الثلاثاء 22 جمادى الآخرة 1443 - 25 يناير 2022
العربية

فضل علم الطب وهل يدخل الطبيب المناوب في حديث (عين باتت تحرس في سبيل الله) ؟

السؤال

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عينان لاتمسهما النار، عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله)، فهل عمل الطبيب داخل المشفى ومناوباته، والمبيت داخل المشفى يدخل ضمن هذا الحديث؟ أو هل يعتبر من المرابطين ما دام ضمن مناوبته؟ وآمل منكم بيان فضل عمل الطبيب ؟ وما ذكر فيه وفي فضله من الناحية الدينية؛ لأنني ابتدأت أحس أن عملي يستهلكني، وغير راغب فيه، آمل ذكر ما يجعلني أتمسك بعملي وأرغب به، والدعاء لي.

الحمد لله.

أولا: في بيان معنى ( عين باتت تحرس في سبيل الله ) 

روى الترمذي (1639) عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:  عَيْنَانِ لَا تَمَسُّهُمَا النَّارُ: عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ  وصححه الألباني في "صحيح الترمذي".

ورواه الحاكم في المستدرك (2431) عن أبي هريرة رضي الله عنه، يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  حرم على عينين أن تنالهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس الإسلام وأهله من أهل الكفر   وقال الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (1233): "صحيح لغيره".

فالمقصود بالحراسة المرابطة في الجهاد.

قال في "دليل الفالحين" (7/ 106): " شامل لمن حرس الجيش من عدو، ومن حرس الثغر بالرباط فيه" انتهى.

وقال في "مرقاة المفاتيح" (6/ 2479): " (وعين باتت تحرس) : وفي رواية تكلأ (في سبيل الله) : وهي مرتبة المجاهدين في العبادة، وهي شاملة ; لأن تكون في الحج، أو طلب العلم، أو الجهاد، أو العبادة، والأظهر أن المراد به الحارس للمجاهدين لحفظهم عن الكفار" انتهى.

ولم نقف على من جعل الطبيب المناوب داخلا في ذلك، وإنما ذكروا الحج وطلب العلم لأنه يطلق عليه أنه في سبيل الله.

ثانيا: الطب من أشرف العلوم بعد علم الشريعة

الطب من أشرف العلوم بعد علم الشريعة، لما فيه من حفظ الأبدان.

روى الإمام ابن أبي حاتم الرازي في "آداب الشافعي ومناقبه" ص244 عن الرَّبِيع بْن سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ، يَقُولُ: "إِنَّمَا الْعِلْمُ عِلْمَانِ: عِلْمُ الدِّينِ، وَعِلْمُ الدُّنْيَا، فَالْعِلْمُ الَّذِي لِلدِّينِ هُوَ: الْفِقْهُ، وَالْعِلْمُ الَّذِي لِلدُّنْيَا هُوَ: الطِّبُّ. وَمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الشِّعْرِ وَنَحْوِهِ، فَهُوَ عَنَاءٌ أَوْ عَيْبٌ".

وروى عنه قوله: "لا تَسْكُنَنَّ بَلَدًا لا يَكُونُ فِيهِ عَالِمٌ يُفْتِيكَ عَنْ دِينِكَ، وَلا طَبِيبٌ يُنْبِئُكَ عَنْ أَمْرِ بَدَنِكَ" انتهى.

ونقل الذهبي في ترجمة الشافعي من "سير أعلام النبلاء" (10/ 57) عنه قوله: "لا أعلم علما بعد الحلال والحرام، أنبل من الطب، إلا أن أهل الكتاب قد غلبونا عليه.

قال حرملة: كان الشافعي يتلهف على ما ضيع المسلمون من الطب، ويقول: ضيعوا ثلث العلم، ووكلوه إلى اليهود والنصارى" انتهى.

والطبيب إن حسنت نيته أثيب ثوابا عظيما؛ لأن عمله يدخل في الإحسان، وتفريج الكرب، ونفع الناس، مع الصبر، والبذل.

قال تعالى:  وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ  آل عمران/134.

وقال:  هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ  الرحمن /60.

وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:  مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا ، نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ . وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ ، يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ . وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ . وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ. وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ . وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ ، إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ السَّكِينَةُ ، وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَةُ،  وَحَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ وَذَكَرَهُمْ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ ، وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ  رواه مسلم (2699).

وقال صلى الله عليه وسلم:  أحب العباد إلى الله تعالى أنفعهم لعياله  أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، وحسنه الألباني في صحيح الجامع.

وقال صلى الله عليه وسلم:  أحبُّ الناسِ إلى الله أنْفَعُهم لِلنَّاسِ، وأحبُّ الأعْمالِ إلى الله عزَّ وجلَّ سرورٌ تُدْخِلُه على مسلمٍ، تَكْشِفُ عنه كُرْبَةً، أَوْ تَقْضِي عنه دَيْناً، أوْ تَطْرُدُ عنه جُوعاً، ولأَنْ أَمْشي مَعَ أخٍ في حاجَة؛ أحَبُّ إليَّ مِنْ أنْ أعْتَكِفَ في هذا المسجِدِ -يعني مسجدَ المدينَةِ- شَهْراً، ومَنْ كَظَم غيْظَهُ- ولو شاءَ أنْ يُمْضِيَهُ أمْضاهُ-؛ ملأَ الله قلْبَهُ يومَ القيامَةِ رِضاً، ومَنْ مَشى مَع أخيه في حاجَةٍ حتى يَقْضِيَها له؛ ثَبَّتَ الله قدَميْه يومَ تزولُ الأقْدامُ  رواه ابن أبي الدنيا في قضاء الحوائج، وحسنه الألباني في "صحيح الجامع".

فاحتسب ما أنت فيه، وأخلص النية لله، وارج الخير منه سبحانه، فأنت في أشرف المهام والأعمال، ولا تنس حظك من العبادات المنوعة والأذكار، وتلاوة القرآن، فإنها زادك إلى رب العالمين.

والله أعلم.

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

المصدر: موقع الإسلام سؤال وجواب