الثلاثاء 4 جمادى الآخر 1439 - 20 فبراير 2018


خيارات البحث:


مجال البحث:


218388: هل يجوز للمرأة لبس البنطال ؟


السؤال:
هل البنطال حقاً لباس رجالي ولا يجوز للمرأة لبسه ؟ وهل هناك لباس أو شيء مشابه اختص به الرجال دون النساء ، ولكنه تغير وأصبح مباحا في حق الجميع ؟

تم النشر بتاريخ: 2014-08-30

الجواب :
الحمد لله
أولاً :
لبس المرأة للبنطال ، من غير جلباب يستره ، خارج بيتها ، أو بحيث يراها رجل أجنبي عنها : محرم ؛ لما فيه من التبرج بالزينة ، ؛ لأنه لا يستر عورتها الستر الشرعي المطلوب ، بل يظهر مفاتنها ، ويفصل أعضاءها تفصيلا دقيقاً ، وكل ذلك معلوم التحريم .
ثم هو أيضا مخالف لما جرت عليه نساء المؤمنات في لباسهن ، مشابه للبسة الكافرات ، وأهل الفسق والمجون .
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله : " البنطلون : يصف حجم رِجْل المرأة ، وكذلك بطنها وخصرها ، فلابسته تدخل تحت الحديث الصحيح : ( صنفان من أهل النار لم أرهما : قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس ، ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا ) ". انتهى ، والحديث رواه مسلم (2128) .
ومهما كان البنطال واسعاً فضفاضاً ، فهو لا يخلو من تفصيل وتحجيم لأعضاء المرأة .
قال الشيخ ابن عثيمين : " حتى وإن كان واسعاً فضفاضاً ، لأن تميز رِجْل عن رِجْل يكون به شيء من عدم الستر" .
انتهى ، باختصار يسير ، من " مجموع فتاوى ورسائل العثيمين " (12/285).

وقال علماء " اللجنة الدائمة للإفتاء " :
" يجب على المرأة أن تحتجب عن الأجانب الحجاب الشرعي دون لبس الزينة ، فإن خروجها بملابس الزينة والفتنة لا يجوز ولو كانت متحجبة في الظاهر ، ومن ذلك لبس السروال ، أو البنطلون ، بدل الثوب الساتر" انتهى من " فتاوى اللجنة " (17/174) .

ثانيا :
لا حرج على المرأة أن تلبس " بنطالا نسائيا " ، يعتاد النساء لبس مثله ، إذا لم يطلع عليها أحد من الأجانب ، وإنما تلبسه خالية مع نفسها ، أو لزوجها ، غير أنه ينبغي عليها أن تتحفظ من الظهور ببنطالها أمام محارمها ، سوى الزوج ، لما يخشى منه من الفتنة ، وتحديد العورة ، وعدم كمال التستر ، كما هو معلوم مشاهد .
وتتأكد الرخصة في لبس المرأة للبنطال : إذا كانت تلبسه تحت جلبابها ؛ فإن هذا أكمل في الستر ، وهو أمر معتاد لحرائر النساء في كثير من البلدان ، وتتأكد الحاجة إلى مثل ذلك كثيرا ، كما لو كانت تخشى أن ينكشف جلبابها ، أو تصعد إلى مكان مرتفع ، ونحو ذلك .

قال الشيخ عبد الرزاق عفيفي رحمه الله : " إذا لبست المرأة البنطلون وفوقه ملابس سابغة ، فلا تشبه فيه بالرجال ، ما دامت تلبسه أسفل ملابسها " .
انتهى من " فتاوى الشيخ عبد الرزاق عفيفي " (ص 573 ) .

ثالثا :
وأما كون الرجل يلبس البنطال : فلا يعني ذلك تحريم لبسه على النساء ؛ فإنما يحرم على المرأة أن تلبس اللبس الخاص بالرجال ، وهكذا يحرم على الرجال ، وإما ما اعتيد لبسه لهما ، فلا يحرم على أي منهما ، ما لم يختص به .
ومثل ذلك : لو كان بنطال الرجال له هيئة ، تختلف عما تلبسه النساء ، في الموضع الذي يرخص لهن في لبسه .
فقد روى أبو داود (4089) وغيره ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : " لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّجُلَ يَلْبَسُ لِبْسَةَ الْمَرْأَةِ وَالْمَرْأَةَ تَلْبَسُ لِبْسَةَ الرَّجُلِ " وصححه الألباني في " مشكاة المصابيح " برقم (4469) .
فإن إضافة اللبسة إلى المرأة أو الرجل : تدل على الاختصاص بها ؛ وإلا فلو كانت شائعة في الجنسين : لم يقل إنها لبسة المرأة ، أو لبسة الرجل .
قال المناوي رحمه الله :
" فيه كما قال النووي حرمة تشبه الرجال بالنساء وعكسه لأنه إذا حرم في اللباس ففي الحركات والسكنات والتصنع بالأعضاء والأصوات أولى بالذم والقبح فيحرم على الرجال التشبه بالنساء وعكسه في لباس اختص به المشبه بل يفسق فاعله للوعيد عليه باللعن " .
انتهى من " فيض القدير" (5/269) .

رابعا :
مما ينبغي أن يعلم أن باب " التشبه " ، سواء كان تشبها المرأة بالرجل ، أو العكس ، أو التشبه بالكفار : ليس هو أمرا ثابتا لا يختلف ولا يتغير ؛ بل هو أمر يتفاوت بتفاوت المكان ، والزمان ؛ فربما كان لباسا معينا ، أو هيئة ، أو فعلا : تشبها في بلد ، وليس كذلك في بلد آخر ، وربما كان تشبها في زمن ، ثم يزول ذلك بتغير عادات الناس ، على مر الزمان .
وقد ترجم البخاري في صحيحه : بَابٌ : الْمُتَشَبِّهُونَ بِالنِّسَاءِ وَالْمُتَشَبِّهَاتُ بِالرِّجَالِ .
ثم روى فيه (5546) حديث ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : " لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُتَشَبِّهِينَ مِنْ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ وَالْمُتَشَبِّهَاتِ مِنْ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ " .

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله :
" أَيْ ذَمُّ الْفَرِيقَيْنِ ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ اللَّعْنُ الْمَذْكُورُ فِي الْخَبَرِ .... ، قَالَ الطَّبَرِيُّ الْمَعْنَى لَا يَجُوزُ لِلرِّجَالِ التَّشَبُّهُ بِالنِّسَاءِ فِي اللِّبَاسِ وَالزِّينَةِ الَّتِي تَخْتَصُّ بِالنِّسَاءِ وَلَا الْعَكْسُ ، قُلْتُ : وَكَذَا فِي الْكَلَامِ وَالْمَشْيِ ، فَأَمَّا هَيْئَةُ اللِّبَاسِ فَتَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ عَادَةِ كُلِّ بَلَدٍ ، فَرُبَّ قَوْمٍ لَا يَفْتَرِقُ زِيُّ نِسَائِهِمْ مِنْ رِجَالِهِمْ فِي اللُّبْسِ ، لَكِنْ يَمْتَازُ النِّسَاءُ بِالِاحْتِجَابِ وَالِاسْتِتَارِ" .
انتهى من " فتح الباري " (10/332) .
ونظير ذلك أيضا ، في مسألة تغير " التشبه" بتغير الزمان والمكان : أن العلماء كانوا يفتون بتحريم لبس " الطيلسان " [نوع من الثياب] لأنه من ألبسه اليهود ، فلما عمَّ لبسه بين المسلمين صار مباحاً لزوال علة التشبه .
قال الحافظ ابن حجر : " وَإِنَّمَا يَصْلُح الِاسْتِدْلَال بِقِصَّةِ الْيَهُود فِي الْوَقْت الَّذِي تَكُون الطَّيَالِسَة مِنْ شِعَارهمْ , وَقَدْ اِرْتَفَعَ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَة ، فَصَارَ دَاخِلًا فِي عُمُوم الْمُبَاح ".
انتهى من " فتح الباري " (10/285) .

وقال أيضا ، عن الْمَيَاثِر الْحُمْر [وهي أغطية كانت تجعل على سرج الفرس ، وكانت تصنع من حرير ] الَّتِي جَاءَ النَّهْي عَنْهَا، قال : " وَإِنْ كَانَتْ مِنْ غَيْر حَرِير ، فَالنَّهْي فِيهَا لِلزَّجْرِ عَنْ التَّشَبُّه بِالْأَعَاجِمِ .... ، لَكِنْ كَانَ ذَلِكَ شِعَارهمْ حِينَئِذٍ وَهُمْ كُفَّار ، ثُمَّ لَمَّا لَمْ يَصِرْ الْآن يُخْتَصَ بِشِعَارِهِمْ ، زَالَ ذَلِكَ الْمَعْنَى ، فَتَزُول الْكَرَاهَة " انتهى من " فتح الباري " (10/319) .

والمقصود : أن التشبه بالكفار أو الرجال لا يكون إلا فيما هو من خصائصهم ، بحيث إذا رئي الفاعل لذلك الفعل لظن أنه منهم ، أما الفعل المشترك ، فلا يصح أن يقال : إن فِعْلَه يُعَدُّ من التشبه الممنوع .
قال الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله : " أما ما انتشر بين المسلمين وصار لا يتميز به الكفار فإنه لا يكون تشبهاً ، فلا يكون حراماً من أجل أنه تشبه " .
انتهى من " فتاوى العقيدة " (ص245) .
وفي" فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء " (24/40) : " ولبس البنطلون ليس خاصاً بالكفار " انتهى .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
" ثُمَّ إنَّ هَذَا لَيْسَ مُعِينًا لِلسَّتْرِ فَلَوْ لَبِسَتْ الْمَرْأَةُ سَرَاوِيلَ أَوْ خُفًّا وَاسِعًا صُلْبًا كَالْمُوقِ وَتَدَلَّى فَوْقَهُ الْجِلْبَابُ بِحَيْثُ لَا يَظْهَرُ حَجْمُ الْقَدَمِ لَكَانَ هَذَا مُحَصِّلًا لِلْمَقْصُودِ بِخِلَافِ الْخُفِّ اللَّيِّنِ الَّذِي يُبْدِي حَجْمَ الْقَدَمِ ؛ فَإِنَّ هَذَا مِنْ لِبَاسِ الرِّجَالِ .
وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ : لَوْ لَبِسَتْ جُبَّةً وَفَرْوَةً لِحَاجَتِهَا إلَى ذَلِكَ إلَى دَفْعِ الْبَرْدِ ، لَمْ تَنْهَ عَنْ ذَلِكَ.
فَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: لَمْ يَكُنْ النِّسَاءُ يَلْبَسْنَ الْفِرَاءَ ؟
قُلْنَا: فَإِنَّ ذَلِكَ يَتَعَلَّقُ بِالْحَاجَةِ ؛ فَالْبِلَادُ الْبَارِدَةُ يَحْتَاجُ فِيهَا إلَى غِلَظِ الْكُسْوَةِ وَكَوْنِهَا مُدَفِّئَةً ، وَإِنْ لَمْ يُحْتَجْ إلَى ذَلِكَ فِي الْبِلَادِ الْحَارَّةِ .
فَالْفَارِقُ بَيْنَ لِبَاسِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ يَعُودُ إلَى مَا يَصْلُحُ لِلرِّجَالِ وَمَا يَصْلُحُ لِلنِّسَاءِ ، وَهُوَ مَا يُنَاسِبُ مَا يُؤْمَرُ بِهِ الرِّجَالُ وَمَا تُؤْمَرُ بِهِ النِّسَاءُ.
فَالنِّسَاءُ مَأْمُورَاتٌ بِالِاسْتِتَارِ وَالِاحْتِجَابِ ، دُونَ التَّبَرُّجِ وَالظُّهُورِ .."
ثم قال :
" وَأَصْلُ هَذَا : أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ الشَّارِعَ لَهُ مَقْصُودَانِ :
أَحَدُهُمَا الْفَرْقُ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ ، والثَّانِي احْتِجَابُ النِّسَاءِ .
فَلَوْ كَانَ مَقْصُودُهُ مُجَرَّدَ الْفَرْقِ لَحَصَلَ ذَلِكَ بِأَيِّ وَجْهٍ حَصَلَ بِهِ الِاخْتِلَافُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فَسَادُ ذَلِكَ ..
وَإِذَا تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ لِبَاسِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فَرْقٌ يَتَمَيَّزُ بِهِ الرِّجَالُ عَنْ النِّسَاءِ ، وَأَنْ يَكُونَ لِبَاسُ النِّسَاءِ فِيهِ مِنْ الِاسْتِتَارِ وَالِاحْتِجَابِ مَا يُحَصِّلُ مَقْصُودَ ذَلِكَ : ظَهَرَ أَصْلُ هَذَا الْبَابِ، وَتَبَيَّنَ أَنَّ اللِّبَاسَ إذَا كَانَ غَالِبُهُ لُبْسَ الرِّجَالِ نُهِيَتْ عَنْهُ الْمَرْأَةُ ، وَإِنْ كَانَ سَاتِرًا كالفراجي الَّتِي جَرَتْ عَادَةُ بَعْضِ الْبِلَادِ أَنْ يَلْبَسَهَا الرِّجَالُ دُونَ النِّسَاءِ ، وَالنَّهْيُ عَنْ مَثَلِ هَذَا بِتَغَيُّرِ الْعَادَاتِ .
وَأَمَّا مَا كَانَ الْفَرْقُ عَائِدًا إلَى نَفْسِ السِّتْرِ : فَهَذَا يُؤْمَرُ بِهِ النِّسَاءُ بِمَا كَانَ أَسْتَرُ ، وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ الْفَرْقَ يَحْصُلُ بِدُونِ ذَلِكَ .
فَإِذَا اجْتَمَعَ فِي اللِّبَاسِ قِلَّةُ السَّتْرِ وَالْمُشَابَهَةُ نُهِيَ عَنْهُ مِنْ الْوَجْهَيْنِ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ " .
انتهى من " مجموع الفتاوى" (22/148) وما بعدها .

والله أعلم .

موقع الإسلام سؤال وجواب
أضف تعليقا