الجمعة 9 رمضان 1439 - 25 مايو 2018


خيارات البحث:


مجال البحث:


272897: مذهب المالكية في تحية المسجد وقت الخطبة وفي سجود التلاوة في المفصل


السؤال : أنا أسال دلوني على الحقيقة لأن الإمام مالكا حرم التحية يوم الجمعة والإمام يخطب ، والرسول صل الله عليه وسلم أمر بها ، وأباح للمصلي بأن يصلي صلاة الفائتة من غير عذر مشروع من 5 صلوات وأكثر ، والله يقول: (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (5) ، وأفتى للذي يصلي مثلا عمره 60 سنة بأن يصلي 45 سنة في كل يوم يومين ، فهل الإمام مالك أفتى بغير علم ، و لا أدلة لا من الكتاب ولا من السنة ؟ والرسول صلى الله عليه وسلم يقول : ( الإسلام يجب ما قبله) وقال للذي يتقيأ في رمضان ويعاني من مرض ببطنه فإن يكفر 60 يوما ، وفي الموطأ مالك يقول: برضاع الكبير ، هذا معقول !؟ وفي سورة الانشقاق نجد سجدة ولا يأمر بها ،وفي سورة إقرأ بإسم ربك كذلك لا يأمر بها ، والناس كلهم في تونس يتبعونه ، حتى مرة تجادلت مع إمام خمس على التحية والإمام يخطب ؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر بها ، مع العلم أنا الإمام مالك حرمها ، فقلت له : لو كنت مع الرسول صلى الله عليه وسلم وأمرك بها ، والإمام مالك قال : لك لا تصلي أي كلام تطيع ، فقال : لا الإمام مالك ، أنا حائر دلوني ما حكم الإمام مالك في الشرع والذين يتبعونه ، أرجوكم دلوني ؟

تم النشر بتاريخ: 2017-08-30

الجواب :

الحمد لله

أولا:

الإمام مالك بن أنس رحمه الله أحد الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المتبوعة، وهو إمام عظيم ثقة فقيه محدث مجتهد، وهو كغيره من الأئمة لا يتعمد مخالفة نص شرعي، وإنما قد لا يصح الحديث عنده، أو يصح ويراه منسوخا، أو يقدم عليه ما هو أقوى – عنده – منه .

فالواجب توقير العلماء واعتقاد فضلهم وإحسانهم على الأئمة، وبراءتهم من تعمد مخالفة السنة، وأنهم مجتهدون يدورون بين الأجرين والأجر الواحد .

وانظر: جواب السؤال رقم (219303) ورقم (200879).

 

والمصنفات التي عنيت بترجمة الإمام مالك كثيرة جدا ، يعسر إحصاؤها في هذا المقام ، وبحسبك أن تنظر ما جاء في ترجمته في كتب : "الإنتقاء في فضل الأئمة الثلاثة الفقهاء" لابن عبد البر ، و"منازل الأئمة الأربعة" للسلجماسي" ، و"سير أعلام النبلاء" للذهبي ، وأيضا ينظر للفائدة : "مالك" ، للشيخ محمد أبو زهرة .

ثانيا:

الواجب على العامي الذي لا يستطيع النظر في الأدلة وفي أقوال العلماء ، الواجب عليه أن يقلد أهل العلم ، كما قال تعالى : ( فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ) النحل/43

لكن لا يجب على المسلم اتباع مذهب معين ، بل يسأل من يثق به من أهل العلم .

 

وأما القادر على الاستنباط من الكتاب والسنة ، أو معرفة الراجح والمرجوح بالاعتماد على الثروة العلمية التي تركها العلماء ، فهذا يعمل باجتهاده ، أو بما ترجح لديه ، ولا يسوغ له التقليد فيما يعتقد الحق بخلافه ، بل يأخذ بما يعتقد أنه حق ، ويجوز له التقليد فيما عجز عنه واحتاج إليه.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : " وإذا نزلت بالمسلم نازلة فإنه يستفتي من اعتقد أنه يفتيه بشرع الله ورسوله ، من أي مذهب كان ، ولا يجب على أحد من المسلمين تقليد شخص بعينه من العلماء في كل ما يقول ، ولا يجب على أحد من المسلمين التزام مذهب شخص معين غير الرسول صلى الله عليه وسلم في كل ما يوجبه ويخبر به ، بل كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم .

واتباع شخص لمذهب شخص بعينه، لعجزه عن معرفة الشرع من غير جهته : إنما هو مما يسوغ له ، ليس هو مما يجب على كل أحد إذا أمكنه معرفة الشرع بغير ذلك الطريق ؛ بل كل أحد عليه أن يتقي الله ما استطاع ، ويطلب علم ما أمر الله به ورسوله ، فيفعل المأمور ويترك المحظور " انتهى من "مجموع الفتاوى" (20/209) .

وينظر : سؤال رقم (21420) ورقم (10296) .

 

ثالثا:

تحية المسجد وقت خطبة الجمعة من السنة التي أمر بها النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقد أخرج مسلم (875) عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما، قَالَ: (جَاءَ سُلَيْكٌ الْغَطَفَانِيُّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَرَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ، فَجَلَسَ، فَقَالَ لَهُ: يَا سُلَيْكُ، قُمْ فَارْكَعْ رَكْعَتَيْنِ، وَتَجَوَّزْ فِيهِمَا، ثم قال: إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ، فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ، وَلْيَتَجَوَّزْ فِيهِمَا).

 

قال النووي رحمه الله بعد أن ذكرَ عدَّة أحاديث في الباب: "هذه الأحاديث كلها صريحة في الدلالة لمذهب الشافعي وأحمد وإسحاق وفقهاء المحدثين: أنه إذا دخل الجامع يوم الجمعة والإمام يخطب: استُحِبَّ له أن يصلي ركعتين تحية المسجد، ويُكرَه الجلوس قبل أن يصليهما، وأنه يُستحَبُّ أن يتجوَّز فيهما ليسمع بعدهما الخطبة " انتهى "شرح النووي على صحيح مسلم " (6/ 164).

 

واستدل المالكية بجملة من الأدلة رأوا أنها مقدمة على حديث جابر.

 

قال النفراوي رحمه الله:

"ودليلنا ما في أبي داود والنسائي: أن رجلا تخطى رقاب الناس والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب فقال له: (اجلس فقد آذيت) فأمره بالجلوس دون الركوع، والأمر بالشيء نهي عن ضده، وخبر: (إذا قلت لصاحبك أنصت والإمام يخطب فقد لغوت) نهي عن النهي عن المنكر مع وجوبه، فالمندوب أولى.

وأما خبر سليك الغطفاني وأمره صلى الله عليه وسلم له بالركوع لما دخل المسجد وهو يخطب ، فيحتمل نسخه بنهيه صلى الله عليه وسلم عن الصلاة حينئذ كما في الخبر السابق .

وعلى تقدير معارضته ، وعدم نسخه : فحديثنا أولى ، كما قال ابن العربي ، لاتصاله بعمل أهل المدينة ، ولجريه على القياس ؛ من وجوب الاشتغال بالاستماع الواجب ، وترك التحية المندوبة" انتهى من الفواكه الدواني (2/ 637).

 

ولا يخفى أن الأصل عدم النسخ، وأنه يمكن الجمع بين هذه الأحاديث بأن تحية المسجد مشروعة مستحبة، والممنوع هو المشي وتخطي الرقاب، وأن هذه التحية مستثناة من الأمر بالإنصات للخطيب، أو أن المصلي يعتبر منصتا.

 

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: " قال ابن العربي: عارض قصة سليك ما هو أقوى منها كقوله تعالى: (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا) ، وقوله صلى الله عليه و سلم: (إذا قلت لصاحبك أنصت والإمام يخطب يوم الجمعة فقد لغوت) متفق عليه. قال: فإذا امتنع الأمر بالمعروف ، وهو أمر اللاغي بالإنصات ، مع قصر زمنه ، فمنع التشاغل بالتحية ، مع طول زمنها : أولى. وعارضوا أيضا بقوله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب ، للذي دخل يتخطى رقاب الناس: (اجلس فقد آذيت) أخرجه أبو داود والنسائي وصححه ابن خزيمة وغيره من حديث عبد الله بْنِ بُسْرٍ. قالوا: فأمره بالجلوس ولم يأمره بالتحية. وروى الطبراني من حديث ابن عمر رفعه: (إذا دخل أحدكم والإمام على المنبر فلا صلاة ولا كلام حتى يفرغ الإمام).

والجواب عن ذلك كله: أن المعارضة التي تؤول إلى إسقاط أحد الدليلين ، إنما يعمل بها عند تعذر الجمع، والجمع هنا ممكن.

أما الآية فليست الخطبة كلها قرآنا. وأما ما فيها من القرآن فالجواب عنه كالجواب عن الحديث ، وهو تخصيص عمومه بالداخل.

وأيضا فمصلي التحية يجوز أن يطلق عليه أنه منصت، فقد تقدم في افتتاح الصلاة من حديث أبي هريرة أنه قال : (يا رسول الله ، سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول فيه؟ ) فأطلق على القول سرا السكوت.

وأما حديث ابْنِ بُسْرٍ : فهو أيضا واقعة عين لا عموم فيها، فيحتمل أن يكون ترك أمره بالتحية قبل مشروعيتها ؛ وقد عارض بعضهم في قصة سليك بمثل ذلك .

ويحتمل أن يجمع بينهما ، بأن يكون قوله له: (اجلس) ، أي بشرطه ، وقد عرف قوله للداخل: (فلا تجلس حتى تصلى ركعتين) ، فمعنى قوله: (اجلس) أي لا تتخط .

أو ترك أمره بالتحية لبيان الجواز؛ فإنها ليست واجبة، أو لكون دخوله وقع في أواخر الخطبة بحيث ضاق الوقت عن التحية، وقد اتفقوا على استثناء هذه الصورة.

ويحتمل أن يكون صلى التحية في مؤخر المسجد ، ثم تقدم ليقرب من سماع الخطبة ، فوقع منه التخطي، فأنكر عليه.

والجواب عن حديث ابن عمر بأنه ضعيف، فيه أيوب بن نَهيك، وهو منكر الحديث، قاله أبو زرعة وأبو حاتم. والأحاديث الصحيحة لا تعارض بمثله .

وأما قصة سليك فقد ذكر الترمذي أنها أصح شيء روي في هذا الباب وأقوى " انتهى من "فتح الباري" (2/ 409 ).

 

والمقصود : أن المالكية اجتهدوا في ذلك ، كما هو حالهم وحال أمثالهم من الفقهاء في سائر مسائل الخلاف ؛ واعتمدوا على ما رأوه أقوى من حديث جابر.

 

رابعا:

وأما قضاء الصلاة الفائتة بغير عذر، فالجمهور على وجوب قضائها، حتى القائلين بكفر تارك الصلاة. ودليلهم أنها دَين، ودين الله أحق بالقضاء، وأن المعذور ، كالناسي والنائم ، إذا أمر بالقضاء ؛ فغير المعذور أولى.

وذهب بعض أهل العلم كالظاهرية وابن تيمية وابن القيم إلى أنه لا يجب قضاء ما ترك بغير عذر لأن القضاء يحتاج إلى أمر جديد، ولم يرد الأمر إلا في المعذور .

وينظر: جواب السؤال رقم (91411).

 

وفي هذه المسائل ونحوها : إنما يكون البحث والنظر ، لمن تأهل لذلك ، بأدب ، وإنصاف ، وعلم بمقادير الأئمة ، ومنازل الأدلة ، ودلالاتها ، ولا وجه للتشنيع على من ترجح عنده أي من القولين ، فعمل به ، أو أفتى غيره .

وينظر للفائدة جواب السؤال رقم (8294) ورقم (177830).

خامسا:

سجود التلاوة له مواضع معلومة، اتُّفِق على كثير منها ، واختُلف في بعضها، ومن ذلك الخلاف في سجدات المفصّل.

وفي الموسوعة الفقهية (24/ 219): " سجدات المفصل:

ذهب جمهور الفقهاء إلى أن في المفصل ثلاث سجدات - المفصل من أول سورة (ق) إلى آخر المصحف - أحدها في آخر النجم، والثانية في الآية الحادية والعشرين من سورة الانشقاق، والثالثة في آخر سورة العلق، لما روي عن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أَقْرَأَه خمس عشرة سجدة منها ثلاث في المفصل. [رواه أبو داود وفيه ضعف].

ولما روى أبو رافع قال: صليت خلف أبي هريرة العتمة فقرأ {إذا السماء انشقت} فسجد، فقلت: ما هذه السجدة؟ فقال: سجدت بها خلف أبي القاسم صلى الله عليه وسلم فلا أزال أسجد فيها حتى ألقاه [رواه البخاري].

وروى مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: سجدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في {إذا السماء انشقت} و {اقرأ باسم ربك} .

وعن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ سورة النجم فسجد بها، وما بقي أحد من القوم إلا سجد. [رواه البخاري].

ولأن آية سورة النجم: {فاسجدوا لله واعبدوا} وآية آخر سورة العلق: {كلا لا تطعه واسجد واقترب} وكلتا الآيتين أمر بالسجود.

ومشهور مذهب مالك أنه لا سجود في شيء من المفصل، واستدلوا بما روى زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه قال: قرأت على النبي صلى الله عليه وسلم النجم فلم يسجد [رواه البخاري].

وبما روي عن ابن عباس وابن عمر رضي الله تعالى عنهم قالا: ليس في المفصل سجدة .

وبما أخرج ابن ماجه عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه قال: سجدت مع النبي صلى الله عليه وسلم إحدى عشرة سجدة ليس فيها من المفصل شيء: الأعراف، والرعد، والنحل، وبني إسرائيل، ومريم، والحج، وسجدة الفرقان، وسورة النمل، والسجدة، وفي ص وسجدة الحواميم، [رواه ابن ماجه وهو ضعيف].

ولعمل أهل المدينة لعدم سجود فقهائها وقرائها في النجم والانشقاق" انتهى.

 

وقد بان بهذا أن المالكية اجتهدوا، وعملوا بالسنة التي بلغهم علمها ، وتأيدت بعمل أهل المدينة كما بلغهم.

 

هذا ، مع أن الراجح في المسألة : مذهب الجمهور، لكن الأمر على ما ذكرنا سابقا في هذه المسائل ونحوها من مسائل الخلاف .

 

ونصيحتنا لك : أن تقبل على طلب العلم، وأن تدع الجدال، وأن تلتمس العذر للأئمة ولمن قلدهم، فإن من ليس له أدوات النظر ففرضه التقليد كما تقدم .

وربما قاد الجدال إلى كلام قبيح كالذي نقلته عن إمام المسجد، نسأل الله العافية.

 

فإذا قلدت إماما أو رأيت أن قوله هو الراجح فاتبعه ، وإذا قلد غيرك إماما آخر : فدعه ، ولا تجادله ولا تنكر عليه ، مادامت المسألة من المسائل الاجتهادية .

وحسب العامي أن يعمل في نفسه بما بلغه علمه ، وأفتاه به عالمه ، لا أن يتعرض بالإنكار والتخطئة في مسائل العلم والدين ؛ فضلا عن أن يجعل ذلك من مثارات الجدال واللغط ، والشحناء والضغينة . عافانا الله الكريم ، وإياكم بمنه وفضله .

 

والله أعلم.

موقع الإسلام سؤال وجواب
أضف تعليقا