الأحد 11 ربيع الآخر 1441 - 8 ديسمبر 2019
العربية

هل صحيح أن المالكية أباحوا النمص لغير المرأة المنهية عن استعمال ما هو زينة؟

290806

تاريخ النشر : 02-12-2019

المشاهدات : 644

السؤال

قرأت أن مذهب المالكية في النمص هو الإباحة ، وأن النهي عن النمص محمول علي المرأة المنهية عن استخدام الزينة شرعا كالمتوفي عنها زوجها والمفقود زوجها ، فهل هذا صحيح ؟

نص الجواب

الحمد لله

نعم ما اطعلت عليه هو قول معتمد عند المالكية؛ جاء في "الفواكه الدواني" في الفقه المالكي (2 / 509):

" والتنميص هو نتف شعر الحاجب حتى يصير دقيقا حسنا.

ولكن روي عن عائشة رضي الله عنها جواز إزالة الشعر من الحاجب والوجه ، وهو الموافق لما مرّ، من أن المعتمد جواز حلق جميع شعر المرأة ما عدا شعر رأسها.

وعليه؛ فيحمل ما في الحديث على المرأة المنهية عن استعمال ما هو زينة لها، كالمتوفى عنها، والمفقود زوجها " انتهى.

وأما أثر عائشة رضي الله عنها الذي استدلوا به على الجواز ، فقد ذكره الحافظ ابن حجر رحمه الله ، حيث قال :

" وقد أخرج الطبري من طريق أبي إسحاق عن امرأته ، أنها دخلت على عائشة وكانت شابة يعجبها الجمال ، فقالت: المرأة تحف جبينها لزوجها؟ فقالت: أميطي عنك الأذى ما استطعت. " انتهى من "فتح الباري" (10 / 378).

ورواها ابن الجعد في "المسند" (451)، بنفس الطريق، وضعفها الشيخ الألباني رحمه الله تعالى في كتابه "غاية المرام" (رقم 96)، بسبب جهالة امرأة أبي إسحاق الراوية عن عائشة رضي الله عنها، واسمها العالية.

وقد حكم بجهالتها وعدم الاحتجاج بروايتها : الدارقطني في "السنن" (3 / 477)، وإلى نحو هذا أشار الشافعي في كتابه "الأم" (4 / 74).

فإذا ثبت ضعف الأثر عن عائشة رض الله عنها فلا حجة فيه .

وعلى فرض صحته ؛ فيحتمل أن عائشة رضي الله عنها لم يبلغها حديث النهي وأفتت بما أفتت به اجتهادا منها .

فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود رضي الله عنه، قَالَ: " لَعَنَ اللَّهُ الوَاشِمَاتِ وَالمُسْتَوْشِمَاتِ، وَالمُتَنَمِّصَاتِ، وَالمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ، المُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ تَعَالَى. مَالِي لاَ أَلْعَنُ مَنْ لَعَنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ فِي كِتَابِ اللَّهِ:  وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ  إلى  فَانْتَهُوا  " رواه البخاري (5931) ، ومسلم (2125).

ولفظ ( وَالمُتَنَمِّصَاتِ ) عام، والأصل في العام أن يعمل بعمومه، ولا يخصص بشيء إلا بدليل.

قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى:

" التحقيق ومذهب الجمهور وجوب اعتقاد العموم والعمل من غير توقف على البحث عن المخصص ، لأن اللفظ موضوع للعموم فيجب العمل بمقتضاه ، فإن اطلع على مخصص عمل به ...

وقد قدمنا أن الظاهر يجب العمل به ، حتى يوجد دليل صارف عنه.

ولا شك أن العموم ظاهر في شمول جميع الأفراد كما لا يخفى " انتهى من "مذكرة أصول الفقه" (ص 261).

وقال رحمه الله تعالى:

" وقد تقرر في الأصول أنه لا يمكن تخصيص العام ، إلا بدليل يجب الرجوع إليه، سواء كان من المخصصات المتصلة، أو المنفصلة " انتهى من "أضواء البيان" (5 / 83).

وقول عائشة رضي الله عنها – على فرض صحته- قد خالفها عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ، والصحابة إذا اختلفوا لم يكن قول بعضهم حجة على بعض ، وإنما يرجع إلى ما دلت عليه النصوص الشرعية .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:

" وأما أقوال الصحابة؛ فإن انتشرت ولم تنكر في زمانهم فهي حجة عند جماهير العلماء، وإن تنازعوا رد ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول.

ولم يكن قول بعضهم حجة مع مخالفة بعضهم له باتفاق العلماء " انتهى من "مجموع الفتاوى" (20 / 14).

روى البخاري (4886) ، ومسلم (2125) عن علقمة، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: " لَعَنَ اللَّهُ الوَاشِمَاتِ وَالمُوتَشِمَاتِ، وَالمُتَنَمِّصَاتِ وَالمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ المُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ.

وأن ابن مسعود رضي الله عنه لما حدث بهذا الحديث قالت له امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي أَسَدٍ يُقَالُ لَهَا أُمُّ يَعْقُوبَ : فَإِنِّي أَرَى أَهْلَكَ يَفْعَلُونَهُ، قَالَ: فَاذْهَبِي فَانْظُرِي، فَذَهَبَتْ فَنَظَرَتْ، فَلَمْ تَرَ مِنْ حَاجَتِهَا شَيْئًا، فَقَالَ: لَوْ كَانَتْ كَذَلِكَ مَا جَامَعْتُهَا  " يعني بذلك أنه يطلقها ولا يساكنها في البيت .

وحاصل القصة: أن زوجته رضي الله عنه لم يقم بها ما يمنعها عن التزيّن له، وقد روي أن الحوار بين هذه المرأة وابن مسعود كان عن النمص على وجه الخصوص؛ فروى الشاشي في "المسند" (2 / 256)، بسنده عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ جَابِرٍ قَالَ: " كُنَّا نُشَارِكُ الْمَرْأَةَ فِي السُّورَةِ مِنَ الْقُرْآنِ نَتَعَلَّمُهَا ، فَانْطَلَقْتُ مَعَ عَجُوزٍ مِنْ بَنِي أَسَدٍ إِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ فِي بَيْتِهِ ، فَرَأَى جَبِينَهَا يَبْرُقُ، فَقَالَ: أَتَحْلِقِينَهُ؟ فَغَضِبَتْ ، ثُمَّ قَالَتِ: الَّتِي تَحْلِقُ جَبِينَهَا امْرَأَتُكَ . قَالَ: فَادْخُلِي عَلَيْهَا، فَإِنْ كَانَتْ تَفْعَلُهُ فَهِيَ مِنِّي بَرِيئَةٌ ، فَانْطَلَقَتْ، ثُمَّ جَاءَتْ فَقَالَتْ: لَا وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُهَا تَفْعَلُهُ، فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:  يَلْعَنُ الْمُتَنَمِّصَاتِ وَالْمُتَفَلِّجَاتِ وَالْمُتَوَشِّمَاتِ اللَّائِي يُغَيِّرْنَ خَلْقَ اللَّهِ تَعَالَى  "، وحسّنه الألباني في "آداب الزفاف" (ص 203 - 204).

فالحاصل؛ أن ما ذهب إليه المالكية في هذه المسألة قول مرجوح ، غير ظاهر، وهو تخصيص للحديث الوارد من غير دليل مخصص.

والله أعلم.

المصدر: موقع الإسلام سؤال وجواب

إرسال الملاحظات