رأى حادثاً هرب فاعله فهل تلزمه الشهادة وإخبار صاحب الحق

18-02-2010

السؤال 145054

ما الواجب على المسلم فعله عندما يرى شخصاً يقود سيارة واصطدم بسيارة أخرى متوقفة ثم ذهب؟ هل على المسلم أن ينتظر صاحب السيارة المصدومة ويعطيه رقم لوحة السيارة الصادمة؟ أم عليه أن يذهب ولا يتدخل فيما لا يعنيه؟

الجواب

الحمد لله.

من رأى مثل هذا الحادث وحده ، تعينت عليه الشهادة ؛ لأن في سكوته تضييعا لحق أخيه ، فينتظر صاحب السيارة ليخبره ، فإن شق عليه الانتظار كتب ما شاهد ووضعه في سيارته ، أو كتب رقم هاتفه ونحو ذلك ليتمكن صاحب السيارة من الاتصال به ومعرفة الجاني . وإن وقع الحادث أمام جماعة من الناس كانت الشهادة في حقهم فرض كفاية فإن تركوها جميعا أثموا .

جاء في "الموسوعة الفقهية" (26/217) : "تحمّل الشهادة وأداؤها فرض على الكفاية , لقوله تعالى : (وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا) . وقوله تعالى : (وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ) وقوله : (وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ) . ولأن الشهادة أمانة فلزم أداؤها كسائر الأمانات . فإذا قام بها العدد الكافي سقط الإثم عن الجماعة , وإن امتنع الجميع أثموا كلهم . وإنما يأثم الممتنع إذا لم يتضرر بالشهادة , وكانت شهادته تنفع . فإذا تضرر في التحمل أو الأداء , أو كانت شهادته لا تنفع , بأن كان ممن لا تقبل شهادته , أو كان يحتاج إلى التبذل في التزكية ونحوها , لم يلزمه ذلك , لقوله تعالى : (وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ) . وقوله صلى الله عليه وسلم : (لا ضرر ولا ضرار) . وإن كان ممن لا تقبل شهادته لم يجب عليه ; لأن مقصود الشهادة لا يحصل منه . وقد يكون تحملها وأداؤها أو أحدهما فرضا عينيا إذا لم يكن هناك غير ذلك العدد من الشهود الذي يحصل به الحكم , وخيف ضياع الحق" انتهى .

وقال في "العناية شرح الهداية" (7/366) : "إذا علم الشاهد الشهادة ولم يعلم بها المدعي ويعلم الشاهد أنه إن لم يشهد يضيع حقه فإنه يجب عليه الشهادة" انتهى .

وقال ابن فرحون رحمه الله : "فمن كانت عنده شهادة فلا يحل أن يكتمها , ويلزمه إذا دعي إليها أن يقوم بها , وأما إذا لم يدع إلى القيام بها فهذا ينقسم على وجهين : 

أحدهما : أن يكون حقا لله تعالى .

والثاني : أن يكون حقا لآدمي .

أما إن كان حقا لله عز وجل فإنه ينقسم إلى قسمين : قسم لا يستدام فيه التحريم , وقسم يستدام فيه التحريم . فأما ما لا يستدام فيه التحريم , كالزنا وشرب الخمر وما أشبه ذلك , فلا يضر الشاهد ترك إخباره بالشهادة ; لأن ذلك ستر ستره عليه , والأصل في ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : لهذال في قضية ماعز : (هلا سترته بردائك) وأشار ابن رشد إلى أن هذا في حق من يندر منه ذلك . أما من كثر ذلك منه , وعلم أنه مشتهر ولا ينفك عنه , فينبغي أن يشهد عليه , وأن يعلم الإمام بذلك ...

وأما ما يستدام فيه التحريم كالعتق والطلاق , والخلع والرضاع , والعفو عن القصاص , وتملك الأحباس [الأوقاف] , والمساجد والقناطر , وما أشبه ذلك , فيلزمه أن يخبر بشهادته , ويقوم بها عليه عند الحاكم ...

وأما الضرب الآخر : وهو أن يكون حقا لآدمي , فيلزمه أن يخبر بشهادته صاحب الحق" انتهى من "تبصرة الحكام" (1/246) .

وشهادة الإنسان دون أن تطلب منه جاء فيها مدح وذم ، وذلك بحسب الحال .

قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله : " ولكن لو أدى [الشهادة] بدون أن يدعى إليها، فهل هذا محمود أو هو مذموم؟
اختلف العلماء في ذلك، فمنهم من قال : إنه مذموم لقول النبي صلى الله عليه وسلم : (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يأتي قوم يشهدون ولا يستشهدون) [رواه البخاري2651ومسلم 2533] ، وفي رواية : (يشهدون قبل أن يستشهدوا) [رواه مسلم 2534] ، فقالوا : إن هذا ذم لمن يشهد قبل أن يستشهد ؛ وعللوا ذلك ـ أيضا ـ بأن الإنسان الذي يبادر إلى الشهادة قبل أن يستشهد قد يتهم ، ويظن أن معه تحيزا للمشهود له ، أو للمشهود عليه ، وإلا فما الذي جعله يشهد قبل أن تطلب منه الشهادة؟!
وقال بعض العلماء : بل الأفضل أن يشهد ، وإن لم يستشهد لقول النبي عليه الصلاة والسلام : (ألا أخبركم بخير الشهداء؟ الذي يأتي بالشهادة قبل أن يسألها) [رواه مسلم 1719 من حديث زيد بن خالد] ، وهذا يدل على فضيلة من شهد قبل أن يستشهد .
والصحيح أن في ذلك تفصيلا : فإن كان المشهود له لا يعلم بالشهادة فإن الشاهد يؤديها وإن لم يسألها ، مثل أن يكون الشاهد قد استمع إلى إقرار المشهود عليه ، من غير أن يعلم به المشهود له ، فيكون قد أقر عنده في مجلس بأن فلانا يطلبني كذا وكذا ، أو بأن العين التي في يدي لفلان ، أو ما أشبه ذلك ، والمشهود له لم يعلم ، فهنا إذا علم الإنسان أن المسألة وصلت إلى المحكمة ، فالواجب عليه أن يشهد ويبلغ ؛ لئلا يفوت حق المشهود له ، أما إذا كان المشهود له عالما وذاكرا فإنه لا يشهد حتى تطلب منه الشهادة؛ لأنه إذا تعجل فقد يتهم في شدة محاباته للمشهود له ، أو معاداته للمشهود عليه ، وأما الحديث في ذم قوم يشهدون ولا يستشهدون ، فإنه لا يتعين أن يكون المراد به أداء الشهادة ، إذ يحتمل أن المعنى يشهدون دون أن يتحملوا الشهادة ، فيكون هذا وصفا لهم بشهادة الزور ، ولا شك أن شهادة الزور من أكبر الكبائر ، وهذا هو المتعين في قوله صلى الله عليه وسلم : يشهدون ولا يستشهدون ، وأما قوله صلى الله عليه وسلم : يشهدون قبل أن يستشهدوا فيحمل على قوله صلى الله عليه وسلم : يشهدون ولا يستشهدون ، فالتفصيل الذي ذكرنا هو المتعين" انتهى من "الشرح الممتع" (15/394) .

وهذا الوجه في الجمع بين الحديثين هو أحسن الأجوبة كما قال الحافظ ابن حجر رحمه الله ، وهو الذي أجاب به الإمام مالك وغيره .

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله : " وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى اَلْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فَأَجَابُوا بِأَجْوِبَة أَحَدُهَا : أَنَّ اَلْمُرَادَ بِحَدِيثِ زَيْد : مَنْ عِنْدَهُ شَهَادَة لِإِنْسَانٍ بِحَقٍّ لَا يَعْلَمُ بِهَا صَاحِبُهَا فَيَأْتِي إِلَيْهِ فَيُخْبِرُهُ بِهَا أَوْ يَمُوتُ صَاحِبُهَا اَلْعَالِمُ بِهَا وَيَخْلُفُ وَرَثَةً فَيَأْتِي اَلشَّاهِدُ إِلَيْهِمْ أَوْ إِلَى مَنْ يَتَحَدَّثُ عَنْهُمْ فَيُعْلِمُهُمْ بِذَلِكَ ، وَهَذَا أَحْسَنُ اَلْأَجْوِبَةِ ، وَبِهَذَا أَجَابَ يَحْيَى بْن سَعِيد شَيْخُ مَالِك ، وَمَالِكٌ وَغَيْرُهُمَا " انتهى من "فتح الباري .

وسئل الشيخ ابن جبرين رحمه الله : ما حكم من يكتشف شخصاً على معصية ويستر عليه ويكتفي بنصحه رجاء صلاحه وهدايته ؟ وهل يأثم لأنه لم يدل عليه الجهات المختصة ؟

فأجاب : "يجوز الستر عليه إذا لم يكن من أهل التهاون بالمعاصي ، ولم يعرف عنه كثرة اقتراف الذنوب وارتكاب المحرمات ، ففي هذه الحالة ينصحه ويخوفه ويحذره من العودة إليها .

أما إن كان صاحب عادة وفسوق فلا تبرأ ذمته حتى يرفع أمره إلى من يعاقبه بما ينزجر به .

أما إن كانت المعصية في حق لآدمي كأن يراه يسرق من بيت أو دكان أو رآه يزني بامرأة فلان فلا يجوز الستر عليه ، لما فيه من إهدار حق الآدمي ، وإفساد فراشه ، وخيانة المسلم . وكذا لو علم أنه القاتل أو الجارح لمسلم فلا يستر ويضيع حق مسلم ، بل يشهد عليه عند الجهات بأخذ الحقوق ، والله أعلم" انتهى من "فتاوى علماء البلد الحرام" ص (344) .

والحاصل : أن من رأى ما تتعلق به الشهادة من حقوق العباد ، وعلم أنه لم يشهده غيره ، تعيّن عليه إخبار صاحب الحق ، وأداء الشهادة أمام المحكمة أيضا إن لزم الأمر ؛ لئلا يضيع الحق على صاحبه ، وذلك ما لم يخش ضررا محققا .

والله أعلم .

الشهادات
عرض في موقع إسلام سؤال وجواب