الجمعة 17 ذو الحجة 1441 - 7 اغسطس 2020
العربية

معنى "الوحي" و"النبوة" وطريقة نزول الوحي"

306935

تاريخ النشر : 14-11-2019

المشاهدات : 4540

السؤال

لدي بعض الأسئلة التى لطالما حيرتني ، وأردت اجابة وافية كافية واضحة عنها ، الاسئلة هي: - ما معنى النبوة ؟ وما معنى الوحي ؟ وكيف كان الوحي ينزل؟

الحمد لله.

أولًا :

" النبي في لغة العرب مشتق من النبأ وهو الخبر ، قال تعالى:  عَمَّ يَتَسَاءلُونَ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيم  النبأ/ 1 - 2 .

وإنّما سمّي النبي نبيّاً لأنه مُخْبرٌ مُخْبَر ، فهو مُخْبَر ، أي : أنَّ الله أخبره ، وأوحى إليه :  قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ التحريم/ 3  .

وهو مُخْبرٌ عن الله تعالى أمره ووحيه   نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ   الحجر: 49] ،   وَنَبّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ  الحجر/ 51 .

وقيل: النبوة مشتقة من النَّبْوَة ، وهي ما ارتفع من الأرض ، وتطلق العرب لفظ النبي على علم من أعلام الأرض التي يهتدى بها.

والمناسبة بين لفظ النبي والمعنى اللغوي ، أنَّ النبي ذو رفعة وقدر عظيم في الدنيا والآخرة ، فالأنبياء هم أشرف الخلق ، وهم الأعلام التي يهتدي بها الناس فتصلح دنياهم وأخراهم ".

انظر : "الرسل والرسالات لعمر الأشقر" (13).

قال "ابن تيمية" : " والنبوة مشتقّة من الإنباء.

والنبيّ فعيلٌ ، وفعيل قد يكون بمعنى فاعل ؛ أي منبئٌ ، وبمعنى مفعول ؛ أي مُنْبَأٌ .

وهما هنا متلازمان ؛ فالنبي الذي ينبئ بما أنبأه الله به، والنبي الذي نبّأه الله، وهو منبأ بما أنبأه الله به " انظر : "النبوات" لابن تيمية (2/ 873).

فالحاصل أن " النبوة واسطة بين الخالق والمخلوق في تبليغ شرعه، وسفارة بين الملك وعبيده، ودعوة من الرحمن الرحيم - تبارك وتعالى – لخلقه، ليُخرجهم من الظلمات إلى النور، وينقلهم من ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة .

فهي نعمة مهداة من الله - تبارك وتعالى - إلى عبيده، وفضل إلهيّ يتفضّل بها عليهم .

هذا في حقّ المرسَل إليهم .

أما في حقّ المرسَل نفسه، فهي امتنان من الله يمنّ بها عليه ، واصطفاء من الربّ له من بين سائر النّاس ، وهبة ربانيّة يختصّه الله بها من بين الخلق كُلّهم .

والنبوة لا تُنال بعلم ولا رياضة ، ولا تدرك بكثرة طاعة أو عبادة ، ولا تأتي بتجويع النفس أو إظمائها كما يظنّ من في عقله بلادة .

وإنّما هي محض فضل إلهيّ ، ومجرّد اصطفاء ربانيّ ، وأمر اختياريّ ؛ فهو جلّ وعلا كما أخبر عن نفسه : ( يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ) [البقرة، 105] .

فالنبوة إذاً لا تأتي باختيار النبيّ، ولا تنال بطلبه " .

انتهى من "مقدمة تحقيق كتاب النبوات" (1/ 19).

ثانيًا :

يطلق الوحي في اللغة على الإعلام في خفاء وسرعة ، وهو بهذا المفهوم يشمل الوحي العام، والوحي الخاص .

وهو قسمان: عام، وخاص .

القسم الأول: الوحي العام .

فالوحي العام يشمل: الإشارة ، والإيماء ، والإلهام ، ويشمل أيضًا ما إذا كان الإعلام من الخير أو الشر.

فمن أنواع الوحي العام:

1- الإلهام، والمقصود به: الإلهام الفطري .

ومنه: ما وقع لأم موسى عليه السلام، قال تعالى: وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ  القصص/7 .

ومنه: ما حصل للحواريين، كما قال تعالى:  وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ المائدة/ 111 .

وقد يقع الإلهام لبعض المخلوقات، كما أخبر الله عن النحل، قائلًا:  وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ  النحل: 68].

2- ما يلقيه الله تعالى لملائكته، قال تعالى:  إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ  الأنفال/12 .

3- ويطلق الوحي بهذا المفهوم على فعل بعض المخلوقين، كما قال سبحانه عن زكريا عليه السلام،  فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا  مريم/ 11 ، فالمعنى: أشار إليهم أن يسبحوا الله بكرة وعشيًا .

3- ويطلق الوحي بهذا المفهوم على ما يلقيه الشياطين إلى أوليائهم، قال تعالى:  وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ  الأنعام/ 112 .

القسم الثاني: الوحي بالمفهوم الخاص، (الاصطلاح الشرعي) :

أما الوحي بالمفهوم الشرعي، فيطلق على " إعلام الله لنبي من أنبيائه، بكيفية معينة، بنبوته، وما يتبعها من أوامر ونواه وأخبار ".

وهذا الوحي بالمفهوم الشرعي له أنواع متعددة، ذكر الله تعالى أعلاها في قوله:  وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ  الشورى/51.

هذه مقامات الوحي بالنسبة إلى جناب الله عز وجل:

1- فتارة يقذف في روع النبي صلى الله عليه وسلم شيئًا، لا يتمارى فيه أنه من الله عز وجل، وهذا يقع يقظة ومنامًا.

2- وتارة يقع بتكليم الله عز وجل مباشرة من وراء حجاب، كما حصل لموسى عليه السلام .

3- وتارة يقع بتكليم المَلَك، وبهذه الطريقة وقع نزول القرآن، فقد نزل به جبريل عليه السلام .

وينظر تفاصيل مهمة حول ذلك في جواب السؤال رقم : (150936) .

ثالثًا :

ورد في بعض الأحاديث شيء من أحوال النبي صلى الله عليه وسلم، حين ينزل عليه الوحي ، ومن هذه الأحاديث :

1- عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، أن الحارث بن هشام رضي الله عنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " يا رسول الله ، كيف يأتيك الوحي ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشده علي، فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول  قالت عائشة رضي الله عنها: "ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه، وإن جبينه ليتفصد عرقًا"  البخاري (2) .

[(صلصلة) هي صوت الحديد إذا حرك وتطلق على كل صوت له طنين. والمشبه هنا صوت الملك بالوحي. (فيفصم) يُقْلِع، ويذهب. (وعيت) فهمت وحفظت. (ليتفصد) يسيل، مبالغة من كثرة عرقه].

2- عن ابن عباس في قوله تعالى: "لا تحرك به لسانك لتعجل به [القيامة: 16] قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعالج من التنزيل شدة، وكان مما يحرك شفتيه - فقال ابن عباس: فأنا أحركهما لكم، كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحركهما، وقال سعيد: أنا أحركهما كما رأيت ابن عباس يحركهما، فحرك شفتيه - فأنزل الله تعالى: لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه [القيامة: 17] . قال: جمعه لك في صدرك، وتقرؤه. فإذا قرأناه فاتبع قرآنه [القيامة: 18] قال: فاستمع له وأنصت. ثم إن علينا بيانه [القيامة: 19]: ثم إن علينا أن تقرأه.

فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك إذا أتاه جبريل استمع فإذا انطلق جبريل قرأه النبي صلى الله عليه وسلم كما قرأه" رواه البخاري (5) .

ينظر : "الدليل إلى القرآن"، للشيخ عمرو الشرقاوي (29 - 35) .

وينظر جواب السؤال رقم : (13488) ، ورقم : (10013) .

والله أعلم 

المصدر: موقع الإسلام سؤال وجواب