الخميس 6 جمادى الآخر 1439 - 22 فبراير 2018


خيارات البحث:


مجال البحث:


187065: مفهوم الإجازة في العلوم الشرعية وتطوره


السؤال:
ما هي الإجازة ؟ ، وما أنواعها ؟

وكيف لهذه الإجازة أن تثبت أن الشخص المجاز قادر على تدريس ذاك الفرع من فروع الشريعة المجاز فيه ؟ وما هي شروط الإجازة الصحيحة ؟

وهل يؤمن السلفيون ويتعاملون بهذه الإجازات ، أم أنه منهج صوفي بحت ؟

وهل كان الألباني يمتلك إجازة ؟ وإذا كان الأمر كذلك فما نوع الإجازات التي كانت لديه ؟

لأني سمعت أن غالب علمه قراءة ذاتية .

وكم إجازة لديكم أنتم ؟ ، وفي أي فروع علوم الشريعة ؟ إن أغلب معرفتي الشرعية أستقيها من موقعكم ، لذا يهمني معرفة مدى أهليتكم .

تم النشر بتاريخ: 2014-03-11

الجواب :
الحمد لله
" الإجازة " مصطلح علمي ابتكره علماء الإسلام في بداية عصور الرواية ، كان يهدف إلى توثيق العلوم المتمثلة في ذلك الوقت بالقرآن الكريم ومرويات السنة المطهرة ، يحصل من خلالها الباحث على حق الرواية ، أي الإذن في الرواية والمشاركة في الساحة العلمية ، فمن نال إجازة في تلاوة القرآن الكريم أو رواية حديث أو كتاب فقد دخل صرح العلوم الشرعية ، ونال الإذن في المساهمة في نقل العلم ونشره بين الناس .
ولكن لم يرتبط ذلك بوجه من الوجوه ببيان مدى أعلمية المُجاز وأحقيته في المشاركة في العلم والمعرفة ، فالإجازة مَكسب يمكن أن يناله كل أحد ، ولكن هل يقبل أداؤه بعد ذلك أو لا يقبل ، فذلك شأن آخر تشدد فيه العلماء كثيرا ، وأقاموا لأجله الموازين العادلة التي يميَّز فيها العالِم الحق عن الدعي الدخيل الذي نال حق الإجازة عن غير جدارة ولا استحقاق ، فليس كل مُجاز أهل لتأدية العلم الذي يحمله ، وقد قال عليه الصلاة والسلام : ( فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ ) رواه الترمذي (2656) وقال: حديث حسن . وصححه الألباني في " صحيح الترمذي " .
وقد اتخذت الإجازة أوجها متعددة عبر تاريخ الحضارة الإسلامية ، تنحو في بعض الأحيان إلى التشدد ، وفي أحيان أخرى إلى التساهل :
بدءًا من " مناولة الشيخ للتلميذ بعض حديثه مكتوباً ، وإذنه له في روايته عنه ، وهذه أعلى صور الإجازة ؛ لما اشتملت عليه من مزيد التوثق "، لذلك قال القاضي عياض : " هي رواية صحيحة عند معظم الأئمة والمحدثين " .
ومرورا بمنح الإجازة في تلاوة القرآن الكريم ، وإقرائه للناس مسندا إلى النبي صلى الله عليه وسلم عن جبريل ، عن رب العزة جل وعلا ، وكذلك ومنح الإجازة المكتوبة في الإفتاء والتدريس ، كتلك التي نقلها القلقشندي (ت821هـ) موقَّعةً من شيخه ابن الملقن ، وفيها : " أذن وأجاز لفلان المسمّى فيه ، أدام الله تعالى معاليه ، أن يدرّس مذهب الإمام الشافعيّ ، وأن يقرأ ما شاء من الكتب المصنّفة فيه ، وأن يفيد ذلك لطالبيه ، حيث حلّ وأقام ، كيف ما شاء متى شاء وأين شاء ، وأن يفتي من قصد استفتاءه خطّا ولفظا ، على مقتضى مذهبه الشريف المشار إليه ، لعلمه وديانته وأمانته ، ومعرفته ودرايته ، وأهليّته لذلك وكفايته . فليتلقّ - أيده الله تعالى - هذه الحلّة الشريفة ، وليترقّ بفضل الله تعالى ذروة هذه المرتبة المنيفة ، وليعلم قدر ما أنعم الله تعالى عليه ، وأسدى من الإحسان الوافر إليه ، وليراقبه مراقبة من يعلم اطّلاعه على خائنة الأعين وما تخفي الصدور ، وليعامله معاملة من يتحقّق أنه يعلم ما يخفيه العبد وما يبديه في الورود والصّدور ، ولا يستنكف أن يقول فيما لا يعلم : لا أعلم " انتهى من " صبح الأعشى " (14/367) .
فانظر كيف أصبحت الإجازة ههنا شهادة مرسومة تأذن لحاملها بالتدريس العام والإفتاء .
ثم دخلت الإجازة كثيرا من العلوم الطبيعية والتجريبية ، كما جاء في " عيون الأنباء في طبقات الأطباء " (ص/302) قوله : " لما كان في سنة تسع عشرة وثلاثمائة اتصل بالمقتدر أن غلطا جرى على رجل من العامة من بعض المتطبِّبين ، فمات الرجل ، فأمر بمنع سائر المتطبِّبين من التصرف إلا من امتحنه سنان بن ثابت ، وكتب له رقعة بخطه بما يطلق له من الصناعة ، فصاروا إليه وامتحنهم ، وأطلق لكل واحد منهم ما يصلح أن يتصرف فيه ، وبلغ عددهم في جانبي بغداد ثمانمائة رجل ونيفا وستين رجلا ، سوى من استغنى عن محنته باشتهاره بالتقدم في صناعته ، وسوى من كان في خدمة السلطان " انتهى.
وهكذا تطور مفهوم الإجازة من صورته الفردة المقتصرة على الإذن برواية بعض الأخبار إلى كونها شهادة معتمدة من جهة ذات مصداقية في علم من العلوم ، تظهر قدرة حاملها على الأداء العلمي المتقن في مجال تخصصه .
ثم تطورت في عصورنا المتأخرة إلى مئات الأنواع بحسب تخصصاتها والجهات المشرفة عليها والسنوات المبذولة فيها والمستويات المندرجة تحتها وغير ذلك من الاعتبارات .
وهذا النوع من " الإجازات " هو الذي ينبغي الاهتمام به والتفتيش عنه ، الإجازات التي تنظمها القوانين والأنظمة المنضبطة ، وتشرف عليها جهات معتمدة ذات مصداقية عالية في تخصصها وأمانتها وسمعتها بين الناس ، كالجامعات المرموقة ، والمعاهد المختصة ، والمراكز العالمية ، ونحوها من المؤسسات الشرعية وغير الشرعية ، أو أفراد العلماء والمشايخ الذين يتثبتون فيما يمنحون من إجازات وشهادات ، المهم أن تُثبت الإجازة لحاملها أنه ترقَّى في تحصيل العلم بين يدي أهله المختصين فيه ، ضمن أنظمة رقابية تضمن تحقق الحد الأدنى من الكفاءة المطلوبة .
أما الإجازات التي اشتهرت لدى بعض المشتغلين بالعلوم الشرعية ، خاصة في علوم الحديث منها ، التي يتم فيها منح حق الرواية والتدريس من غير تثبت من أهلية المجاز وتمكنه مما أجيز به ، فهي من الصور الضعيفة التي لا ينبغي التعويل عليها في توثيق حاملها والأخذ عنه ، سوى التبرك برسم الإسناد الذي هو حبل هذه الأمة الممدود عبر القرون .
يقول الشيخ عبدالله الجديع : " توسع فيها المتأخرون ، وزادوا في أنواعها ، وأدخلوا فيها صوراً منكرة ، شبيهاً بما أدركناه اليوم من طائفة يقتني أحدهم كراساً جمع فيه له أو جمع لنفسه أسماء مصنفات عدة ، كالصحيحين والسنن ، له بمضمون ذلك الكراس إجازة من شيخ له ، أن يروي تلك الكتب عنه ، وذلك بإسناد لذلك الشيخ عن شيخ له ، ويقع في السلسلة من هو معروف من علماء المتأخرين بالإسناد ، ينتهي الإسناد إلى إمام من الأئمة الحديث ، كالحافظ ابن حجر أو غيره ، ومنه إلى الأئمة المصنفين لتلك الكتب .
والعيب في هذه الإجازات أن الطالب يجاز بمجرد أسماء لكتب ، لا يجاز بمضمون ، بل من هؤلاء المجازين من لم يطلع على مضمون ، ولم ير الكتاب الذي أجيزت له روايته عمره ، خصوصاً بعض الأجزاء الحديثية التي هي في عداد المفقود ، فعجبا لأحدهم يقول بعد ذلك : لدي برواية صحيح البخاري إجازة ، وأنا أروي جامع الترمذي عن مسند العصر فلان ، ما أراه والله إلا يكذب في دعواه ، فإنه لو قرأ البخاري أو الترمذي وحفظهما فإنه إنما تلقاهما بالطريق الذي تلقاهما به سائر الناس ، وهو هذه الوجادات عن الأصول الخطية والنسخ المنتهية أصولها إلى قرون عدة ، فأي فضل في هذا لإسناد هذا المسكين ، وأي صدق في دعواه أروي هذا عن فلان ، ما هذا إلا من تشبع الإنسان بما لم يعط ، ولا عجب ، فكثير من هؤلاء المجيزين والمجازين ممن لا حظ لهم في هذا العلم " انتهى من " تحرير علوم الحديث " (1/152-153) .
ولذلك فإننا ندعو الأخ السائل إلى التحري دائما عن الإجازات الحقيقية التي يحملها العالم كي يتوثق من علمه وتمكنه ، وليس عن الإجازات الصورية التي هي رسوم ومظاهر من غير حقيقة علمية مثبتة .
والشيخ الألباني رحمه الله قد نال شهادة الكثير من العلماء ، ممن عرفوه وحاوروه واستمعوا إلى علمه وفهمه ، فصدرت فيه أقوى الشهادات من كبار العلماء في عصره ، كالشيخ محب الدين الخطيب ، والشيخ ابن باز ، وابن عثيمين ، يمكنك مراجعتها وغيرها في كتاب " حياة الألباني " للشيخ محمد إبراهيم الشيباني (ص/540-563)، وينظر في موقعنا الفتوى رقم: (113687) .
أما موقعنا " موقع الإسلام سؤال وجواب " فيشرف عليه مجموعة من طلبة العلم ، ونسأل الله السداد والتوفيق ، وأن يجنبنا الزلل والفتن .
وللمزيد يمكنك الاطلاع على هذا الرابط : http://islamqa.info/ar/about
والله أعلم .

موقع الإسلام سؤال وجواب
أضف تعليقا