الاثنين 10 صفر 1442 - 28 سبتمبر 2020
العربية

هل تستجاب الدعوة على من لم يقصد الظلم ؟

السؤال

عمي اتهم الخادمة بالسرقة ؛ بسبب دلائل وجدها ، وهي نفت ذلك ، وعمي مقتنع بما وجد ، فهل إذا كانت لم تسرق حقًّا كما قالت فهل تستجاب دعوتها على عمي لأنه ظلمها ؟ علما أنه في نظره لم يظلمها ، ومقتنع بما وجد ، ولكن خطر لي أنه أحيانا بعض الحقائق مضللة ، لذا إذا لم تكن قد سرقت فهي مظلومة ، وبالتالي هل تستجاب دعوتها على عمي الذي لم يظلمها في رأيه ؟

الحمد لله.

أولاً:

لا يحل لمسلم أن يتهم مسلمًا أو مسلمةً بالسرقة إلا بإقرار السارق أو بوجود بينة معتبرة ، والبينة هي شهادة رجلين عدلين ، وعند بعض العلماء جواز إثبات السرقة بالقرائن الواضحة .

ففي "الموسوعة الفقهية الكويتية" (24/ 332): " اتفق الفقهاء على أن السرقة تثبت بالإقرار أو بالبينة. 

وعند بعضهم أن السرقة تثبت باليمين المردودة ، وعند غيرهم يجوز إثباتها بالقرائن .

والإقرار : إقرار السارق إذا كان مكلفا بأن كان بالغا عاقلا. وذهب جمهور الفقهاء إلى أن السارق يجب أن يكون مختارا في إقراره ، فإن أكره على الإقرار بحبس أو ضرب أو نحوهما ، فلا يعتد بهذا الإقرار.

 أما البينة فهي : شهادة رجلين تتوافر فيهما شروط تحمل الشهادة وشروط أدائها ، ولا تقبل شهادة رجل واحد ولو مع يمين المسروق منه

أما القرائن : فجمهور الفقهاء على أن حد السرقة لا يثبت إلا بالإقرار أو البينة .

ويرى بعضهم جواز ثبوت السرقة ، ومن ثم إقامة الحد وضمان المال ، بالقرائن والأمارات إذا كانت ظاهرة الدلالة ، باعتبارها من السياسة الشرعية التي تُخرج الحق من الظالم الفاجر .

 قال ابن القيم في "الطرق الحكمية" (ص8) : " لم يزل الأئمة والخلفاء يحكمون بالقطع إذا وجد المال المسروق مع المتهم ، وهذه القرينة أقوى من البينة والإقرار ؛ فإنهما خبران يتطرق إليهما الصدق والكذب ، ووجود المال معه نص صريح لا تتطرق إليه شبهة " انتهى بتصرف يسير.

فما لم يوجد إقرار من السارق ، أو بينة معتبرة مثل وجود المال المسروق معه ؛ فيحرم اتهامه بالسرقة ، واتهامه من الظلم البين .

وقد أمرنا الله تعالى باجتناب الظن ، وتوعد على ظلم الآخرين واتهامهم بما ليس فيهم ، فقال تعالى في الأولى :  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا   الحجرات/ 12 .

وَعَن أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :   إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا تَحَسَّسُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَكُونُوا إِخْوَانًا   رواه البخاري ( 4849 ) ، ومسلم ( 2563 ) .

قال القرطبي رحمه الله : "وَالَّذِي يُمَيِّزُ الظُّنُونَ الَّتِي يَجِبُ اجْتِنَابُهَا عَمَّا سِوَاهَا ، أَنَّ كُلَّ مَا لَمْ تُعْرَفْ لَهُ أَمَارَةٌ صَحِيحَةٌ ، وَسَبَبٌ ظَاهِرٌ : كان حراما واجب الاجتناب ، وَذَلِكَ إِذَا كَانَ الْمَظْنُونُ بِهِ مِمَّنْ شُوهِدَ مِنْهُ السَّتْرَ وَالصَّلَاحَ ، وَأُونِسَتْ مِنْهُ الْأَمَانَةُ فِي الظَّاهِرِ ، فَظَنُّ الْفَسَادِ بِهِ وَالْخِيَانَة:ِ مُحَرَّمٌ " انتهى من "تفسير القرطبي" (16/331) . 

وقال الله تعالى :  وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا  الأحزاب/ 58 .

وقال رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :  اتَّقُوا الظُّلْمَ ، فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ  رواه مسلم (2578) .

وينظر جواب السؤال رقم : (112196) ففيه بيان كيف يجتنب المسلم سوء الظن بالناس .

ثانيًا:

إذا لم يكن عند عمك بينة ، أو قرينة ظاهرة لا لبس فيها ، تُثبت أن الخادمة هي من سرقت ؛ فحينها يكون ظالمًا لها ، وقد وعد الله المظلوم بنصرته واستجابة دعائه .

قال النبي صلى الله عليه وسلم :   ثَلَاثَةٌ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ : الْإِمَامُ الْعَادِلُ ، وَالصَّائِمُ حِينَ يُفْطِرُ ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ يَرْفَعُهَا فَوْقَ الْغَمَامِ وَتُفَتَّحُ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَيَقُولُ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ : وَعِزَّتِي لَأَنْصُرَنَّكِ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ   رواه الترمذي (2525) صححه الألباني في "صحيح الترمذي" .

فدل هذا الحديث على مشروعية دعاء المظلوم على من ظلمه ، لكن لا يدعو عليه بغير مظلمته ، ولا يعتدي عليه في الدعاء ، فيظلمه هو الآخر . 

وينظر للفائدة : جواب السؤال رقم : (71152) . 

أما إذا كان عمك لديه بينة ، أو قرينة معتبرة للدلالة على سرقتها ، إلا أن الحقيقة أن الخادمة لم تسرق ، فهو معذور في اتهامها لحدوث لبس أو غموض في الأمر .

والذي يظهر، والمأمول من عفو الله وكرمه: أن يعوضها الله من فضله وكرمه، ما يجبر كسرها ، ويكافئ مظلمتها، أو يزيد؛ وألا يستجيب لها في دعائها على عمك، إذا كان لم يقصد ظلمها، ولم يفرط فيما يجب عليه من التثبت الواجب، وحفظ الحقوق ، وصون الأعراض . وهو معذور إذا عمل بما يقره عليه الشرع ، من القرائن الظاهرة، وعلم الغيوب عند رب العالمين.

والله أعلم.

المصدر: موقع الإسلام سؤال وجواب