك مكروه ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنه ، ولكن إذا كان قد نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم فكيف يكون مكروهاً ، أليس الأجدر به أن يكون محرما ؟ أرجو منكم التوضيح .


الحمد لله
أولا :
صلاتك صحيحة :
1- لأن موافقة الإمام بالركوع والسجود : مكروه ، لا تبطل به الصلاة ، كما سبق بيانه في الفتوى رقم : (33790) .
2- أن الظاهر من كلامك أنك كنت متابعا للإمام وبدأت الرفع من الركوع بعد بداية رفع الإمام ، فتبقى على الأصل : أنك تابعته ولم تسبقه ولم تقارنه ، والشكّ هنا لا يؤثر ؛ لأنّ " اليقين لا يزول بالشك " .
ثانيا :
الأصل في صيغة النهي الصادرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها تفيد التحريم .
قال ابن النجار رحمه الله تعالى :
" فإن تجردت صيغة النهي فهي للتحريم عند الأئمة الأربعة وغيرهم ، وبالغ الشافعي رضي الله عنه في إنكار قول من قال : إنها للكراهة " انتهى من " شرح الكوكب المنير " (3 / 83) .
وهذا التقرير عام للنهي الوارد في نصوص القرآن ، وللنهي الوارد في نصوص السنّة .
لأن الله تعالى أكّد وجوب هجر وترك ما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم .
قال الله تعالى :
( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) الحشر /7.
ولأن الاستدلال على التحريم بمجرد نهي النبي صلى الله عليه وسلم ، هو سبيل المؤمنين من الصحابة والتابعين .
لكن صيغة النهي قد تصرف عن التحريم ، إلى الكراهة ، لوجود صارف لها ، وهناك عدة صوارف للنهي عن التحريم إلى الكراهة .
راجع للأهمية الفتوى رقم : (184119) .
ثالثا :
أما النهي الوارد في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ الذي فيه : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا ، وَلَا تُكَبِّرُوا حَتَّى يُكَبِّرَ ، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا ، وَلَا تَرْكَعُوا حَتَّى يَرْكَعَ ... وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا ، وَلَا تَسْجُدُوا حَتَّى يَسْجُدَ ... ) رواه أبو داود (603) ، وصححه الألباني في " إرواء الغليل " (2 / 121).
فبعض أهل العلم نظر إلى لفظ الحديث ، فأبقى النهي على أصله ؛ أي أنه يفيد التحريم ، فقالوا : تجب متابعة الإمام ، وتحرم مسابقته ، وكذا تحرم مقارنته .
قال الشيخ محمد بن علي بن آدم الأثيوبي :
" قال العلامة الشوكاني رحمه الله : في شرح حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند قوله: ( فإذا كبر فكبروا ) ما حاصله :
فيه أن المأموم لا يشرع في التكبير إلا بعد فراغ الإمام منه ، وكذلك الركوع ، والرفع منه ، والسجود ، ويدل على ذلك أيضا قوله في الرواية الثانية : ( ولا تكبروا، ولا تركعوا، ولا تسجدوا ) . وكذلك سائر الروايات المشتملة على النهي.
وقد اختلف في ذلك هل هو على سبيل الوجوب ، أو الندب ، والظاهر الوجوب من غير فرق بين تكبيرة الإحرام وغيرها . انتهى .
قال الجامع : ما قاله الشوكاني من كون الأمر للوجوب هو الذي رجحه الصنعاني في عدته جـ 2 ص 241 ، وهو الراجح عندي ، فيحرم على المأموم مسابقة إمامه ، أو مقارنته ؛ لأن النهي الصريح المتقدم في رواية أبي داود للتحريم . والله تعالى أعلم " .
انتهى من " شرح سنن النسائي " (10 / 112 – 113) .
وأكثر أهل العلم قالوا : النهي عن مقارنة الإمام في أفعال الصلاة هو للكراهة فقط .
قال ابن قدامة رحمه الله تعالى :
" والمستحب أن يكون شروع المأموم في أفعال الصلاة ؛ من الرفع والوضع ، بعد فراغ الإمام منه ، ويكره فعله معه في قول أكثر أهل العلم " انتهى من " المغني " (2 / 208) .
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :
” الموافقةُ في الأفعالِ وهي مكروهةٌ، وقيل: إنها خِلافُ السُّنَّةِ، ولكن الأقربُ الكراهةُ.
مثال الموافقة: لما قالَ الإِمامُ: الله أكبر للرُّكوعِ، وشَرَعَ في الهوي هويتَ أنت والإِمامُ سواء، فهذا مكروهٌ؛ لأنَّ الرسولَ عليه الصلاة والسلام قال: إذا رَكع فاركعوا، ولا تركعوا حتى يركعَ وفي السُّجودِ لما كبَّرَ للسجودِ سجدتَ، ووصلتَ إلى الأرضِ أنت وهو سواء، فهذا مكروهٌ؛ لأن الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم نهى عنه، فقال: لا تسجدوا حتى يسجدَ .
قال البراءُ بن عَازب: كان النبي صلّى الله عليه وسلّم إذا قال: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَه لم يَحْنِ أحدٌ منَّا ظهرَهُ حتى يقعَ النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم سَاجداً، ثم نَقَعُ سجوداً بعدَه" .
انتهى من "الشرح الممتع" (4/189) .
ولعل الصارف عندهم أمران :
الأمر الأول :
أن النبي صلى الله عليه وسلم اشتد نكيره على المسابق للإمام فقط .
عن أَبي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( أَمَا يَخْشَى أَحَدُكُمْ – أَوْ لاَ يَخْشَى أَحَدُكُمْ - إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ الإِمَامِ ، أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ، أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ ) رواه البخاري (691) ، ومسلم (427) ، ولم يأت مثل هذا التشديد في المقارنة للإمام ، فيكون حكمه أخف .
قال ابن الملقن رحمه الله تعالى :
" هذا الحديث دال بمنطوقه على عدم المسابقة ، وبمفهومه على جواز المقارنة ، ولا شك فيه لكن يكره ، ويفوت به فضيلة الجماعة " انتهى من " الإعلام بفوائد عمدة الأحكام " (2 / 552)
وقد أنكر بعض العلماء أن يؤخذ من الحديث جواز المقارنة ، بل مجموع الأحاديث تدل على النهي عنها .
قال العراقي رحمه الله : "قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ أَبِي دَاوُد فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا وَلَا تُكَبِّرُوا حَتَّى يُكَبِّرَ ، وَكَذَا قَالَ فِي الرُّكُوعِ وَلَا تَرْكَعُوا حَتَّى يَرْكَعَ وَقَالَ فِي السُّجُودِ وَلَا تَسْجُدُوا حَتَّى يَسْجُدَ . وَفَائِدَةُ هَذِهِ الزِّيَادَةِ عِنْدَ أَبِي دَاوُد نَفْيُ احْتِمَالِ إرَادَةِ الْمُقَارَنَةِ " .
انْتَهَى من "طرح التثريب" (2/330) .
وقال ابن حجر رحمه الله :
" زَادَ أَبُو دَاوُدَ : (وَلَا تَرْكَعُوا حَتَّى يَرْكَعَ ، وَلَا تَسْجُدُوا حَتَّى يَسْجُدَ) وَهِيَ زِيَادَةٌ حَسَنَةٌ تَنْفِي احْتِمَالَ إِرَادَةِ الْمُقَارَنَةِ مِنْ قَوْلِهِ : (إِذَا كبر فكبروا) ...
لَكِنَّ رِوَايَةَ أَبِي دَاوُدَ هَذِهِ صَرِيحَةٌ فِي انْتِفَاء التَّقَدُّمِ وَالْمُقَارَنَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ" .
انتهى من "فتح الباري" (2/179) .
وفي "عمدة القاري" (5/217) :
"ورِوَايَة أبي دَاوُد تصرح بِانْتِفَاء التَّقَدُّم والمقارنة" انتهى .
الأمر الثاني :
لعل الجمهور نظروا إلى علة النهي وسببه ، وهي وجوب متابعة الإمام والاقتداء به وعدم الاختلاف عليه ، كما جاء مبينا في بداية حديث أَبِي هُرَيْرَةَ السابق ، ورواه أيضا البخاري (722) ، ومسلم (414) بلفظ : أنّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ ، فَلاَ تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ ) .
وتمام معنى الإمامة أن يكون الإمام متقدما على المأمومين في مكانه وفي أفعاله وأقواله .
ومن قارن ركوعه بركوع الإمام مثلا : فهو ، وإن لم يحقق كمال المتابعة والاقتداء ؛ إلا أنه لم يذهب معنى الاقتداء بالكلية ، وهذا خلاف حال الذي يسبق الإمام بالركوع ، فهو يقوم بعمل مناف ومناقض تماما للاقتداء ومتابعة الإمام .
فلهذا كانت المقارنة مكروهة لأنها تنقص من تمام الاقتداء الواجب بالإمام لكن لا تنافيها بالكليّة ، بخلاف المسابقة فقد حرمت لأنها منافية كليًّا للاقتداء الواجب .
والله أعلم .

المصدر: موقع الإسلام سؤال وجواب

إرسال الملاحظات