السبت 8 جمادى الآخر 1439 - 24 فبراير 2018


خيارات البحث:


مجال البحث:


221752: ما حكم الحيوانات التي تتغذى على النجاسات ؟


السؤال:
ما حكم الحيوانات التي تتغذى على النجاسات ؟

تم النشر بتاريخ: 2014-08-23

الجواب :
الحمد لله
أولاً :
الحيوان الذي يتغذى على النجاسات ، يسمى عند الفقهاء بـ " الجلَّالة " .
وفي الحديث عن ابن عباس رضي الله عنهما : ( أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ لَبَنِ الْجَلَّالَةِ ) رواه الترمذي (1825) وصححه ، وكذلك صححه النووي ، وقال ابن حجر في " الفتح " (9/649) : " على شرط البخاري " ، وصححه الألباني .

وعَنْ ابن عمر رضي الله عنهما قال : ( نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَكْلِ الْجَلَّالَةِ ، وَأَلْبَانِهَا ) رواه الترمذي (1824) ، وصححه الألباني في " صحيح سنن الترمذي " .

وعَنْ عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما : ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ ، وَعَنْ الْجَلَّالَةِ ، وَعَنْ رُكُوبِهَا ، وَعَنْ أَكْلِ لَحْمِهَا ) رواه النسائي (4447) وحسنه ابن حجر في " الفتح " (9/648) ، وكذا حسنه الألباني في " صحيح سنن النسائي " .

ومن هذه الأحاديث يتبين لنا أن المنهي عنه ثلاثة أمور : أكل لحم الجلالة ، وشرب لبنها ، وركوبها .
ويلحق بها : بيضها ، عند جمهور العلماء ، ينظر : " الإنصاف " (10/366) ، " الموسوعة الفقهية " (8/266) .

والْجَلالَة هِيَ الَّتِي تَأْكُل الجِلَّة ، والجلة : البَعر . ينظر : " غريب الحديث " للقاسم بن سلام (1/78) ، و " غريب الحديث " لابن قتيبة (1/276) .

وقال أبو داود رحمه الله : " الْجَلَّالَةُ الَّتِي تَأْكُلُ الْعَذِرَةَ " انتهى من " السنن " (3719) .

وقال الإمام أحمد رحمه الله : " الْجَلَّالَةُ : مَا أَكَلَتِ الْعَذِرَةَ مِنَ الدَّوَابِّ وَالطَّيْرِ" انتهى من " مسائل الإمام أحمد " رواية أبي داود (ص/ـ345) .

فالجلالة : اسم يشمل أي حيوان يتغذى على النجاسات ، سواء كان من الإبل ، أو البقر ، أو الغنم ، أو الدجاج ، أو الإوز ، أو غيرها من الحيوانات المأكولة .

قال النووي رحمه الله : " وَتَكون الْجَلالَة : بَعِيرًا ، وبقرةً ، وشَاةً ، ودجاجةً ، وإوزة ، وَغَيرهَا " انتهى من " تحرير ألفاظ التنبيه " (ص/170) .

ثانياً :
الحيوان الذي يتغذى على النجاسات له أحوال :
الأولى : أن يكون تغذيه عليها قليلا ، وأغلب طعامه من الطيبات ، فهذا لا يشمله حكم الجلالة .

قال الخطابي رحمه الله : " فأما إذا رعت الكلأ ، واعتلفت الحَبَّ ، وكانت تنال مع ذلك شيئاً من الجِلَّة ، فليست بجلالة ، وإنما هي كالدجاج ونحوها من الحيوان الذي ربما نال الشيء منها ، وغالب غذائه وعلفه من غيرها : فلا يكره أكله " انتهى من " معالم السنن " (4/244) .

وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله : " فإذا كانت تأكل الطيب والقبيح ، وأكثر علفها الطيب ، فإنها ليست جلالة ، بل هي مباحة ، ومن هذا ما يفعله بعض أرباب الدواجن يعطونها من الدم المسفوح من أجل تقويتها أو تنميتها فلا تحرم بهذا ولا تكره ؛ لأنه إذا كان الأكثر هو الطيب ، فالحكم للأكثر " انتهى من " شرح رياض الصالحين " (6/434) .

الثانية : أن يكون أكثر طعامه من النجاسات ، ويظهر تأثير ذلك على الحيوان في نتن لحمه ورائحته ، فهذا يشمله النهي ، فلا يجوز أكل لحمه وبيضه ، ولا شرب لبنه ، ولا ركوبه .

قال الكاساني رحمه الله : " إنَّمَا تَكُونُ جَلَّالَةً إذَا تَغَيَّرَتْ وَوُجِدَ مِنْهَا رِيحٌ مُنْتِنَةٌ ، فَهِيَ الْجَلَّالَةُ حِينَئِذٍ ، لَا يُشْرَبُ لَبَنُهَا ، وَلَا يُؤْكَلُ لَحْمُهَا " انتهى من " بدائع الصنائع " (5/40) .

وقال الإمام إبراهيم الحربي : " وَإِنَّمَا نُهِيَ عَنْ أَلْبَانِهَا , لِأَنَّ آكِلَهُ يَجِدُ فِيهِ طَعْمَ مَا أَكَلَتْ ، وَكَذَلِكَ فِي لُحُومِهَا , وَنُهِيَ عَنْ رُكُوبِهَا , لِأَنَّهَا تَعْرَقُ , فَتُوجَدُ رَائِحَتُهُ فِي عَرَقِهَا , وَرَاكِبُهَا لَا يَخْلُو أَنْ يُصِيبَهُ ذَلِكَ , أَوْ يَجِدَ رَائِحَتَهُ , فَإِنْ تَحَفَّظَ مِنْ ذَلِكَ جَازَ رُكُوبُهَا , وَلَمْ يَجُزْ شُرْبُ أَلْبَانِهَا ، وَلَا أَكْلُ لُحُومِهَا إِلَّا أَنْ يَصْنَعَ بِهَا مَا يُزِيلُهَا " انتهى من " غريب الحديث " (1/115) .

الثالثة : أن يكون أكثر طعامه من النجاسات ، ولكن لا يظهر تأثير ذلك على الحيوان في لحمه ورائحته ، فهل يعد جلالة أم لا ؟
مذهب الحنابلة : أنه يعد جلالة ؛ لأن الجلالة عندهم هي الحيوان الذي أكثر طعامه من النجاسات ، سواء ظهر أثر ذلك على لحم الحيوان ورائحته أم لا .

قال ابن قدامة رحمه الله : " فَإِذَا كَانَ أَكْثَرُ عَلَفِهَا النَّجَاسَةَ ، حُرُمَ لَحْمُهَا وَلَبَنُهَا ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرُ عَلَفِهَا الطَّاهِرَ ، لَمْ يَحْرُمْ أَكْلُهَا وَلَا لَبَنُهَا " انتهى من " المغني " (9/413) .

وأما الحنفية والشافعية : فلم يعدوها من الجلالة ؛ لأن شرط الجلالة أن يظهر تأثير أكلها للنجاسات في لحمها ورائحتها .
قال السرخسي رحمه الله : " وَتَفْسِيرُ الْجَلَّالَةِ : الَّتِي تَعْتَادُ أَكْلَ الْجِيَفِ .. فَيَتَغَيَّر لَحْمُهَا ، وَيَكُونُ لَحْمُهَا مُنْتِنًا فَحَرُمَ الْأَكْلُ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْخَبَائِثِ ... وَأَمَّا مَا يَخْلِطُ فَيَتَنَاوَلُ الْجِيَفَ وَغَيْرَ الْجِيَفِ عَلَى وَجْهٍ لا يَظْهَرُ أَثَرُ ذَلِكَ مِنْ لَحْمِهِ ، فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ " انتهى من " المبسوط " (11/255) .

وقال النووي رحمه الله : " لَا اعْتِبَارَ بِالْكَثْرَةِ ، وَإِنَّمَا الِاعْتِبَارُ بِالرَّائِحَةِ وَالنَّتْنِ ، فَإِنْ وُجِدَ فِي عَرَقِهَا وَغَيْرِهِ رِيحُ النَّجَاسَةِ فَجَلَّالَةٌ ، وَإِلَّا فَلَا " انتهى من " المجموع شرح المهذب " (9/28) .

وقال أبو المعالي الجويني رحمه الله : " لا تعويل على الاستكثار من النجاسة والاستقلال منها ، وإنما التعويل على ظهور الرائحة ، وذلك يَبِينُ عند الذبح " انتهى من " نهاية المطلب " (18/214) .

ومما يقوي هذا القول : أن النجاسة التي تستحيل [ أي : تتحول إلى مادة أخرى ] لا حكم لها ، وإنما يكون لها اعتبار إذا ظهر أثرها ، وقد سبق في جواب السؤال : (131185) بيان أن النباتات والمزروعات التي تتغذى على النجاسات لا حرج فيها ؛ لأنها قد طَهُرت باستحالتها إلى غذاءٍ طيب تغذَّت به الشجرة إلا أن يظهر أثر النجاسة في الحب والثمر ، وكلا الأمرين من باب واحد .

قال البيهقي رحمه الله : " وَمَا رُوِيَ عَنْهُ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الْجَلَّالَةِ ، وَمَا قَالَ فِيهَا أَهْلُ الْعِلْمِ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا : إِذَا ظَهَرَ رِيحُ الْقَذَرِ فِي لَحْمِهَا " انتهى من " شعب الإيمان " (7/429) .

وقال الشيخ خالد المشيقح حفظه الله : " فالصواب في هذه المسألة أنه إذا كان للنجاسة أثر في طعم اللحم أو رائحته ، أو اللبن ، أو يسبب أمراضاً ، ونحو ذلك ، فإنه محرم ، وأما إذا لم يكن لها أثر فإنه جائز ؛ لأن النجاسات تطهر بالاستحالة ، وهذه الأشياء قد استحالت إلى دم ، ولحم ، وحليب ، ونحو ذلك ، هذا هو الصواب الأقرب من قولي العلماء رحمهم الله فيما يتعلق بالجلالة " انتهى من " فتاوى الشيخ خالد المشيقح " (1/89) .

ثالثاً :
الجلالة لا يحل أكل لحمها حتى تزول منها آثار النتن والخبث ، وذلك بحبسها ، وعلفها طعاماً طيباً طاهراً .

قال ابن قدامة رحمه الله : " وَتَزُولُ الْكَرَاهَةُ بِحَبْسِهَا اتِّفَاقًا " انتهى من " المغني " (9/414) .

وقال النووي : " وَلَوْ حُبِسَتْ بَعْدَ ظُهُورِ النَّتْنِ ، وَعُلِفَتْ شَيْئًا طَاهِرًا ، فَزَالَتْ الرَّائِحَةُ ، ثُمَّ ذُبِحَتْ فَلَا كَرَاهَةَ فِيهَا قَطْعًا .
وَلَيْسَ لِلْقَدْرِ الَّذِي تُعْلفُهُ مِنْ حَدٍّ ، وَلَا لِزَمَانِهِ مِنْ ضَبْطٍ ، وَإِنَّمَا الِاعْتِبَارُ بِمَا يُعْلَمُ فِي الْعَادَةِ أَوْ يُظَنُّ أَنَّ رَائِحَةَ النَّجَاسَةِ تَزُولُ بِهِ .
وَلَوْ لَمْ تُعْلَفْ لَمْ يَزُلْ الْمَنْعُ بِغَسْلِ اللَّحْمِ بَعْدَ الذَّبْحِ ، وَلَا بِالطَّبْخِ وَإِنْ زَالَتْ الرَّائِحَةُ بِهِ " انتهى من " المجموع " (9/ 29) .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : " فَإِذَا حُبِسَتْ حَتَّى تَطِيبَ كَانَتْ حَلَالًا بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ ؛ لِأَنَّهَا قَبْلَ ذَلِكَ يَظْهَرُ أَثَرُ النَّجَاسَةِ فِي لَبَنِهَا وَبَيْضِهَا وَعَرَقِهَا ، فَيَظْهَرُ نَتْنُ النَّجَاسَةِ وَخُبْثُهَا ، فَإِذَا زَالَ ذَلِكَ عَادَتْ طَاهِرَةً ، فَإِنَّ الْحُكْمَ إذَا ثَبَتَ بِعِلَّةِ زَالَ بِزَوَالِهَا " انتهى من " مجموع الفتاوى " (21/618) .

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله : " وَالْمُعْتَبَرُ فِي جَوَازِ أَكْلِ الْجَلَّالَةِ : زَوَالُ رَائِحَةِ النَّجَاسَةِ بَعْدَ أَنْ تُعْلَفَ بِالشَّيْءِ الطَّاهِرِ عَلَى الصَّحِيحِ " انتهى من " فتح الباري " (9/648) .

ومن العلماء من وَقَّت لحبسها قدرا معيناً ، ففِي الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ أربعين يَوْمًا ، وَفِي الْغَنَمِ سَبْعَةَ أَيَّامٍ ، وَفِي الدَّجَاجِ ثَلَاثَة .
وروى نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما : أَنَّهُ كَانَ يَحْبِسُ الدَّجَاجَةَ الْجَلَّالَةَ ثَلَاثًا ، انتهى من " مصنف ابن أبي شيبة " (5/148) ، وسنده صحيح كما قال الحافظ في " الفتح " (9/648) .

رابعاً:
هل أكل لحم الجلالة محرم أم مكروه ؟
مذهب الحنابلة : تحريم أكل لحمها وبيضها وشرب لبنها ، وكراهة ركوبها . ينظر : " الإنصاف " (10/356) ، " شرح منتهى الإرادات " (3/411) .

ومذهب الحنفية والشافعية ورواية عن أحمد : كراهة الأكل والشرب والركوب . ينظر: " بدائع الصنائع " (5/40) ، " مغني المحتاج " (4/304) .
قال الخطابي رحمه الله : " كُرِهَ أكلُ لحومها وألبانها تنزهاً وتنظفاً ، وذلك أنها إذا اغتذت بها وُجِدَ نتنُ رائحتها في لحومها " انتهى من " معالم السنن " (4/ 244) .

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله : " وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَنَابِلَةِ : إِلَى أَنَّ النَّهْيَ لِلتَّحْرِيمِ ، وَبِهِ جَزَمَ ابن دَقِيقِ الْعِيدِ عَنِ الْفُقَهَاءِ ، وَهُوَ الَّذِي صَحَّحَهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ وَالْقَفَّالُ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْبَغَوِيُّ وَالْغَزَالِيُّ وَأَلْحَقُوا بِلَبَنِهَا وَلَحْمِهَا : بَيْضَهَا " انتهى من " فتح الباري " (9/648) .

وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله : " فالنهي فيها عن الركوب للتنزيه ، وأما عن الأكل فهو إما كراهة تنزيه وإما كراهة تحريم على خلاف بين العلماء في ذلك " انتهى من " شرح رياض الصالحين " (6/435) .

والحاصل :
أن الجلَّالة هي الحيوان الذي يتغذى على النجاسات ، ويظهر أثر النجاسة عليه ، فلا يجوز في هذه الحال أكل لحمه ولا بيضه ولا شرب لبنه .

والله أعلم .

موقع الإسلام سؤال وجواب
أضف تعليقا