الأربعاء 22 ذو القعدة 1440 - 24 يوليو 2019
العربية

لماذا يحرم النمص ويباح الختان وكلاهما تغيير لخلق الله؟

248680

تاريخ النشر : 21-02-2018

المشاهدات : 3649

السؤال


قرأت شبهة القرآنيين عن الختان ، حيث يستدلون بالآيات رقم 3 من سورة التغابن ، والآية 3 من سورة الملك ، والآية 4 من سورة التين ، والآيات 119-120 من سورة النساء ، وبعض الأحاديث من "مسند أحمد" والطبري (3/592) ، و"المغني" لابن قدامة ، ولا أستطيع التأكد من صحة ما ينقلون ، ولكن شبهتهم جعلتني أفكر في قياس ذلك على النمص فهو تغيير لخلق الله ، فلماذا يحرم النمص ولا يحرم الختان بالرغم من أن كليهما يشمل تغيير خلق الله مع العلم أن الختان هو تغيير أبدي بينما في النمص ينمو الشعر من جديد ؟


الحمد لله
أولا:
التشريع والتحليل والتحريم مرده إلى الله تعالى، فالحلال ما أحله، والحرام ما حرمه، والواجب ما أوجبه، إما في كتابه، أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم.
قال تعالى: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ) الشورى/21، وقال سبحانه: (وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ) النحل/116 .
وروى الترمذي (1726) عن سلمان قال : " سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السمن والجبن والفراء فقال: (الْحَلَالُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ وَالْحَرَامُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ مِمَّا عَفَا عَنْهُ) والحديث حسنه الألباني في "صحيح الترمذي".
والختان شرعه الله على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم ، فلا يجوز أن يعترض عليه بأن هذا خلق الله، أو بأن الإنسان خلق في أحسن تقويم، فإن الخالق هو الذي أمر بذلك، وهو أعلم بخلقه وبما يصلحهم، كما قال: (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) الملك/14.
ومثل هذا: حلق العانة ونتف الإبط، فلا يقول قائل: إنه لا يؤخذ هذا الشعر؛ لأنه خلق الله، ويستدل بقوله تعالى: (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ) التغابن/3، أو بقوله: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) التين/4، فهذا غاية في الجهل والضلال ، منشؤه الزعم بالاكتفاء بالقرآن!
ومن آمن بالقرآن، آمن بقوله: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) الحشر/7، وآمن بقوله: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) النحل/44، فالذكر هو السنة ، يبين بها الرسول القرآن.
وقال تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا) الأحزاب/36، فرسول الله صلى الله عليه وسلم يقضي، ويأمر، ويشرع ، ويحل ، ويحرم ، بإذن الله تعالى ، كما في حديث المقدام بن معد يكرب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ القُرآنَ وَمِثلَهُ مَعَهُ ، أَلَا يُوشِكُ رَجُلٌ شَبعَان عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ : عَلَيكُم بِهَذَا القُرآنِ ، فَمَا وَجَدتُم فِيهِ مِن حَلَالٍ فَأَحِلُّوهُ ، وَمَا وَجَدتُم فِيهِ مِن حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ ، أَلَا وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ كَمَا حَرَّمَ اللَّهُ ) رواه الترمذي (2664) وقال : حسن غريب من هذا الوجه ، وحسنه الألباني في "السلسلة الصحيحة" (2870) .
وكان مما شرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم: الختان، وأخبر أنه من الفطرة ، ومن سنة أبي الأنبياء إبراهيم عليه الصلاة والسلام.
روى البخاري (6298) ، ومسلم (2370) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (اخْتَتَنَ إِبْرَاهِيمُ عليه السلام بَعْدَ ثَمَانِينَ سَنَةً ، وَاخْتَتَنَ بِالْقَدُوم).
و (الْقَدُوم) هو آلة النجار .
وروى البخاري (5441) ، ومسلم (377) واللفظ له عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (الْفِطْرَةُ خَمْسٌ أَوْ خَمْسٌ مِنْ الْفِطْرَةِ : الْخِتَانُ وَالِاسْتِحْدَادُ وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ وَنَتْفُ الْإِبِطِ وَقَصُّ الشَّارِبِ) .
والاستحداد هو حلق العانة ، سمي استحدادا لاستعمال الحديدة فيه ، وهي الموسَى.
وهذا كما أنه شرع أشياء لم ينص عليها القرآن ، ككون صلاة الظهر أربع ركعات، والعصر أربعا إلخ، وكون زكاة الإبل كذا، والغنم كذا، وأوجب زكاة الفطر صاعا من طعام، وحرم نكاح المرأة مع عمتها وخالتها، وحرم أكل ذي ناب من السباع أو مخلب من الطير، إلى غير ذلك من الأحكام المشهورة، فمن زعم الاكتفاء بالقرآن ، آل أمره ـ ولا بد ـ إلى ترك دين الإسلام.
وانظري الكلام على من يسمون بالقرآنيين في جواب السؤال رقم : (220518) ، ورقم : (3440) ، ورقم : (9067) .
ولهذا فإنا نحذرك من النظر في شبهات هؤلاء الضالين، فإن الشبهات لا يجوز أن ينظر فيها إلا أهل العلم القادرون على كشفها وردها.
وتأملي الحكمة في ولادة الناس غير مختونين ، ثم اختصاص الملة الحنيفية بالختان، ليكون علامة فارقة بين الموحد وغيره ، فلو ولدوا مختونين، لما وجد هذا الفارق.
وانظري لمزيد الفائدة: سؤال رقم : (7073) ، ورقم : (9412) .
ثانيا:
النمص محرم، وهو من تغيير خلق الله كما جاء في الحديث.
وينبغي أن يعلم أن تغيير خلق الله منه الجائز المأذون فيه، كالختان، وحلق العانة، ونتف الإبط، وإزالة العيب والتشوه.
ومن المأذون فيه: ما سكت عنه الشرع، كإزالة شعر الساقين والذراعين.
ومنه الممنوع، كالنمص، وحلق اللحية، ووصل الشعر، وتفليج الأسنان للحسن، والوشم.
وقد تقدم أن التحليل والتحريم والتشريع ليس إلينا، بل هو حق لله تعالى.
وعليه فقوله تعالى عن إبليس: (وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا) النساء/119 ، المقصود به: التغيير الذي لم يأذن فيه الشرع.
وقد أذن النبي صلى الله عليه وسلم في اتخاذ أنف من ذهب لمن قُطع أنفه ، وأذن في التغيير إذا كان علاجا.
روى أبو داود (4232) ، والترمذي (1770) ، والنسائي (5161) عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ طَرَفَةَ : " أَنَّ جَدَّهُ عَرْفَجَةَ بْنَ أَسْعَدَ قُطِعَ أَنْفُهُ يَوْمَ الْكُلَابِ ، فَاتَّخَذَ أَنْفًا مِنْ وَرِقٍ فَأَنْتَنَ عَلَيْهِ ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاتَّخَذَ أَنْفًا مِنْ ذَهَبٍ " والحديث حسنه الألباني في "صحيح أبي داود" .

وروى أبو داود (4170) عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " لُعِنَتْ الْوَاصِلَةُ وَالْمُسْتَوْصِلَةُ وَالنَّامِصَةُ وَالْمُتَنَمِّصَةُ وَالْوَاشِمَةُ وَالْمُسْتَوْشِمَةُ مِنْ غَيْرِ دَاءٍ " والحديث صححه الألباني في "صحيح أبي داود" .
وروى أحمد (3945) عن ابْنِ مَسْعُودٍ قال: " سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ النَّامِصَةِ وَالْوَاشِرَةِ وَالْوَاصِلَةِ وَالْوَاشِمَةِ ؛ إِلَّا مِنْ دَاءٍ ".
قال الشوكاني رحمه الله : " قوله : ( إلا من داء ) ظاهره أن التحريم المذكور إنما هو فيما إذا كان لقصد التحسين ، لا لداء وعلة فإنه ليس بمحرم " انتهى من "نيل الأوطار" (6/229).
فعلم بهذا أن تغيير خلق الله منه الجائز المأذون فيه، ومنه الممنوع المحرم، فلا يقال: لم حرم النمص، وأبيح الختان، وكلاهما تغيير لخلق الله؟ لأن جواب هذا وضح للمؤمن: أن الله حرم هذا، وأباح هذا، وأذن في هذا، ومنع من هذا.
قال النووي رحمه الله : " قال البغوي والرافعي : لا يجوز خصاء حيوان لا يؤكل لا في صغره ولا في كبره. قال: ويجوز خصاء المأكول في صغره ، لأن فيه غرضا وهو طيب لحمه ، ولا يجوز في كبره.
ووجه قولهما أنه داخل في عموم قوله تعالي إخبارا عن الشيطان: (وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ) فخصص منه الختان والوسم ونحوهما، وبقي الباقي داخلا في عموم الذم والنهي" .
انتهى من "المجموع" (6/177).

وقال الشيخ الألباني رحمه الله : " قال تعالى في حق الشيطان : ( لَّعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا . وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا ) النساء/ 118 - 119 ، فهذا نص صريح في أن تغيير خلق الله ، دون إذن منه تعالى : إطاعة لأمر الشيطان وعصيان للرحمن جل جلاله ، فلا جرم أن لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المغيرات خلق الله للحسن ، ولا شك في دخول حلق اللحية للحُسْن في اللعن المذكور ، بجامع الاشتراك في العلة ، كما لا يخفى !!
وإنما قلت " دون إذن من الله تعالى " : لكي لا يُتوهم أنه يدخل في التغيير المذكور مثل حلق العانة ونحوها ، مما أذن فيه الشارع ؛ بل استحبه أو أوجبه " .
انتهى من " آداب الزفاف " ( ص 136 ).
وقد عاب الله على المشركين حين أوردوا شبهة داحضة يريدون بها تحليل الميتة، وهي قولهم: ما ذبحه الله بيده (يعنون الميتة) لا تأكلونه، وما ذبحتموه بأيديكم تأكلونه!
فأخبر الله أن هذا من وحي الشياطين، وأنه معارض لشرعه، وأن من أطاع المشركين في تحليل الحرام بهذه الشبهة كان مشركا.
قال تعالى: (وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) الأنعام/121 .
ونختم هذا الجواب ببيان أن تحريم النمص ثابت في القرآن، لمن فهم القرآن على وجهه!
فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود رضي الله عنه قَالَ : " لَعَنَ اللَّهُ الْوَاشِمَاتِ وَالْمُسْتَوْشِمَاتِ وَالنَّامِصَاتِ وَالْمُتَنَمِّصَاتِ وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ .
قَالَ : فَبَلَغَ ذَلِكَ امْرَأَةً مِنْ بَنِي أَسَدٍ يُقَالُ لَهَا : أُمُّ يَعْقُوبَ ، وَكَانَتْ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ ، فَأَتَتْهُ فَقَالَتْ : مَا حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكَ ؛ أَنَّكَ لَعَنْتَ الْوَاشِمَاتِ وَالْمُسْتَوْشِمَاتِ وَالْمُتَنَمِّصَاتِ وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ ؟
فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : وَمَا لِي لَا أَلْعَنُ مَنْ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ فِي كِتَابِ اللَّهِ ؟!
فَقَالَتْ الْمَرْأَةُ : لَقَدْ قَرَأْتُ مَا بَيْنَ لَوْحَيْ الْمُصْحَفِ ، فَمَا وَجَدْتُهُ ؟!
فَقَالَ : لَئِنْ كُنْتِ قَرَأْتِيهِ ، لَقَدْ وَجَدْتِيهِ ؛ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : ( وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ) َ.
قَالَتْ الْمَرْأَةُ : فَإِنِّي أَرَى شَيْئًا مِنْ هَذَا عَلَى امْرَأَتِكَ الْآنَ ؟!
قَالَ : اذْهَبِي فَانْظُرِي .
قَالَ : فَدَخَلَتْ عَلَى امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ ، فَلَمْ تَرَ شَيْئًا .
فَجَاءَتْ إِلَيْهِ فَقَالَتْ : مَا رَأَيْتُ شَيْئًا .
فَقَالَ : أَمَا لَوْ كَانَ ذَلِكَ ، لَمْ نُجَامِعْهَا ".
رواه البخاري (4886) ، ومسلم (2125) واللفظ له .

نسأل الله لنا ولك التوفيق والسداد.

والله أعلم.

المصدر: اللقاء الشهري 17 

إرسال الملاحظات