الثلاثاء 18 محرّم 1441 - 17 سبتمبر 2019
العربية

حكم طواف الإفاضة لمن نواه بعد محاذاة الحجر الأسود بخطوات

السؤال

سبق أن سألت ، ولكن أريد توضيح سؤالي أكثر ، وآمل الإجابة عليه ، في طواف الإفاضة من الدور الأول تجاوزت العلم الأخضر ـ الحجر الأسود ـ وأنا مادخلت في نية الطواف إلا بعد مسافه ٤ خطوات تقريبا ، وكبرت وأعلم أن التكبير سنة ، لكن نية الطواف بدأت بها عند التكبير بعد ماتجاوزت العلم الأخضر ، ونويت أن أقطع الطواف ؛ لأنني تأخرت في نية دخول الطواف ، واعتبرت الشوط الأول ملغيا ، والشوط الثاني هو الأول ، لكن بعد الشوط الأول ودخول الشوط الثاني فيه ، كنت أفكر أن أعتبره الشوط الأول لكن ما أعدت الشوط الأول ، وطفت الثاني ، وأنا تأتيني أفكار أن أعتبره الأول ، لكن أكملت الأشواط وكنت أنوي أضيف شوطا ثامنا بدل الأول ، لكن أكملت السبع أشواط ، فهل الشوط الذي نويت أن أقطعه بطل ؟ وكذلك الشوط الذي كنت أفكر فيه أن يكون هو الأول أو الثاني هل بطل ، و أعتبر أني طفت ٥ أشواط فقط ؟

نص الجواب

الحمد لله

اختلف الفقهاء في الطواف هل يشترط له نية خاصة عند أوله، أم تكفي نية العمرة أو الحج عند الإحرام، على قولين:

القول الأول: أنه تشترط النية الخاصة عند محاذاة الحجر الأسود. وهذا مذهب الحنابلة.

قال ابن قدامة رحمه الله: " وصفة هذا الطواف كصفة طواف القدوم ، سوى أنه ينوي به طواف الزيارة ، ويعينه بالنية . ولا رمل فيه ، ولا اضطباع . قال ابن عباس : إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرمل في السبع الذي أفاض فيه . والنية شرط في هذا الطواف . وهذا قول إسحاق ، وابن القاسم صاحب مالك , وابن المنذر .

وقال الثوري ، والشافعي ، وأصحاب الرأي : يجزئه ، وإن لم ينو الفرض الذي عليه" انتهى من " المغني" (3/ 391).

وعلى هذا فمن نوى بعد أربع خطوات، فإن كان ما زال محاذيا للحجر فلا إشكال، وذلك أن محاذاة العلم الأخضر أمر تقريبي، فيتقدم الناس خطوات، ويتأخرون، وكلهم يرى أنه محاذ للحجر.

وأما إن تأكد أنه لم ينو إلا بعد محاذاة الحجر، بأن كان قريبا من العلم الأخضر، ومشى خطوات بعده ثم نوى، فعلى هذا القول لا يصح شوطه.

وعلى ذلك : فيلزمه أن يعود إلى موضع البداية الصحيح ، أو يلغي هذا الشوط، ويزيد شوطا ثامنا .

القول الثاني: أن الطواف لا يحتاج إلى نية خاصة، فتكفي نية النسك (الحج أو العمرة) وهذا ما ذهب إليه الجمهور من الحنفية والمالكية والشافعية.

قال النووي رحمه الله: " ( المسألة الثالثة في نية الطواف ) قال أصحابنا : إن كان الطواف في غير حج ولا عمرة : لم يصح بغير نية ، بلا خلاف , كسائر العبادات من الصلاة والصوم ونحوهما .

وإن كان في حج أو عمرة : فينبغي أن ينوي الطواف .

فإن طاف بلا نية : فوجهان مشهوران ، ذكرهما المصنف بدليلهما :

(أصحهما) : صحته . وبه قطع جماعة منهم إمام الحرمين" انتهى من "المجموع" (8/ 16).

وقال في (8/ 18): " ( فرع ) في مذاهبهم في النية في طواف الحج أو العمرة .

قد ذكرنا أن الأصح عندنا أنها لا تشترط , وبه قال الثوري  وأبو حنيفة .

وقال أحمد وإسحاق وأبو ثور وابن القاسم المالكي وابن المنذر: لا يصح إلا بالنية" انتهى.

وقال السيوطي رحمه الله: " العبادات ذات الأفعال : يكتفى بالنية في أولها , ولا يحتاج إليها في كل فعل ، اكتفاء بانسحابها عليها ، كالوضوء والصلاة ، وكذا الحج ؛ فلا يحتاج إلى إفراد الطواف والسعي والوقوف بنية ؛ على الأصح " انتهى من "الأشباه والنظائر" للسيوطي، ص: 27.

وينظر: "الموسوعة الفقهية" (29/ 125).

وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله في ترجيح قول الجمهور:

" اعْلَمْ أَنَّ أَظْهَرَ أَقْوَالِ الْعُلَمَاء وَأَصَحَّهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ: أَنَّ الطَّوَافَ لَا يَفْتَقِرُ إِلَى نِيَّةٍ تَخُصُّهُ ؛ لِأَنَّ نِيَّةَ الْحَجِّ تَكْفِي فِيهِ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ أَعْمَالِ الْحَجِّ كَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ ، وَالْمَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ ، وَالسَّعْيِ ، وَالرَّمْيِ ، كُلُّهَا لَا تَفْتَقِرُ إِلَى نِيَّةٍ ، لِأَنَّ نِيَّةَ النُّسُكِ بِالْحَجِّ تَشْمَلُ جَمِيعَهَا ، وَعَلَى هَذَا أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ.

وَدَلِيلُهُ وَاضِحٌ ؛ لِأَنَّ نِيَّةَ الْعِبَادَةِ تَشْمَلُ جَمِيعَ أَجْزَائِهَا ، فَكَمَا لَا يَحْتَاجُ كُلُّ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ مِنَ الصَّلَاةِ إِلَى نِيَّةٍ خَاصَّةٍ لِشُمُولِ نِيَّةِ الصَّلَاةِ لِجَمِيعِ ذَلِكَ ، فَكَذَلِكَ لَا تَحْتَاجُ أَفْعَالُ الْحَجِّ لِنِيَّةٍ تَخُصُّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا ، لِشُمُولِ نِيَّةِ الْحَجِّ لِجَمِيعِهَا.

وَمِمَّا اسْتَدَلُّوا بِهِ لِذَلِكَ : أَنَّهُ لَوْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ نَاسِيًا أَجْزَأَهُ ذَلِكَ بِالْإِجْمَاعِ ، قَالَهُ النَّوَوِيُّ " انتهى من "أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن" (4/ 414).

وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله:

"هذه مسألة مهمة النية تكون عند أول فعل العبادة ، ويستحب أن تكون على ذكر منها تذكرها في كل أجزاء الصلاة هذا هو الأفضل لتكون النية مقارنة للعمل في كل جزء منه هذا هو الأفضل ، فإن غابت عنك في أثناء الصلاة هل يضرك هذا أو لا؟ لا، لا يضرك أنت على نيتك الأولى ...

ومن هنا أخذ كثير من العلماء ومنهم الشيخ محمد الشنقيطي رحمه الله أنه لا يشترط نية الطواف ولا نية السعي ؛ لأن الطواف والسعي جزء من العبادة ، فكما أنك لا تنوي الركوع في الصلاة ولا السجود بل تكفي النية العامة للصلاة ، فكذلك الطواف والسعي وسائر أجزاء العبادة أنت من حين ما قلت لبيك عمرة عند الميقات فإنك قد نويت كل أفعال العمرة .

وهذا أيضاً فيه سعة للناس ، كثير من الناس ولا سيما في أيام الزحام يدخل البيت الحرام ويشرع في الطواف ويغيب عن ذهنه أنه نوى طواف العمرة أو أي طواف كان ، فإذا قلنا أن الطواف والسعي بمنزلة الركوع والسجود في الصلاة ، وأن النية العامة تشملهما : صار في ذلك سعة للناس وتسهيل .

وهو قول كثير من أهل العلم ، وهو الذي نختاره ؛ لأن الحقيقة أن كثيراً من الناس يندهش ، ولا سيما إذا رأى كثرة الناس ، فيدخل بنية الطواف ولا يشعر بأنه للحج أو للعمرة ، ولكن الطواف سينويه لأنه جاء ليطوف ، فيطوف " انتهى من "تعليقات الشيخ على الكافي"(1/ 348، بترقيم الشاملة آليا.

وبناء على هذا القول –وهو الراجح- فإن طوافك صحيح والحمد لله، فلا تشغلي بالك بذلك، واحذري الوسوسة فيه.

والله أعلم.

المصدر: موقع الإسلام سؤال وجواب

إرسال الملاحظات