208441: أفطر لمرض لا يرجى شفاؤه ثم قدر على الصوم


السؤال:
لدي مرض الفشل الكلوي المزمن منذ سنوات ، وكنت أصوم بلا مشاكل حتى رمضان 1431هـ ، حيث بدأت أشعر بالتعب من منتصفه ، وساءت حالتي الصحية بعده ، وتحولت إلى فشل حاد ، وتدهور بطيء ومستمر ، فلم أصم رمضان 1432 ، و 1433 ، ودفعت فدية الصيام بناء على فتوى من موقع إسلامي شهير على الإنترنت بعد أن شرحت لهم حالتي ، علماً أنني لم أستشر الطبيب بهذا الخصوص . هذا العام 1434 هـ صمت رمضان والحمد لله ؛ لأني كانت عندي رغبة كبيرة بالصوم ، وبعد أن عرفت أن الصيام أفضل لحالتي ، وذلك لتطهير الجسم من السموم ، بعكس ما فهمت بالسابق .

فهل علي الآن قضاء صيام شهري رمضان عامي 1432 و1433هـ أم لا ؟ علماً أني لا أزال مريضاً وحالتي تسوء يوماً بعد الآخر .

الجواب :
الحمد لله
بداية نسأل الله تعالى لك السلامة والعافية ، ونوصيك بالصبر واحتساب الأمر عند الله تعالى ، وأيقن أن ما أصابك من بلاء إنما هو في ظاهره شر ومشقة ، ولكن باطنه بإذن الله خير ، فالمصاب عند الله ليس كالمعافى ، والمريض ليس كالسليم ، إذا احتسب المريض وصبر ، وكل شيء عنده عز وجل بمقدار .
ثم إن تركك الصيام في العامين الفائتين مما وسع الله به عليك ، ولم يكن فيه حرج شرعي بإذن الله ، فقد قال الله عز وجل : ( فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ) البقرة/184، وعن عطاء : " أنه سمع ابن عباس ، يقرأ : وعلى الذين يطوقونه ، فلا يطيقونه : فدية طعام مسكين ، قال ابن عباس : ليست بمنسوخة ، هو الشيخ الكبير ، والمرأة الكبيرة ، لا يستطيعان أن يصوما ، فيطعمان مكان كل يوم مسكينا " . رواه البخاري في " صحيحه " (4505).
وقد بحث الفقهاء صورة السؤال الوارد من جهتك ، وهو أنه إذا أفطر المريض الذي ظن أنه لا يرجى برؤه ، أو الهرم الكبير ، ثم قدر على الصيام في الأعوام التالية ، بسبب شفاء أو صحة ونحو ذلك ، فهل يجزئه دفع الفدية عما أفطره سابقا ، أم لا بد من قضاء الصيام ، وذلك على ثلاثة أقوال للعلماء :
القول الأول : لا يجب القضاء ، بل الفدية فحسب ، وهو معتمد مذهب الشافعية .
يقول الإمام الرملي رحمه الله :
" وإنما لم يلزم من ذُكر قضاء ، إذا قدر بعد ذلك : لسقوط الصوم عنه ، وعدم مخاطبته به ، كما هو الأصح في "المجموع" ، من أن الفدية واجبة في حقه ابتداء ، لا بدلا عن الصوم "
وعلق عليه صاحب الحاشية بقوله :
" لم يلزم من ذكر قضاء ، أي : وإن كانت الفدية باقية في ذمته " .
انتهى من " نهاية المحتاج " (3/193) .
ويقول ابن حجر الهيتمي رحمه الله :
" ولو قدر بعد على الصوم : لم يلزمه قضاء ، كما قاله الأكثرون " .
انتهى من " تحفة المحتاج " (3/440).
القول الثاني : يجب القضاء ، وهو مذهب الحنفية ، ووجه للشافعية .
جاء في " رد المحتار على الدر المختار " (2/427):
" ومتى قدر : قضى ، أي : الفاني الذي أفطر وفدى " انتهى .
القول الثالث : التفصيل ، إذا شفي بعد دفع الفدية : فلا قضاء عليه ، أما إذا قدر على الصوم ، ولم يكن قد دفع الفدية عما مضى : فيجب عليه الصوم في هذه الحالة ، وهو مذهب الحنابلة ، وقرره البغوي من الشافعية .
يقول البهوتي رحمه الله :
" إن أطعم ثم قدر على القضاء ...لا يجب القضاء ، بل يتعين الإطعام ، قاله في المبدع ، ومفهومه أنه لو عوفي قبل الإطعام : تعين القضاء " انتهى من " كشاف القناع " (2/310).
جاء في " المجموع " للإمام النووي (6/261) قوله :
" ثم اختار البغوي لنفسه : أنه إذا قدر قبل أن يفدي لزمه الصوم ، وإن قدر بعد الفدية فيحتمل أن يكون كالحج ؛ لأنه كان مخاطبا بالفدية على توهم دوام عذره . وقد بان خلافه " انتهى .

وأظهر الأقوال في هذا ، إن شاء الله : هو القول الأول : أن الفدية تجزئ عما أفطره لذلك العذر ، سواء كان قد دفعها سابقا ، أم لم يكن قد دفعها بعد ، وعدم وجوب القضاء ، وذلك أنه مخاطب بالفدية في حال مرضه المزمن ، فلا ينتقل عنها إلى غيرها ، كما أن في إيجاب قضاء ما مضى مشقة بالغة في بعض الأحوال ، والمشقة تجلب التيسير .
سئل الشيخ ابن باز رحمه الله السؤال الآتي :
" شخص أصابه مرض مزمن ، ونصحه الأطباء بعدم الصوم دائما ، ولكنه راجع أطباء في غير بلده وشفي بإذن الله ، أي بعد خمس سنوات ، وقد مر عليه خمس رمضانات وهو لم يصمها ، فماذا يفعل بعد أن شفاه الله ، هل يقضيها أم لا ؟
فأجاب :
إذا كان الأطباء الذين نصحوه بعدم الصوم دائما أطباء من المسلمين الموثوقين العارفين بجنس هذا المرض ، وذكروا له أنه لا يرجى برؤه ، فليس عليه قضاء ، ويكفيه الإطعام ، وعليه أن يستقبل الصيام مستقبلا " انتهى من " مجموع فتاوى ابن باز " (15/354) .
وينظر الفتوى رقم : (84203) .

والخلاصة : أنه لا قضاء عليك فيما فات من العامين (1432-1433هـ) ولو لم تكن قد سألت الأطباء حينها ، فمرض الكلى معلوم أنه من الأمراض المزمنة ، وصيام المريض بالكلى غالبا ما يؤدي للضرر والمشقة ، والعبرة بما يجده المريض في نفسه ، وأما سؤال الطبيب فلم يوجبه الفقهاء ، وإنما ينصحون به صيانة للمريض أن يؤدي به صومه إلى الضرر .
وعلى كل حال ننصحك بمراجعة الأطباء وسؤالهم قبل كل صيام .
والله أعلم .

موقع الإسلام سؤال وجواب
أضف تعليقا