الخميس 15 صفر 1443 - 23 سبتمبر 2021
العربية

حال أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ، مع غيرة النساء الطبيعية .

241838

تاريخ النشر : 19-06-2016

المشاهدات : 30130

السؤال


هل يمكن أن تذكروا لي بعض الأحاديث التي تدل على علاقة الصداقة والمحبة بين أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ؟ فقد وجدت حديث سودة عندما أعطت ليلتها لعائشة رضي الله عنهن ’، ولكن قرأت أحاديث أخرى تتحدث عن غيرتهن ؟ تزوج زوجي امرأة أخرى قبل 6 أشهر ، وهي عزيزة على قلبي ، ولكن عائلتها التي تتبع العادات والتقاليد أكثر من الشرع جعلت ضرتي تشعر بالسوء ؛ لأنهم يحاولون إقناعها بأنني غير سعيدة بوجودها كزوجة ثانية ، وأنني أغار منها ، وقد حاولت الحديث مع عائلتها للتخفيف من شدة الموقف ، فلا شيء مما يدعونه صحيح ـ بفضل الله ـ ، بل وقد سمعت منهم أن نساء النبي كانوا يتنازعن كما تفعل النساء اليوم ، ـ استغفر الله ـ ولكنهم يريدون أحاديث تثبت حسن العلاقة بين الزوجات ، وهم يقولون : إنّ حديث سودة لا ينطبق علينا ؛ لأنني أصغر من ضرتي ، فهلا ذكرتم بعض الأحاديث ، مع العلم أنني من المسلمات الجدد ، ولغتي العربية ضعيفة .

الجواب

الحمد لله.


لا شك أن الرباط الذي كان ينظم العلاقة بين أزواج النبي صلى الله عليه وسلم : هو رباط الأخوة الإيمانية ، والمحبة في الله ، وهذا هو الأصل الذي ينبغي أن يجمع المؤمنين عامة ؛ ثم يزيد على ذلك : قربهم من نور النبوة ، ومهبط الوحي والرسالة ؛ ولذلك : كان الورع وتقوى الله هو العاصم من الفتن ، والحكم في مواطن الزلزلة ، والاختبارات الصعبة .
وقد سمى النبي صلى الله عليه وسلم الضرائر أخوات ، فروى مسلم (1408) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( لَا تَسْأَلُ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَكْتَفِئَ صَحْفَتَهَا وَلْتَنْكِح ْ، فَإِنَّمَا لَهَا مَا كَتَبَ اللهُ لَهَا ) .
فكيف بالأخوة التي كانت بين زوجات النبي صلى الله عليه وسلم ؟!

لقد كان الورع وتقوى الله ، هو القاعدة الصلبة التي تنكسر عندها : رغبات النساء الطبيعية، وغيرتهن ، وتنافسهن في الزوج الواحد ؛ فلم يكن الشيطان يطمع أن يظفر من بيت النبوة، بمكيدة توقع في بلية ، وحاشاهن من ذلك كله ، وهن الطاهرات المطهرات .
قالت عائشة رضي الله عنها في حديث الإفك : " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ عَنْ أَمْرِي ، فَقَالَ : (يَا زَيْنَبُ، مَا عَلِمْتِ ؟ مَا رَأَيْتِ ؟ ) ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَحْمِي سَمْعِي وَبَصَرِي، وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَيْهَا إِلَّا خَيْرًا " قَالَتْ عائشة: " وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ تُسَامِينِي مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَعَصَمَهَا اللَّهُ بِالوَرَعِ ".
رواه البخاري (2661) ، ومسلم (2770) .
قال النووي رحمه الله :
" قَوْلُهَا: " أَحْمِي سَمْعِي وَبَصَرِي" أَيْ: أَصُونُ سَمْعِي وَبَصَرِي مِنْ أَنْ أَقُولَ سَمِعْتُ وَلَمْ أَسْمَعْ ، وَأَبْصَرْتُ وَلَمْ أُبْصِرْ. قَوْلُهَا: "وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ تُسَامِينِي" أَيْ تُفَاخِرُنِي وَتُضَاهِينِي بِجَمَالِهَا وَمَكَانِهَا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهِيَ مُفَاعَلَةٌ مِنَ السُّمُوِّ وَهُوَ الِارْتِفَاعُ " .
انتهى من " شرح النووي على مسلم " (17/ 113) ,.
وقال الحافظ رحمه الله :
" فِيهِ ذَبُّ الْمُسْلِمُ عَنِ الْمُسْلِمِ، خُصُوصًا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ ، وَرَدْعِ مَنْ يُؤْذِيهِمْ وَلَوْ كَانَ مِنْهُمْ بِسَبِيلٍ " انتهى من " فتح الباري " (8/ 479) .

وروى البخاري (2581) ، ومسلم (2442) عن عَائِشَةُ قَالَتْ: " أَرْسَلَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ ، زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ تُسَامِينِي مِنْهُنَّ فِي الْمَنْزِلَةِ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَمْ أَرَ امْرَأَةً قَطُّ خَيْرًا فِي الدِّينِ مِنْ زَيْنَب َ. وَأَتْقَى لِلَّهِ وَأَصْدَقَ حَدِيثًا، وَأَوْصَلَ لِلرَّحِمِ ، وَأَعْظَمَ صَدَقَةً ، وَأَشَدَّ ابْتِذَالًا لِنَفْسِهَا فِي الْعَمَلِ الَّذِي تَصَدَّقُ بِهِ ، وَتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللهِ تَعَالَى ، مَا عَدَا سَوْرَةً مِنْ حِدَّةٍ كَانَتْ فِيهَا، تُسْرِعُ مِنْهَا الْفَيْئَةَ " .

فلم تمنعها مساماتها من حسن الثناء عليها بما هي أهله .

ولا يمنع ذلك كله أن يحدث بينهن ، رضوان الله عليهن جميعا ، ما يحدث بين النساء البعيدات من الغيرة الطبيعية ، فكيف بمن كن ضرائر عند رجل واحد ؛ فكيف إذا كان الرجل الذي يجمعهن : هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أشرف الخلق قاطبة ؟!
عن عروة بن الزبير : " أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَّثَتْهُ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا لَيْلًا ، قَالَتْ فَغِرْتُ عَلَيْهِ ، فَجَاءَ ، فَرَأَى مَا أَصْنَعُ ، فَقَالَ : ( مَا لَكِ يَا عَائِشَةُ ؛ أَغِرْتِ ؟ ) .
فَقُلْتُ : وَمَا لِي لَا يَغَارُ مِثْلِي عَلَى مِثْلِكَ ؟!
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَقَدْ جَاءَكِ شَيْطَانُكِ ؟ )
قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَوْ مَعِيَ شَيْطَانٌ ؟
قَالَ : ( نَعَمْ ) .
قُلْتُ : وَمَعَ كُلِّ إِنْسَانٍ ؟
قَالَ : ( نَعَمْ ) .
قُلْتُ : وَمَعَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟
قَالَ : ( نَعَمْ ؛ وَلَكِنْ رَبِّي أَعَانَنِي عَلَيْهِ حَتَّى أَسْلَمَ ) .
روى مسلم في صحيحه (2815) .

قال السندي رحمه الله :
" قَوْله ( فَقَالَ قَدْ جَاءَك شَيْطَانك ) أَيْ فَأَوْقَعَ عَلَيْك أَنِّي قَدْ ذَهَبْت إِلَى بَعْض أَزْوَاجِي فَأَنْتِ لِذَلِكَ مُتَحَيِّرَة مُتَفَتِّشَة عَنِّي " انتهى من "حاشية السندي على النسائي" .

إن من ينفي وقوع الغيرة بين التقيات من الضرائر ، لم يعرف طبيعة النساء ، وما جبلهن الله عليه ؛ لكن المقصد : أن الورع ، وتقوى الله ، يمنع غائلة ذلك ، ويعصمهن عن البغي والفساد.
وروى أبو داود (3931) ، وأحمد (26365) عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ : " وَقَعَتْ جُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ الْمُصْطَلِقِ فِي سَهْمِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ ، أَوِ ابْنِ عَمٍّ لَهُ فَكَاتَبَتْ عَلَى نَفْسِهَا، وَكَانَتِ امْرَأَةً مُلَّاحَةً تَأْخُذُهَا الْعَيْنُ ، قَالَتْ: عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : فَجَاءَتْ تَسْأَلُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كِتَابَتِهَا ، فَلَمَّا قَامَتْ عَلَى الْبَابِ ، فَرَأَيْتُهَا : كَرِهْتُ مَكَانَهَا، وَعَرَفْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَيَرَى مِنْهَا مِثْلَ الَّذِي رَأَيْتُ .
فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ : أَنَا جُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ ، وَإِنَّمَا كَانَ مِنْ أَمْرِي مَا لَا يَخْفَى عَلَيْكَ ، وَإِنِّي وَقَعْتُ فِي سَهْمِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ ، وَإِنِّي كَاتَبْتُ عَلَى نَفْسِي ، فَجِئْتُكَ أَسْأَلُكَ فِي كِتَابَتِي .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( فَهَلْ لَكِ إِلَى مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ ؟ ) .
قَالَتْ: وَمَا هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟
قَالَ: ( أُؤَدِّي عَنْكِ كِتَابَتَكِ وَأَتَزَوَّجُكِ ) ؟
قَالَتْ: قَدْ فَعَلْتُ .
قَالَتْ: فَتَسَامَعَ - تَعْنِي النَّاسَ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ تَزَوَّجَ جُوَيْرِيَةَ ، فَأَرْسَلُوا مَا فِي أَيْدِيهِمْ مِنَ السَّبْيِ ، فَأَعْتَقُوهُمْ ، وَقَالُوا: أَصْهَارُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ !!
فَمَا رَأَيْنَا امْرَأَةً كَانَتْ أَعْظَمَ بَرَكَةً عَلَى قَوْمِهَا مِنْهَا ، أُعْتِقَ فِي سَبَبِهَا مِائَةُ أَهْلِ بَيْتٍ مِنْ بَنِي الْمُصْطَلِقِ " .
حسنه الألباني ، وكذا حسنه محققو المسند .
فمع كونها غارت منها أول ما رأتها ، وصفتها بالبركة على قومها .

ولقد كانت سياسة النبي صلى الله عليه وسلم الخاصة لنسائه ، عاملا زائدا ، من عوامل القرب بينهن ، والإلطاف لسائرهن ، فلا يبعد عن الواحدة ، حتى تأتي نوبتها ، بما يوحشها ، ويزيد الغيرة في نفسها ، بل كان يجتمع بهن جميعا ، كل ليلة :
روى مسلم (1462) عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: " كَانَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تِسْعُ نِسْوَةٍ ، فَكَانَ إِذَا قَسَمَ بَيْنَهُنَّ، لَا يَنْتَهِي إِلَى الْمَرْأَةِ الْأُولَى إِلَّا فِي تِسْعٍ ، فَكُنَّ يَجْتَمِعْنَ كُلَّ لَيْلَةٍ فِي بَيْتِ الَّتِي يَأْتِيهَا ".

وقَالَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها : " قَلَّ يَوْمٌ إِلَّا وَهُوَ يَطُوفُ عَلَيْنَا جَمِيعًا ، فَيَدْنُو مِنْ كُلِّ امْرَأَةٍ مِنْ غَيْرِ مَسِيسٍ ، حَتَّى يَبْلُغَ إِلَى الَّتِي هُوَ يَوْمُهَا فَيَبِيتَ عِنْدَهَا ".
رواه أبو داود (2135) ، وصححه الألباني في " صحيح أبي داود " .

قال القرطبي رحمه الله في " المفهم " (13/90) :
" وإنما كانَ يفعَلُ ذلكَ تأنيسًا لهُنَّ ، وتطييبًا لقلوبهِنَّ ؛ حتى ينفصِلَ عنهُنَّ إلى التي هو في يومِها ، ويتركَها طيِّبةَ القلْبِ " انتهى .
قال النووي رحمه الله :
" فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم من حُسْنِ الْخُلُقِ وَمُلَاطَفَةِ الْجَمِيعِ " انتهى من " شرح النووي على مسلم " (10/ 48) .

وروى البخاري (4793) ، ومسلم (87) عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: " بُنِيَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِزَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ بِخُبْزٍ وَلَحْمٍ ، فَأُرْسِلْتُ عَلَى الطَّعَامِ دَاعِيًا فَيَجِيءُ قَوْمٌ فَيَأْكُلُونَ وَيَخْرُجُونَ ، ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ فَيَأْكُلُونَ وَيَخْرُجُونَ ، فَدَعَوْتُ حَتَّى مَا أَجِدُ أَحَدًا أَدْعُو، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ مَا أَجِدُ أَحَدًا أَدْعُوهُ ، قَالَ : ( ارْفَعُوا طَعَامَكُمْ ) وَبَقِيَ ثَلاَثَةُ رَهْطٍ يَتَحَدَّثُونَ فِي البَيْتِ ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَانْطَلَقَ إِلَى حُجْرَةِ عَائِشَةَ فَقَالَ: ( السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ البَيْتِ وَرَحْمَةُ اللَّهِ ) ، فَقَالَتْ: وَعَلَيْكَ السَّلاَمُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ ، كَيْفَ وَجَدْتَ أَهْلَكَ بَارَكَ اللَّهُ لَكَ ؟ فَتَقَرَّى حُجَرَ نِسَائِهِ كُلِّهِنَّ، يَقُولُ لَهُنَّ كَمَا يَقُولُ لِعَائِشَةَ، وَيَقُلْنَ لَهُ كَمَا قَالَتْ عَائِشَةُ .
( تَقَرَّى حُجَرَ نِسَائِهِ كُلِّهِنَّ ) أَيْ : تَتَبَّعَ الْحُجُرَات وَاحِدَة وَاحِدَة
ولفظ مسلم : " ... فَجَعَلَ يَمُرُّ عَلَى نِسَائِهِ ، فَيُسَلِّمُ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ: ( سَلَامٌ عَلَيْكُم ْ، كَيْفَ أَنْتُمْ يَا أَهْلَ الْبَيْتِ؟) فَيَقُولُونَ: بِخَيْرٍ يَا رَسُولَ اللهِ ، كَيْفَ وَجَدْتَ أَهْلَكَ؟ فَيَقُولُ: (بِخَيْرٍ) " .

قال القرطبي في " المفهم " (13/15) ـ ترقيم الشاملة ـ :
" فدورانُه على حُجَرِ نسائه تفَقُّدٌ لأحوالِهنَّ ، وجَبْرٌ لقلوبِهِنَّ ، واستدعاءٌ لما عندهنَّ من أحوالِ قلوبِهن ؛ لأجل تزويجِه ؛ ولذلك استلطَفْنَهُ بقولهِنَّ له : كيف وجدْتَ أهلَك يا رسول الله ؟
وصدورُ مثلِ هذا الكلامِ عنهُنَّ في حالِ ابتداءِ اختصاصِ الضَّرَّةِ الداخلةِ به ؛ يدلُّ على قوةِ عقولِهِنَّ ، وصبرهِنَّ ، وحُسن معاشرتهنَّ ، وإلاَّ فهذا موضعُ الطيشِ ، والخِفَّةِ للضرائرِ ، لكنَّهنَّ طيِّبَاتٌ لطيِّبٍ " انتهى .

وكان النبي صلى الله عليه وسلم ، ربما يقع عنده الأمر من ذلك ، والبادرة من تلك البوادر ، فيذهب سورتها وحدتها ، بحكمته ، وعدله ، وقسطه ، صلى الله عليه وسلم :
روى البخاري (5225) عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: " كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِه ِ، فَأَرْسَلَتْ إِحْدَى أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ بِصَحْفَةٍ فِيهَا طَعَامٌ ، فَضَرَبَتِ الَّتِي النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِهَا يَدَ الخَادِمِ ، فَسَقَطَتِ الصَّحْفَةُ فَانْفَلَقَتْ ، فَجَمَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِلَقَ الصَّحْفَة ِ، ثُمَّ جَعَلَ يَجْمَعُ فِيهَا الطَّعَامَ الَّذِي كَانَ فِي الصَّحْفَةِ ، وَيَقُولُ: (غَارَتْ أُمُّكُمْ ) ، ثُمَّ حَبَسَ الخَادِمَ حَتَّى أُتِيَ بِصَحْفَةٍ مِنْ عِنْدِ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا، فَدَفَعَ الصَّحْفَةَ الصَّحِيحَةَ إِلَى الَّتِي كُسِرَتْ صَحْفَتُهَا، وَأَمْسَكَ المَكْسُورَةَ فِي بَيْتِ الَّتِي كَسَرَتْ ".

وكان صلى الله عليه وسلم ، ربما مزج بذلك القسط ، شيئا من اللَّطَف ، والفكاهة ، فحال الأمر إلى طيب وبشر ، بعد ما كاد يكون حِدة ، أو منافرة :
روى أبو يعلى في مسنده (4476) عن عَائِشَةَ قَالَتْ: " أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخَزِيرَةٍ قَدْ طَبَخْتُهَا لَهُ ، فَقُلْتُ لِسَوْدَةَ ـ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنِي وَبَيْنَهَا ـ : كُلِي، فَأَبَتْ ، فَقُلْتُ: لَتَأْكُلِنَّ أَوْ لَأُلَطِّخَنَّ وَجْهَكِ ، فَأَبَتْ ، فَوَضَعْتُ يَدِي فِي الْخَزِيرَةِ ، فَطَلَيْتُ وَجْهَهَا ، فَضَحِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَوَضَعَ بِيَدِهِ لَهَا، وَقَالَ لَهَا: ( الْطَخِي وَجْهَهَا ) ، فَضَحِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهَا ، فَمَرَّ عُمَرُ ، فَقَالَ: ( يَا عَبْدَ اللَّهِ ، يَا عَبْدَ اللَّهِ )، فَظَنَّ أَنَّهُ سَيَدْخُلُ، فَقَالَ: (قُومَا فَاغْسِلَا وُجُوهَكُمَا) " .
قال الحافظ العراقي رحمه الله في "تخريج الإحياء" (3/160) : " إسناده جيد" ، وحسنه الألباني في " الصحيحة "(3131) .

ثم إن بقي في النفوس شيء من ذلك ، شأن نفوس البشر ، فهو إن شاء الله : في محل العفو والمسامحة منهن :
وروى ابن سعد في " الطبقات " (8/ 79) ، وابن عساكر في تاريخه (69/ 152) عَنْ عَوْفِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ : " دَعَتْنِي أُمَّ حَبِيبَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِنْدَ مَوْتِهَا ، فَقَالَتْ : قَدْ كَانَ يَكُونُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الضَّرَائِرِ، فَغَفَرَ اللَّهُ لي ولك مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ. فَقُلْتُ: غَفَرَ اللَّهُ لَكِ ذَلِكَ كُلَّهُ ، وَتَجَاوَزَ ، وَحَلَّلَكِ مِنْ ذَلِكَ . فَقَالَتْ: سَرَرْتِنِي سَرَّكِ اللَّهُ . وَأَرْسَلَتْ إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَقَالَتْ لَهَا مِثْلَ ذَلِكَ ".

وحاصل ذلك كله :
أن المطلوب من المؤمن ، والمؤمنة في مثل ذلك ، وفي الأمر كله : ألا ينساق وراء طبائع النفوس ، أو أهوائها ، بل يجعل تقوى الله هو العاصم له من البغي والعدوان ، ويجعل الرباط بينه وبين عباد الله المؤمنين : الأخوة في الله ؛ والله جل جلاله لم يمدح عباده المؤمنين بالعصمة عن دواعي الهوى ، بل مدحهم بمخالفة أهوائهم ، ومجاهدة نفوسهم في ذات الله ؛ قال الله تعالى : ( فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ) النازعات/37-41 .

وينظر السؤال رقم : (193041) .
والله أعلم .

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

المصدر: موقع الإسلام سؤال وجواب