الثلاثاء 21 صفر 1443 - 28 سبتمبر 2021
العربية

الحكم على أحاديث وردت في استحباب صيام العشر الأول من ذي الحجة

السؤال

من خلال المقالة التي على موقعكم، والمعنونة بـ" العشر الأول من ذي الحجة "، فهمت أنه يُستحب صيام يوم التاسع، ولكن لم تذكروا ما إذا كان من السنة صيام بقية أيام العشر. وهناك أحاديث لا أدري صحتها، تُبَيِّنُ فضل هذه الأيام، وتحث على التزود بالطاعات فيها، بما في ذلك الصيام. هذه الأحاديث هي كالتالي:

1- عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من أيام أحب إلى الله أن يتعبد له فيها من عشر ذي الحجة، يعدل صيام كل يوم منها بصيام سنة، وقيام كل ليلة منها بقيام ليلة القدر) رواه الترمذي وابن ماجة والبيهقي.

2- عن حفصة رضي الله عنها قالت: (خمس لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يدعهن: صيام يوم عاشوراء، وعشر من ذي الحجة، وثلاثة أيام من كل شهر، وركعتين قبل الفجر...) رواه أحمد والنسائي.

فمِن هذه الأحاديث أفهم أنه ليس من السنة فقط صيام اليوم التاسع، بل بقية العشر كذلك. فهل هذا صحيح ؟ ولماذا لم يُذكر ذلك في المقالة؟ وهل الأحاديث المذكورة صحيحة؟

ملخص الجواب

1. حديث (مَا مِنْ أَيَّامٍ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ أَنْ يُتَعَبَّدَ لَهُ فِيهَا مِنْ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ، يَعْدِلُ صِيَامُ كُلِّ يَوْمٍ مِنْهَا بِصِيَامِ سَنَةٍ وَقِيَامُ كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْهَا بِقِيَامِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ) إسناده ضعيف بسبب النهاس بن قهم، ومسعود بن واصل. 2. حديث خمس لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يدعهن..) مداره على هنيدة بن خالد الخزاعي، وقد جاء عنه على أوجه إسنادية كثيرة، وبألفاظ مختلفة، ولهذا اختلف نقاد الحديث في الحكم عليه، وينظر تفصيل ذلك في الجواب المطول.

الحمد لله.

أولا:

سبق في موقعنا تقرير استحباب صيام الأيام التسعة الأولى مِن ذي الحجة، وذلك في جواب السؤال رقم: (41633)، (49042)، (84271)

ثانيا:

الحكم على حديث أن (التعبد في العشر من ذي الحجة يعدل كل يوم منها صيام سنة..)

أما الحديث الوارد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(مَا مِنْ أَيَّامٍ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ أَنْ يُتَعَبَّدَ لَهُ فِيهَا مِنْ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ، يَعْدِلُ صِيَامُ كُلِّ يَوْمٍ مِنْهَا بِصِيَامِ سَنَةٍ وَقِيَامُ كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْهَا بِقِيَامِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ)

فرواه الترمذي (رقم/758)، والبزار (رقم/7816)، وابن ماجه (رقم/1728) من طريق أبي بكر بن نافع البصري، قال: حدثنا مسعود بن واصل، عن نهاس بن قهم، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة به.

وهذا إسناد ضعيف بسبب النهاس بن قهم، ومسعود بن واصل، ولذلك اتفقت كلمة علماء الحديث على تضعيفه:

قال الترمذي رحمه الله: "هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث مسعود بن واصل، عن النهاس. وسألت محمدا – يعني البخاري - عن هذا الحديث فلم يعرفه من غير هذا الوجه مثل هذا. وقد روي عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا شيء من هذا. وقد تكلم يحيى بن سعيد في نهاس بن قهم من قبل حفظه." انتهى

وقال البغوي رحمه الله: "إسناده ضعيف." انتهى من "شرح السنة" (2/624)

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "فيه ضعف." انتهى من "شرح العمدة" (2/555)

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "إسناده ضعيف." انتهى من "فتح الباري" (2/534)

وضعفه الشيخ الألباني رحمه الله في " السلسلة الضعيفة " (رقم/5142)

يقول الحافظ ابن رجب رحمه الله – بعد أن أورد هذا الحديث وغيره في الباب -:

"وفي المضاعفة أحاديث أخر مرفوعة، لكنها موضوعة، فلذلك أعرضنا عنها وعما أشبهها من الموضوعات في فضائل العشر، وهي كثيرة." انتهى من "لطائف المعارف" (ص/262)

ثالثا:

الحكم على حديث (خمس لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يدعهن...)

أما الحديث الثاني الوارد في السؤال: (خمس لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يدعهن..)، فمداره على هنيدة بن خالد الخزاعي، وقد جاء عنه على أوجه إسنادية كثيرة، وبألفاظ مختلفة:

الوجه الأول: هنيدة بن خالد، عن أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها.

وقد رواه عنه الحر بن الصيَّاح، ورواه عن الحر على هذا الوجه ثلاثة من الرواة:

1- عمرو بن قيس الملائي: يرويه النسائي في "السنن" (2416)، وأحمد في "المسند" (44/59)، والطبراني في "المعجم الكبير" (23/205)، وابن حبان في صحيحه (14/332)، وأبو يعلى في "المسند" (12/469) ولفظه: (أَرْبَعٌ لَمْ يَكُنْ يَدَعُهُنَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: صِيَامَ عَاشُورَاءَ، وَالْعَشْرَ، وَثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَالرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْغَدَاةِ) والراوي عن عمرو بن قيس هو أبو إسحاق الأشجعي: مجهول، ولذلك ضعفه به محققو المسند، والشيخ الألباني في "إرواء الغليل" (4/111).

2- وزهير بن معاوية أبو خيثمة: عند النسائي في "الكبرى" (2/135) ولفظ زهير: (كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصوم من كل شهر ثلاثة أيام، أول اثنين من الشهر، ثم الخميس، ثم الخميس الذي يليه)

3- وشريك: أخرجه النسائي في "الكبرى" (2/135)، وأحمد في "المسند" (9/460) طبعة مؤسسة الرسالة، وجعله شريك من مسند ابن عمر بلفظ حديث زهير.

يقول ابن أبي حاتم رحمه الله:

"سألتُ أبِي، وأبا زُرعة، عَن حدِيثٍ؛ رواهُ شرِيكٌ، عنِ الحُرِّ بنِ الصياحِ، عنِ ابنِ عُمر: أنَّ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم، كان يصُومُ مِن الشّهرِ الاثنين، والخمِيس الّذِي يلِيهِ، ثُمّ اثنين الّذِي يلِيهِ. فقالا: هذا خطأٌ، إِنّما هُو الحُرُّ بنُ صياحٍ، عن هُنيدة بنِ خالِدٍ، عنِ امرأتِهِ، عن أُمِّ سلمة، عنِ النّبِيِّ صلى الله عليه وسلم." انتهى من "العلل" (1/231)

وقال محققو المسند: 

"إسناده ضعيف، شريك - وهو ابن عبد الله النخعي -، سيئ الحفظ، وقد اختلف عليه في لفظ الحديث – ثم ذكروا ذلك الاختلاف -." انتهى من "المسند" (9/460)

الوجه الثاني: عن هنيدة بن خالد، عن امرأته، عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم. 

يرويه أبو عوانة، عن الحر بن الصياح، عن هنيدة، على هذا الوجه: أخرجه أبو داود (رقم/2437)، والنسائي (2372)، (2418)، وأحمد (37/24)، (44/69)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (4/284)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (2/76) ولفظه عند أبي داود: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم تسع ذي الحجة، ويوم عاشوراء، وثلاثة أيام من كل شهر، أول اثنين من الشهر والخميس)

الوجه الثالث: عن هنيدة، عن أمه، عن أم سلمة 

من طريق محمد بن فُضَيل، قال: حدثنا الحسن بن عُبيد الله، عن هنيدة الخزاعي، عن أمه، عن أم سلمة قالت: (كَانَ رَسُولُ اللهِِ صلى الله عليه وسلم يَأمُرُ بِصِيَامِ ثَلاثَةِ أيَّامٍ: أوَّلَ خَمِيسٍ، وَالاثْنَيْنَ وَالاثْنَيْنَ - وفىِ رواية -: كَانَ رَسُولُ اللهِِ صلى الله عليه وسلم يَاْمُرُنِي أَنْ أصُومَ ثَلاثَةَ أيَّام مِنَ الشَّهْرِ: الاثْنَيْن، وَالْخَمِيس، وَالاثْنَيْن مِنَ الْجُمُعَةِ الأخْرَى - وفي رواية -: كَانَ رَسُولُ اللهِِ صلى الله عليه وسلم يَأْمُرنِي أَنْ أصُومَ ثَلاثَةَ أيَامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، أوَّلُهَا الاثْنَيْنَ، وَالْجُمُعَة، وَالْخَمِيس)

أخرجه أحمد (44/82)، وأبو يعلى في "المسند" (12/315)، وأبو داود (2452)،  والنَّسائي (4/221)، وليس فيه ذكر لصيام تسع ذي الحجة، وصيام يوم عاشوراء، بل اقتصر على صيام ثلاثة أيام من كل شهر.

الوجه الرابع: عن هنيدة، عن امرأته، عن أم سلمة 

من طريق عبد الرحيم بن سليمان، عن الحسن بن عبيد الله، عن الحر بن صياح، عن هنيدة بن خالد، عن امرأته، عن أم سلمة – باللفظ السابق - رواه الطبراني في "المعجم الكبير" (23/216)، (23/420)، وأبو يعلى في "المسند"

الوجه الخامس: عن هنيدة بن خالد، قال: دخلتُ على أم المؤمنين – ولم يعين اسمها -.

من طريق زهير بن معاوية، عن الحر بن الصياح، قال سمعت هنيدة الخزاعي قال: دخلت على أم المؤمنين سمعتها تقول: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم من كل شهر ثلاثة أيام: أول اثنين من الشهر، ثم الخميس، ثم الخميس الذي يليه) يرويه النسائي (رقم/2415)

والحاصل أن نقاد الحديث اختلفوا في الحكم على هذا الحديث بسبب كل هذا الاختلاف في سنده ومتنه:

فضعف الحديثَ الزيلعي في "نصب الراية" (2/157)، ومحققو مسند أحمد، والشيخ ابن باز – كما في " مجموع فتاوى ابن باز " (15/417) – وذلك لاضطراب سنده ومتنه، ولعل هذا هو المتجه في الحكم على الحديث.

وصحح الشيخ الألباني في "صحيح أبي داود" (7/196-199) روايتي زهير بن معاوية وأبي عوانة عن الحر بن الصياح.

وجاء في "العلل" للدارقطني (15/121-122):

"وسئل عن حديث هنيدة بن خالد الخزاعي، عن حفصة، قالت: أربعة لم يدعهن النبي صلى الله عليه وسلم: صيام عاشوراء، والعشر، وثلاثة أيام من كل شهر، والركعتان قبل الغداة. 

فقال: يرويه الحر بن الصياح، عن هنيدة بن خالد الخزاعي، عن حفصة. وخالفه الحسن بن عبيد الله، واختلف عنه: فرواه عبد الرحيم بن سليمان، عن الحسن بن عبيد الله، عن أمه، عن أم سلمة؛ ورواه أبو عوانة، عن الحر بن الصياح، عن هنيدة، عن امرأته، عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يسمها." انتهى

والله أعلم.

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

المصدر: الإسلام سؤال وجواب