الثلاثاء 28 ذو القعدة 1443 - 28 يونيو 2022
العربية

الدعاء بدعوة ذي النون

318430

تاريخ النشر : 14-11-2019

المشاهدات : 62262

السؤال

كيفية الدعاء بدعوة ذي النون ؟ يعني هل أقول لا إله إلا أنت الخ، ثم أذكر حاجتي، أم أكتفي بقولها بنية تحقيق حاجتي ؟

الجواب

الحمد لله.

عَنْ سَعْد بن أبي وقاص، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:   دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذْ دَعَا وَهُوَ فِي بَطْنِ الحُوتِ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ  رواه الترمذي (3505)، والإمام أحمد في "المسند" (3 / 65)، وحسنه محققو المسند، وصححه الشيخ الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (2 / 282).

وهذا الدعاء وارد في قوله تعالى:  وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ، فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ  الأنبياء/87 - 88.

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله تعالى:

" فنادى في تلك الظلمات: ( لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ )، فأقر لله تعالى بكمال الألوهية، ونزهه عن كل نقص، وعيب وآفة، واعترف بظلم نفسه وجنايته.

قال الله تعالى: ( فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ ، لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) ، ولهذا قال هنا: ( فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ ) ، أي الشدة التي وقع فيها.

( وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ) وهذا وعد وبشارة لكل مؤمن وقع في شدة وغم ؛ أن الله تعالى سينجيه منها ، ويكشف عنه ويخفف، لإيمانه ، كما فعل بـ "يونس" عليه السلام " انتهى من"تفسير السعدي" (ص 529).

والظاهر من لفظ الحديث أن الاقتصار على ملازمة هذا الدعاء بخشوع وخضوع قلب، بنية أن يستجيب الله لحاجته، يكفيه عن ذكر اسم هذه الحاجة؛ فقد سماه دعاء، ولم يرشد الداعي إلى ذكر حاجته.

قال القرطبي رحمه الله تعالى:

" وقوله: ( كان صلى الله عليه وسلم يقول عند الكرب: لا إله إلا الله العظيم الحليم... ) الحديث.

قال الطبري: كان السلف يدعون بهذا الدعاء، ويسمونه: دعاء الكرب.

فإن قيل: كيف يسمى هذا دعاء وليس فيه من معنى الدعاء شيء، وإنما هو تعظيم لله تعالى، وثناء عليه؟

فالجواب: إن هذا يسمى دعاء لوجهين:

أحدهما: أنه يستفتح به الدعاء، ومن بعده يدعو. وقد ورد في بعض طرقه: ( ثم يدعو ).

وثانيهما: أن ابن عيينة قال - وقد سُئِل عن هذا -: أما علمت أن الله تعالى يقول: ( إذا شغل عبدي ثناؤه عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين ).

وقد قال أمية بن أبي الصلت:

إذا أثنى عليك المرء يوما ... كفاه من تعرضك الثناء

قلت: وهذا الكلام حسن، وتتميمه أن ذلك إنما كان لنكتتين:

إحداهما: كرم المُثنَى عليه، فإنه إذا اكتفى بالثناء عن السؤال، دل ذلك على سهولة البذل عليه، والمبالغة في كرم الحق.

وثانيهما: أن المثني لما آثر الثناء، الذي هو حق المثنَى عليه، على حق نفسه الذي هو حاجته؛ بودر إلى قضاء حاجته، من غير إحواج إلى إظهار مذلة السؤال؛ مجازاة له على ذلك الإيثار، والله تعالى أعلم.

ومما قد جاء منصوصا عليه وسمي دعاء، وإن لم يكن فيه دعاء ولا طلب، ما أخرجه النسائي من حديث سعد بن أبي وقاص، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( دعوة ذي النون ... ) " انتهى من "المفهم" (7 / 56 - 57).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:

" فصاحب الحوت ومن أشبهه، لماذا ناسب حالهم صيغة الوصف والخبر دون صيغة الطلب؟

فيقال: لأن المقام مقام اعتراف بأن ما أصابني من الشر كان بذنبي، فأصل الشر هو الذنب، والمقصود دفع الضر، والاستغفار جاء بالقصد الثاني، فلم يذكر صيغة طلب كشف الضر لاستشعاره أنه مسيء ظالم، وهو الذي أدخل الضر على نفسه، فناسب حاله أن يذكر ما يرفع سببه من الاعتراف بظلمه، ولم يذكر صيغة طلب المغفرة؛ لأنه مقصود للعبد المكروب بالقصد الثاني؛ بخلاف كشف الكرب فإنه مقصود له في حال وجوده بالقصد الأول، إذ النفس بطبعها تطلب ما هي محتاجة إليه من زوال الضرر الحاصل في الحال، قبل طلبها زوال ما تخاف وجوده من الضرر في المستقبل بالقصد الثاني، والمقصود الأول في هذا المقام هو المغفرة، وطلب كشف الضر، فهذا مقدم في قصده وإرادته، وأبلغ ما ينال به: رفع سببه، فجاء بما يحصل مقصوده... " انتهى من "مجموع الفتاوى" (10 / 247 - 248).

وإن استفتح به في الدعاء ثم دعا بعد ذلك بحاجته فهو حسن أيضا؛ لأن الدعاء بالحاجة مشروع؛ والاستكثار من الأدعية والجمع بينها الأصل فيه المشروعية أيضا.

وهذا هو أحد الوجهين لأهل العلم في فهم معنى الدعاء الوراد في هذا الذكر.

قال الأمير الصنعاني رحمه الله تعالى:

" فإن قيل: هذا ذكر لا دعاء! قلنا: هو ذكر يفتح به الدعاء ثم يدعو بما شاء " انتهى من "التنوير" (6 / 98).

والله أعلم.

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

المصدر: موقع الإسلام سؤال وجواب